الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك في ضوء القرآن الكريم
أشار القرآن الكريم في كثير من آياته، إلى أثر الإيمان باليوم الآخر، في تقويم السلوك، وتهذيب الأخلاق، وذلك بالتذكير به في التعاملات الإنسانية والتجاوزات البشرية، وهذا يدل على اهتمام القرآن الكريم بهذا الأمر ولذلك أكثر القرآن الكريم من التذكير بهذا اليوم العظيم؛ إذ به تخف سَورة النفس البشرية وطغيانها، مما يؤدي إلى الالتزام والاستقامة على شرع الله جل وعلا.
ومن النصوص الشرعية القرآنية الشريفة، الدالة على أثر الإيمان باليوم الآخر في تقويم السلوك، وتهذيب الأخلاق، والوقوف عند حدود الشريعة ما يلي:
1 -
يقول الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة:228].
يقول الإمام الطبري في بيان أثر الإيمان باليوم الآخر، في عدم كتمان المرأة المطلقة ما خلق الله رحمها:" إن كتمان المرأة المطلقة زوجها المطلقها، ما خلق الله تعالى في رحمها، من حيض وولد، في أيام عدتها من طلاقه ضراراً له ليس من فعل من يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا من أخلاقه، وإنما ذلك من فعل من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وأخلاقهن من النساء الكوافر، فلا تتخلقن أيتها المؤمنات بأخلاقهن، فإن ذلك لا يحل لكن، إن كنتن تؤمن بالله واليوم الآخر، وكنتن من المسلمات"
(1)
.
ومع كون هذه الآية الكريمة، تدل على أن المرأة مؤتمنة على عدتها وحملها
(2)
…
إلا أن الذي يحملها على عدم خيانة هذه الأمانة، ويحجزها عن ذلك، هو إيمانها بالله تعالى واليوم الآخر.
(1)
الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (4/ 525)
(2)
مكي أبو طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة الشارقة، ط 1 1429 هـ (1/ 761).
وقوله تعالى: {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : قيد كاشف لا مفهوم له، فلا يدل على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم؛ لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن، إنما هو كقولك: إن كنت أخي فلا تظلمني، أي فينبغي أن يحجزك الإيمان عنه؛ لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان
(1)
.
فمن آمنت بالله، وكانت الآخرة أمام ناظريها، لا يمكن أن تجترئ على الخيانة، وغيرها من العظائم، وفي الآية دلالة " على أن كل من جُعل أميناً في شيء، فخان فيه، فأمره عند الله شديد"
(2)
.
2 -
يقول الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)} [البقرة:232]، دلت هذه الآية: على نهي الأولياء، عن عضل مولياتهم عن النكاح، وهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح، عظة مني من كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر، يعني: يصدق بالله فيوحده ويقر بربوبيته، واليوم الآخر يعني: يصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب؛ ليتقي الله في نفسه، فلا يظلمها بضرار وليته، ومنعها من نكاح من رضيته لنفسها، ممن أذنت له في نكاحه
(3)
.
وهذا خطاب لجميع الأولياء، أي: لمن صدق بأمر الله، ووعيده والبعث فأطاع الله في هذه الحدود، فهو أزكى له وأطهر من الريبة
(4)
.
(1)
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط 2 - 1384 هـ، (3/ 119).
(2)
الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (6/ 439).
(3)
الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (5/ 27).
(4)
الزجاج: معاني القرآن، عالم الكتب - بيروت، ط 1 1408 هـ، ص (1/ 311).
وإنما خص الله جل وعلا، الوعظ في هذه الآية المؤمنين دون غيرهم؛ لأن الوعظ إنما يؤثر في المؤمنين، وهو إنما يريد حصول الاتعاظ وليس ذلك إلا للمؤمنين، فلما كان المؤمن هو المنتفع بالوعظ، حَسُن تخصيصه به
(1)
.
3 -
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)} [البقرة:264]، قيل: المنّ في الصدقة بمنزلة الحدث في الصلاة، يبطلها ويحبطها. وقيل: في إحباط الفضل دون الثواب، ومثل هذا: كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الأخر: أي كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس؛ لأن الرياء يبطل الصدقة ويحبطها ، ولذا لو كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وعرف ما عند الله من الثواب العظيم الجزيل، لما رآى بصدقته؛ لأن الصدقة مع الرياء ليست من أفعال المؤمنين، فمن كان يرجوا ثواباً، أو يخشى عقاباً، فلن يرائي
(2)
.
(1)
السمعاني: تفسير القرآن: (1/ 236)، الرازي: مفاتيح الغيب: (6/ 457).
(2)
السمعاني: تفسير القران، تفسير القرآن:(1/ 269)، أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (1/ 259)
4 -
يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء:59]، أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: الرد حين التنازع إلى الله ورسوله، في كل شيء من أصول الدين وفروعه، وهذا تحاكم إلى الله ورسول مأمور به، فيدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما، فليس مؤمناً بالله واليوم الآخر
(1)
.والشرط في قوله {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} هو شرط يراد به الحض على إتباع الحق، وفيه إشعار بوعيد من لم يرد إلى الله والرسول
(2)
.
ودلت الآية الكريمة: على أثر الإيمان باليوم الآخر، في الرد إلى الله والرسول حين التنازع؛ لأنه هو الموجب للرد، يقول العلامة أبو السعود:" فإن الإيمان بهما يوجب ذلك - الرد - أما الإيمان بالله فظاهر، وأما الإيمان باليوم الآخر، فلِما فيه من العقاب على المخالفة"
(3)
. ويقول العلامة الشوكاني: "قوله: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فيه دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه من شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر "
(4)
.
5 -
يقول الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)} [التوبة:18].
(1)
ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (2/ 346)
(2)
أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، 1420 هـ، ت: صدقي جميل، ص (3/ 688)
(3)
أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (2/ 194)
(4)
الشوكاني: فتح القدير، دار ابن كثير - دمشق، ط 1 1414 هـ، (1/ 556)
أبانت هذه الآية الكريمة من المستحق لعمارة المساجد، وهو من اتصف بجملة من الصفات، ابتدأها بقوله:{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} وهو شرط فيمن يعمر المسجد؛ لأن المسجد موضع يعبد الله فيه، فمن لم يكن مؤمناً بالله امتنع أن يعمر موضعاً يعبد الله فيه. ثم قال:{وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : يعني: وآمن باليوم الآخر، وأنه حق كائن؛ لأن عمارة المسجد لأجل عبادة الله، وجزاء أجره إنما يكون في الآخرة، فمن أنكر الآخرة لم يعبد الله، ولم يعمر له مسجداً
(1)
. ويقول الإمام الرازي:" وإنما قلنا: إنه لا بد من أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر؛ لأن الاشتغال بعبادة الله تعالى، إنما تفيد في القيامة، فمن أنكر القيامة، لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله، لم يبن بناء لعبادة الله تعالى"
(2)
.
وأورد الإمام ابن الجوزي سؤالاً مفاده:" فإن قيل: قد يعمر مساجد الله من ليس فيه هذه الصفات؟
فالجواب: أن المراد أنه من كان على هذه الصفات المذكورة، كان من أهل عمارتها، وليس المراد: أن من عمرها كان بهذه الصفة"
(3)
.
6 -
يقول الله تعالى: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)} [التوبة:44 - 45].
(1)
الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1415 هـ (2/ 342)
(2)
الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (16/ 10)
(3)
ابن الجوزي: زاد المسير، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 1 1422 هـ (2/ 243)
بينت الآية الكريمة: حال المؤمنين المصدقين الموقنين، وحال المنافقين المشككين المتحيرين، في القعود عن الغزو، فالمؤمنون الصادقون الذين يرون أن الجهاد قربة، فلإيمانهم بالله وباليوم الآخر، وما فيه من عظيم الجزاء للمجاهدين، لما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا، بخلاف حال المنافقين الذين لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة، قد ارتابت قلوبهم، حين شكت في دين الرسول صلى الله عليه وسلم ولذا فهم {فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)} فيقدمون رجلاً، ويؤخرون أخرى، فليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هلكى
(1)
.
7 -
يقول الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)} [النور:2].
في هذه الآية الكريمة: دلالة واضحة في بيان أثر الإيمان بالله واليوم الآخر في إقامة الحدود، يقول الإمام الطبري: "وقوله (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} يقول: إن كنتم تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة، وللثواب والعقاب، فإن من كان بذلك مصدقاً
…
فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه؛ خوف عقابه على معاصيه"
(2)
.
يقول سعيد بن جبير: قوله: (إن كنتم) يعني: الحكام (تؤمنون) يعني: تصدقون، (بالله) يعني: بتوحيد الله، (واليوم الآخر) يعني وتصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، فأقيموا الحدود (وليشهد) يعني: وليحضر (عذابهما) يعني حدهما
(3)
.
(1)
ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (4/ 159)
(2)
الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (19/ 93)
(3)
ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز -مكة المكرمة، ط 3 1419 هـ (8/ 2519)
وقال بعض أهل العلم: قوله تعالى {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هو من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه
(1)
.
فالإيمان بالله واليوم الآخر، واستشعار عذاب الله في الآخرة لمن ضيع حدود الله تعالى، هو السبب الموجب لقيام الحكام والقضاة بإقامة الحدود فكأن المعنى: إن كنتم مؤمنين، فلا تتركوا إقامة الحدود.
8 -
يقول جل في علاه في هذه الآية: "هذا الذي أمرتكم به، وعرفتكم من أمر الطلاق، والواجب لبعضكم على بعض عند ا لفراق والإمساك؛ عظة منا لكم، نعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فيصدق به"
(2)
.
وإنما كان الوعظ واقع على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه هو المنتفع به، والمقصود بذكره
(3)
.
يقول الإمام ابن كثير:" وقوله: (ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) أي: هذا الذي أمرتكم به من الإشهاد، وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به
…
من يؤمن بالله وأنه شرع هذا، ومن يخاف عقاب الله في الدار الآخرة "
(4)
.
(1)
الزمخشري: الكشاف، دار ابن خزيمة - الرياض، ط 1 1414 هـ (3/ 309)
(2)
الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ت: أحمد محمد شاكر، (23/ 445).
(3)
البيضاوي: أنوار التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 1 1418 هـ (5/ 221).
(4)
ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ت: سامي سلامة (8/ 145).
هذه جملة من النصوص القرآنية، تدل دلالة واضحة، على تأثير الإيمان بالله واليوم الآخر، على الالتزام بالآداب، والتمسك بالأخلاق، والحرص على تطبيق تعاليم الشريعة. ولا أدل على أهمية الإيمان باليوم الآخر واعتقاده، من التلازم بينه وبين الإيمان بالله العلي العظيم؛ "لأن الإيمان بالله، يحقق المعرفة بالمصدر الأول الذي صدر عنه الكون، والإيمان باليوم الآخر، يحقق المعرفة بالمصير الذي ينتهي إليه هذا الوجود.
وعلى ضوء المعرفة والمصير، يمكن للإنسان أن يحدد هدفه، ويرسم غايته ويتخذ من الوسائل والذرائع ما يوصله إلى الهدف، ويبلغ به الغاية.
ومتى فقد الإنسان هذه المعرفة، فإن حياته ستبقى لا هدف لها، ولا غاية منها، وحين يفقد الإنسان سموه الروحي، وفضائله العليا، ويعيش كما تعيش الأنعام، تسيرها غرائزها الطبيعية، واستعداداتها الفطرية، وهذا هو الانحطاط الروحي المدمر لشخصية الإنسان"
(1)
.
وقد أسهب القرآن بذكر بعض الأساليب، التي تعين في القضاء على الأخلاق السيئة، والأعمال المذمومة، والأفعال القبيحة، والعادات القبيحة فجاءت هذه الأساليب، في غاية الفصاحة والبيان؛ تحرك القلب والعقل والوجدان، وتعين المرء على التخلص من هذه الآفات والقبائح، إنه أسلوب التذكير المباشر وغير المباشر بمآل الإنسان ومصيره المحتوم، ووقوفه يوم الدين بين يدي الملك العلام، وشواهده في القرآن الكريم كثيرة، يطول حصره وبيانه، ومن أمثلته:
أ) أكل مال اليتيم:
حثت الشريعة المطهرة على الاهتمام بحق اليتيم، والاهتمام بشؤونهم، فقال الله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة:220]، وجعلت مقابل ذلك الفضل الكبير، وذلك بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم.
فأخرج الإمام البخاري عن سهل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1)
سيد سابق: العقائد الإسلامية: دار الكتاب العربي: بيروت دون رقم الطبقة وتاريخها (1/ 259).
«وَأَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا
(1)
.
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تضيع حقوقه، وحذر منه تحذيراً بالغاً، فقال:
…
«اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ»
(2)
.
وأجازت الشريعة لولي اليتيم، والناظر على ماله، أن يأكل منه بقدر حاجته قال تعالى:{وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (6)} [النساء:6].
ولكن لما كانت نفوس بعض الأولياء، منحرفة عن حفظ الحق، خائنة للأمانة، حذرته الشريعة، وذكرته بيوم يقدم فيه على ربه؛ لعله ينزجر ويرتدع، فقال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)} [النساء:10]،وقال تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)} [الإسراء:34].
ولما كان أكل مال اليتيم بهذه الخطورة، جعله النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات السبع المهلكات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، .... وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ»
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطلاق: باب اللعان ح (5304) دار طوق النجاة، ط 1 1422 هـ
(2)
ابن الجوزي: زاد المسير: 3/ 24، ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم: 7/ 2331، الطبري: جامع البيان: (17/ 446)، محمد بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية: (6/ 4200).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى:(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً)(2766)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (89).
وفي هذا النص القرآني، نلحظ جليا كيف أنه يتغلغل في أعماق النفس البشرية، فيقومها، ويربيها، ويهذبها على معالي الأمور، والبعد عن سفاسفها ويقمع هوى النفس الأمارة بالسوء، ويكبح جماحها، ولذا جاء التهديد شديداً، في مثل هذا العمل الشنيع.
ب) يقول جل وعلا: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء:36].
اختلف المفسرون في معنى قوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}
(1)
:
- فقيل: المعنى: لا ترم أحداً بما ليس لّك به علم.
- وقيل: المعنى: لا تقل رأيت ولم تر ، ولا سمعت ولم تسمع.
- وقيل: المعنى: لا تشهد بالزور.
- وقيل: لا تشرك بالله تعالى.
يقول الإمام الرازي:" {وَلَا تَقْفُ} أي: ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به، من قول أو فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع، وفيه وجوه:
الوجه الأول: المراد: نهي المشركين عن المذاهب التي يعتقدونها في الإلهيات والنبوات بسبب تقليد أسلافهم.
والقول الثاني: المراد منه: شهادة الزور، قال ابن عباس: لا تشهد إلا بما رأته عيناك، وسمعته أذناك، ووعاه قلبك.
والقول الثالث: المراد منه: النهي عن القذف، ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.
والقول الرابع: المراد منه: النهي عن الكذب، قال قتادة: لا تقل: سمعت ولم تسمع، ورأيت ولم تر، وعلمت ولم تعلم.
والقول الخامس: أن القفو أصله البهت، وهو في معنى الغيبة، وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه. واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل "
(2)
.
(1)
ابن الجوزي: زاد المسير (3/ 24)، ابن أبي حاتم: تفسير أبن أبي حاتم: (7/ 2331)، الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (17/ 446).
(2)
الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (20/ 339).
فهذه جملة من الأخلاق المذمومة ، والأمور المحرمة، والآفات المسمومة
…
لا يمكن لأي عقوبات دنيوية صارمة أن تقف حداً مانعاً لوقاية النفس البشرية منها، مثل ما يكون لوازع القرآن في التذكير بمعاد الإنسان وسؤاله عن هذه الأعضاء التي فعل بها هذه القبائح، ولهذا قال جل وعلا:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء:36]، فإما أن يكون المراد: أن المرء يُسأل عن سمعه وبصره وفواده وإما أن يراد به: أن السمع والبصر والفؤاد يُسأل عما فعله المرء
(1)
.
وعلى كلا القولين، فالأمر مخيف، والموقف فظيع، وهو أكبر زاجر للمرء من الوقوع في هذه الأعمال الشنيعة.
ج) يقول الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)} [إبراهيم:42 - 43].
الظلم من أقبح الأعمال ولذا حرمه المولى جل وعلا على نفسه فقال: {يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا .... }
(2)
.
وهذا الظلم الممقوت في الشريعة، يشمل الظلم فيما بين العبد وربه، وظلمه لعباد الله تعالى
(3)
.
وأعظم الظلم هو الشرك بالله عز وجل، قال تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)} [لقمان:13]، وهذه الآية الكريمة فيها: تعزية للمظلوم وتسلية، ووعيد للظالم وتهديد له
(4)
.
(1)
السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط 1 1418 هـ (3/ 242).
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحرم الظلم ح (2577).
(3)
السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ص (427).
(4)
السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط 1 1418 هـ (3/ 122).
فكم ممن تعدى وظلم، وأسرف في الطغيان، دون رادع يردعه، ولا زاجر يزجره، وما درى هذا المسكين أن عاقبة الظلم والبغي، معجلة في الدنيا قبل الآخرة، فعن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»
(1)
.
ولا زاجر للظالم عن ظلمه، إلا مواعظ القرآن المذكرة بيوم الوعيد، ولذا قال المولى جل وعلا في هذه الآية:{إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)} [إبراهيم:42]، اليوم الذي يجازى فيه الإنسان بالجليل والحقير، وقال الله جل وعلا: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ
…
} [سبأ:31]، وقال:
…
{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22)} [الصافات:22]، وقال:
…
{وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)} [سبأ:42].
وقد استشعر هذا المعنى الشاعر أبو العتاهية فقال
(2)
:
أما والله إن الظلم لؤم وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا غداً عند الإله من الملوم
(1)
أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ح (2511).
(2)
أحمد شوقي: الفن ومذاهبه، دار المعارف - مصر، ط 12، ص (166).
ومن هنا نعلم أن زاجر القرآن، وواعظ الهداية والبيان، مهذب للنفس وزاجراً لها عن الوقوع في الظلم، "فإياك ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام"
(1)
قال صلى الله عليه وسلم: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ عز وجل حِجَابٌ»
(2)
.
فهنا تظهر لنا هذه الآيات، أسلوباً بديعاً من أساليب البيان، التي تأخذ بالقلوب والأفئدة والألباب، ففي هذه الآيات الكريمات، تحذير وتهديد شديدين، لمن انغمس في هذه القبائح والمنكرات والكبائر، ووعيد بمضاعفة العذاب في الآخرة، مما يكون له أثر في نفس السامع، وخوفه من الوقوع في هذه الكبائر، لسوء عواقبها في الآخرة، إذ يقول جل وعلا:{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)} إما واد في جهنم، وإما جزاء هذه الآثام، {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: يستدام له العذاب؛ لقاء هذه الآثام المشينة
…
{وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)} أي: حقيراً ذليلاً، فأي زاجر أعظم من هذا الزاجر {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)} [ق:45].
فالإيمان باليوم الآخر والتذكير به، سبب من أسباب انزجار النفوس، عن الوقوع في هذا الأعمال المشينة، ولذا أكثر القرآن الكريم من التذكير به في كل مناسبة.
(1)
الزمخشري: ربيع الأبرار، مؤسسة الأعلمي - بيروت، ط 1 1412 هـ (3/ 321).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء ح (1496)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ح (19).
هـ) يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة:275].
مع انغماس الناس في أوحال الدنيا، وعدم مبالاتهم بما جاءهم منها، من أبواب الحلال أو الحرام، كثر وانتشر التعامل بالربا، بصور مختلفة
…
وأساليب متنوعة، حتى ربما سُوِّق له ببعض شواذ الأقوال.
ومع هذا الواقع المرير، تأتي نصوص القرآن ومواعظه، في مقدمة الزواجر لبيان خطر التعامل بهذه الآفة الخطيرة على الأفراد والمجتمعات، فمَثَّلَ القرآن آكلي الربا يوم القيامة، بأنهم يقومون من قبورهم ويحشرون كمثل المصروع من المس، أو كمثل السكران، وتكون هذه علامة يعرفون بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، بأنهم أكلة الربا في الدنيا. وحين يجمع آكل الربا مع هذا النص الكريم، حديث الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كما في صحيح الإمام البخاري من حديث سمرة رضي الله عنه، في حديث الرؤيا الطويل، وفيه:«رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا»
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيح كتاب البيوع باب آكل الربا وشاهده وكاتبيه ح (2085).
فأي زاجر أعظم من زاجر القرآن، والله جل وعلا يقول:{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)} [ق:45] فالقرآن الكريم لما ذكر آيات الربا، وأبان خطورته، أردفه بقوله تعالى مذكراً بيوم الرجوع إلى الله، فقال:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)} [البقرة:281] وقال في آية أخرى محذراً من مغبة الوقوع والانغماس في الربا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)} [آل عمران:130 - 131]، يقول العلامة الخازن في تفسره:" {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)} أي لكي تسعدوا بثوابه في الآخرة؛ لأن الفلاح يتوقف على التقوى ، فلو أكل ولم يتق ، لم يحصل الفلاح. وفيه دليل على أن أكل الربا من الكبائر ، ولهذا أعقبه بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)} "
(1)
.
ووصف الكفر في الآية، محمول على من استحل شيئاً مما حرمه الله جل وعلا، فإن من استحل شيئاً مما حرمه الله تعالى، فهو كافر بالإجماع ويستحق النار بذلك.
قال ابن عباس: هذا تهديد للمؤمنين، أن يستحلوا ما حرم الله عليهم من الربا وغيره، مما أوجب الله فيه النار
(2)
.
و) يقول الله عز وجل: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)} [القصص:83].
التعاظم، والتكبر، والتجبر، والفساد في الأرض، من خصال أهل الطغيان الذين ليس لهم في الآخرة أمان، لذلك أدبهم القرآن الكريم بآدابه وزجرهم بزواجره، ووعظهم بمواعظه، فقال: يا معاشر المتكبرين المتجبرين، فقط لكم ولأمثالكم هذه الدار الفانية.
(1)
الخازن: لباب التأويل، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1415 هـ (1/ 296)
(2)
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (4/ 202)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب،:(5/ 533)
أما الدار الباقية في الآخرة، فالله يقول:{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} ، فالجنة ليست داراً للمتكبرين المتجبرين.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اخْتَصَمَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبّهِمَا، فَقَالَتِ الجَنَّةُ: يَا رَبِّ، مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتِ النَّارُ: - يَعْنِي - أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا»
(1)
.
فعالج القرآن الكريم داء الكبر والطغيان، بالتذكير بالوقوف بين يدي الديان، ولذا قال تعالى:{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)} [العلق:6 - 8].
فإذا كان المرجع والمآب في الآخرة إلى الرب جل جلاله، فلا مكان للطغيان لأن الرجعى إليه، والعتبى لديه، فيجازيك على طغيانك.
وفي الآية تهديد، وزجر، ووعيد، لهذا الإنسان من عاقبة الطغيان، وهو عام لكل طاغ متكبر
(2)
.
ز) يقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)} [آل عمران:161].
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد ح (7449)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون ح (2846).
(2)
الرازي: مفاتيح الغيب: (32/ 221)، الخازن: لباب التأويل: (4/ 448).
قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم في معنى قوله:{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أي: ما ينبغي لنبي أن يخون
(1)
، وقيل في سبب نزولها: عن ابن عباس قال: اتهم المنافقون رسول الله بشيء فُقِدَ، فأنزل الله عز وجل:
…
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} .
يقول الإمام ابن كثير:" وقد روي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم، وهذا تبرئة له - صلوات الله وسلامة عليه - عن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة، وقسم الغنيمة، وغير ذلك "
(2)
.
وذهب الإمام الطبري إلى أن المراد من الآية: هو النهي عن الغلول، وأخبر سبحانه وتعالى عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}
(3)
.
فالنهي في الآية منصب على المؤمنين، وأن من غلّ من الغنائم فقد خان ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، فيفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، بأن يأتي بالشيء الذي غلّ في الدنيا
(4)
. فمن علم بالفضيحة على رؤوس الأشهاد، والمجازاة على فعل القبائح والمنكرات، انزجر عن فعلها، وانكف عن ممارستها.
يقول الإمام الرازي في قوله تعالى: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)} :"هلاّ قيل: ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله؟ والجواب: الفائدة في ذكر هذا العموم، أن صاحب الغلول إذا علم أن هاهنا مجازياً يجازي كل أحد على عمله، سواء كان خيراً أو شراً، علم أنه غير متخلص من بينهم، مع عظم ما اكتسب"
(5)
.
(1)
الطبري: جامع البيان: ص (7/ 348)، ابن أبي حاتم تفسير ابن أبي حاتم، (3/ 803).
(2)
ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (2/ 151)
(3)
الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (7/ 354)
(4)
ابن عطية: المحرر الوجيز، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1422 هـ (1/ 356)
(5)
الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (9/ 414)
ل) يقول الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)} [آل عمران:180]، في هذه الآية الكريمة، بيان لحال البخل وضخامة عاقبته، وتخطئة لأهله
(1)
، سواء كان البخل في إيتاء الزكاة المفروضة ومانعيها، أو البخل في النفقة على العيال وذوي الأرحام. وهذه الآية وعيد شديد لمن يبخل، والبخل الشرعي: عبارة عن منع بذل الواجب
(2)
.
وهذا الخلق الذميم، نفاه الكريم الرحمن الرحيم عن نفسه المقدسة، حين قالت اليهود عليهم لعائن الله:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ .... } [المائدة:64].
وأخبر القرآن الكريم أن الله جل في علاه، لا يحب هذا الخلق الذميم، قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37)} [النساء:36 - 37]، وقال تعالى:{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)} [الحديد:23 - 24].
وأخبر القرآن الكريم أيضاً ، أن النفس الطاهرة الزكية، هي النفس التي تخلصت من هذا الداء الدفين ، فقال تعالى:{وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)} [التغابن:16].
(1)
أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (2/ 120)
(2)
أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، 1420 هـ، ت: صدقي جميل، ص (3/ 451)
فحين يعلم البخيل أنه سيوكل إلى بخله في دنياه: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)} [محمد:38].
وحين يعلم أنه سيط وقون بما بخل به في أخراه {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ؛ سيكون هذا أكبر رادع، عن التمادي في هذا الخلق الذميم، "ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم، مما آتاهم الله من فضله من المال، والجاه، والعلم، وغيره، ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خيرا لهم، بل هو شر لهم في دينهم ودنياهم وعاجلهم وآجلهم "
(1)
.
إن المتتبع لأسلوب القرآن الكريم، لمعالجة كثير من قضايا المجتمعات المؤلمة كالغل، والحقد، والحسد، والرياء، والعجب، والكبر، والغرور، وغيرها من آفات القلوب، وكثير من مآسي التعاملات اليومية المشتملة على الغش والتطفيف، وأكل أموال الناس واليتامى بالباطل، وغيرها من آفات الجوارح، وكثير من الظواهر المتفشية، كالكذب، والخيانة، والغيبة
…
والنميمة، وغيرها من آفات اللسان يجده أنجع الأساليب في معالجة هذه الظواهر المؤلمة، وذلك بالتذكير باليوم الآخر، وجعله ماثلا أمام أعينهم وبهذا الأسلوب الرائع، عالج القرآن الكريم كثيراً من هذه القضايا.
(1)
السعدي: تيسير الكريم الرحمن، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ص (158).