الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: علاقة الإنسان بالكون:
إن تكريم الإنسان على من عداه، من مخلوقات هذا الكون، لم يقف عند هذه الحدود، بل قرر القرآن: أن الإنسان هو سيد هذا الكون، وأن هذه الظواهر الطبيعية ، التي طالما رهبها حتى عبدها، إنما هي مسخرة له ، بل إنها لم تخلق إلا لتكون مسخرة لهذا الإنسان.
وفي كثير من سورة القرآن الكريم، تُلح آياته على تقرير هذا المعنى
…
وتغرس في نفس الإنسان، وعقله، ووجدانه، هذا التصور الجديد، الذي يحرره من العبودية - عبودية الطبيعة وظواهرها –، إلى الحد الذي قرر فيه: أن هذه الطبيعة، وقواها، وظواهرها، إنما هي جميعاً مسخرة لهذا الإنسان
(1)
.
وهذا التسخير الكوني لهذا الإنسان العجيب، ينبغي أن تحكمه مجموعة من العلائق، التي تكون سبباً في الإفادة من هذا التسخير، ومنها:
1) التأمل والتدبر في سير هذا الكون المطرد، التي لم تنخرم سننه منذ كان إلى أن يأذن الله بفنائه، والنظر إليه بعين البصر والبصيرة، الموصل إلى توحيد الله عز وجل، يقول الله في دعاء المؤمنين:{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)} [آل عمران:191].
ثم ينتج عن هذا التأمل والتدبر علاقة أخرى بين الإنسان والكون وهي:
2) إعمار هذا الكون بما أراد الله من طاعته وعبادته، وهي الغاية العظمى والقصوى في خلق هذا الإنسان، يقول تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات:56].
وهذا النظر والتأمل في زوايا هذا الكون، يعمق التوحيد في قلوب المؤمنين ويفتح آفاقاً في قلوب الجاحدين المنكرين؛ لأن هذا النظر لا بد من أن يؤدي إلى الاعتراف بخالق هذا الكون ومدبره، والمتصرف فيه.
(1)
محمد عمارة: نظرية الخلافة السلفية، الثورة، دار المعارف، 1994 م، (154 - 157 بتصرف)
ومتى أيقن الإنسان بربوبية الله تعالى له، ولهذا الكون، ولما سواه وعداه لزمه صرف العبادة له وحده دون ما سواه، وإعمار هذا الكون بطاعته؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية، فمن اعتقده خالقاً رازقاً مدبراً لهذا الكون متصرفاً فيه، له القوة والقدر والقهر، وجب عليه أن يصرف له العبادة؛ لاستحقاقه لها سبحانه وتعالى.
3) أن يكون هذا الكون ميداناً فسيحا للنشاط الإنساني، يستخدم فيه الإنسان طاقاته وإمكاناته، ويسخره لمنفعته، هذه المنفعة التي ستؤول في النهاية، إلى تحقيق عبادة الله تعالى، وقيام شريعته في المجتمع البشري
(1)
.
4) أن العلاقة التي تكون بين الإنسان والكون، يجب أن تكون علاقة أخذ وإعطاء، علاقة إحسان وكف، فيساهم في كل سبب فيه إعمار هذا الكون مما يرقى بمستوى هذا الإنسان، ويحمي قيم الجمال والأخلاق، التي من شأنها حماية أفراد هذا الكون من السقوط في الرذائل، فكما أن الإنسان مطالب في علاقتة بهذا الكون أن يُحسن، فكذلك هو مطالب بأن يكف عما من شأنه أن يخل بتوازن هذا الكون. والفساد الناشئ من بني الإنسان، سبب من أسباب فساد جماليات هذا الكون
(2)
.
فالعلاقة بين الإنسان والكون علاقة تكاملية، تنتج عنها انسجام وتوافق والانسجام بالنسبة للكون ناتج عن صفة قسرية تسخيرية، في حين يصدر من الإنسان عن إرادة حرة، فمالم تكن هذه الإرادة وفق التشريعات، لم يتحقق ذلك الانسجام والتوافق تحققاً كاملاً، وإن حصل المكلف منه ما ينتفع به في دنياه، إلا أنه لا ينتفع به أخراه.
(1)
عبد الكريم عثمان: معالم الثقافة الإسلامية، مؤسسة الأنوار - الرياض، 1416 هـ، ص (21)
(2)
انظر: د. إبراهيم محمد سالم، في مقال له بعنوان (الإسلام وتصحيح علاقة الإنسان بالكون)، منشور في موقع وكالة القدس للأنباء بتاريخ: 7 أيار 2012 (بتصرف)