الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 - انخفاض معدلات الجريمة:
يعيش الناس في ظل المجتمعات المؤمنة ، في حب ووئام ، وتلاحم وسلام ، يأمنون فيه على أعراضهم ، وأموالهم ، وممتلكاتهم ، ومعتقداتهم ، وحرياتهم. المجتمع المؤمن ترسو فيه سفينة الأمان ، على قواعد العدل والإنصاف؛ لتنشر الفضائل ، ومعاني الولاء. والمجتمع المؤمن يعيش متلاحماً متماسكاً ، مهما هبت عليه عواصف التغيير.
والمجتمع المؤمن يشعر باستقرار في جميع مناحي الحياة؛ لأن المرء يعيش في ظل دولة الإسلام ، آمنا مطمئناً ، تؤدى إليه كل الحقوق والواجبات.
في المجتمع المؤمن تنشأ مبادئ، تقوم على إغاثة الملهوف، وإسعاف المكروب وكفالة اليتيم، والقيام على أمور المحتاجين. وفي المجتمع المؤمن تحفظ الحقوق ، وتصان الكرامات.
فهذه العوامل وغيرها، هي أثر من آثار الإيمان بالآخرة، ينشئ عنها ولا بد استقرار الأمن ، وانخفاض معدلات الجريمة.
وحين نرجع بالذاكرة إلى العهد النبوي ، ونقلب صفحات تأريخ الدولة الإسلامية الأولى، التي نشأت على مبدأ إقامة العدل ، وإعطاء الحقوق وحفظ العهود والمواثيق، نجد أنه لم يسجل لنا التاريخ عن تلك الحقبة ، إلا حالات يسيرة - لا تتجاوز أصابع اليدين - عن التعدي على الأعراض والممتلكات؛ لأن كل فرد في ذلك المجتمع ، عرف ما عليه فأداه، وعرف ما له فأخذه ، وربما آثر به غيره. في المقابل اقرأ أو اسمع عن حجم الجرائم في المجتمعات التي انعدم فيها الإيمان ، أو قل منسوبه في قلوب أفراده ، فإنك لن تنتهي من سماع جريمة مروعة ، إلا وتتبعها أخواتها من الجرائم الأخرى ، مع قوة تحكيم القوانين التي ادعوها، والأنظمة التي اخترعوها ، إلا أنهم يقفون عاجزين ، عن مواجهة هذا السيل العارم من هذه الجرائم ، التي لا تسلم منها مثل هذه المجتمعات.
فلا أمان للمجتمعات من الانحدار، ولا سبيل لها للارتقاء، إلا في ظل اليقين، وتحت سقف الإيمان بيوم الدين، فالإيمان بالآخرة، جدير بخلق مجتمع طاهر نزيه عفيف، يقوم على ساق الأخلاق التي بها يُقضى على كثير من الانحرافات، فالتربية الأخلاقية "خير وسيلة للقضاء على مشكلة ازدياد الجرائم والانحرافات، بجميع أشكالها وألوانها؛ لأن وظيفة التربية الأخلاقية ، بناء جيل ملتزم بالخير ، متجنب للشرور "
(1)
.
وخلاصة الأمر:
أن الإيمان باليوم الآخر ، يصنع مجتمعاً تكاملياً ، تظهر فيه كل المعاني الجميلة ، والأخلاق الحميدة ، من الكرم الجود ، والتعاون والإخاء ، والمحبة والوفاء، فيكون المجتمع بكل أطيافه حارس أمن ، وقائدا للسلامة.
وأن الإيمان باليوم الآخر، له صلة وثيقة بالصحة النفسية والجسدية؛ فالمؤمن بالآخرة لا يغتم بحلول المصائب والنكبات عليه؛ لأنه يستقبل ذلك بصدر رحب، ونفس مطمئنة راضية بالقضاء والقدر ، فيعيش سعيداً. وهذا بدوره ينعكس على المجتمع بالإيجابية؛ لأنه حينئذ سيقل أو يتلاشي معول فساد القلب، الذي ربما حمل في طياته معاني سيئة، من الغل والحقد والحسد ، فهذا طريق من طرق سلامة المجتمع واستقراره.
وأن الإيمان بالآخرة، سبب لاستقرار الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسة والاقتصادية؛ لأن المؤمن بالآخرة، يخشى مقام ربه ، فلا يغش ، ولا يرابي، ولا ينافق ، ولا يرائي ، ولا يغتاب ، ولا ينم ، ولا يخدع ، ولا يتجبر ، ولا يتكبر ، وتلاشي هذه الأمور وانعدامها، كفيلة بأمان المجتمعات واستقرارها.
ومتى خلا قلب المرء من الآخرة، وقع في هذه المثالب والمعايب ، فأصبحت كالسوس الذي ينخر في جسد المجتمع حتى يهلكه.
وأن الإيمان باليوم الآخر، سبب لحفظ الأسر المسلمة من الانهيار والسقوط ، فالأسر المبنية على الإيمان ، لا تؤثر فيها العواصف ، ولا تهزها المواقف ، فهي أسر متماسكة متلاحمة.
(1)
مقداد يالجن: علم الأخلاق الإسلامية، دار عالم الكتب - الرياض، ط 1 1413 هـ، ص (11)
ولذا تقل في هذه الأسر، الكثير من الظواهر المؤلمة، من حالات الطلاق، والإجهاض، والأطفال غير الشرعيين ، وكذا جرائم العنف ضد الزوجات والأطفال.
فالإيمان باليوم الآخر يعني حصانة للمجتمع ، يدفعه لاستنكار كل ما يقع فيه من انحرافات ، فيبقى أثرها السام محصوراً في أضيق نطاق
(1)
.
وختاماً: فإن المجتمع الذي يُنشئه الإسلام، مجتمع فكري خلقي ، يستند إلى مبدأ وغاية، ويجتمع أفراده على الإيمان بهذا المبدأ، فلا تتكون في هذا المجتمع الطبقية، القائمة على أساس النسل والسلالة وغيرها ، وإنما تُبنى على عقيدة جامعة، وضابط خلقي جامع، فكل من آمن بالله ربا ومالكاً ، ورضي بما جاءت به الرسل من الهدى ودين الحق ، منهجاً عملياً لحياته ، فقد أصبح جزءاً من أجزاء هذا المجتمع، وفردا من أفراده، والإسلام الحق هو السقف الذي يعيش الجميع، تحت ظله آمنين مطمئنين.