الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأهل الملل من اليهود والنصارى، "يقرون بالعبادات، وبأن الله هو المستحق للعبادة، ويقرون بالثواب والعقاب المنفصلين مع القيامة الكبرى ومعاد الأبدان مع معاد النفوس، إلى غير ذلك مما جاءت به الرسل، لكن بدلوا بعض ما جاءت به الرسل "
(1)
.
فوقوع اليوم الآخر و معاد الأبدان، معلوم بالاضطرار من دين الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وقد انطوى عصر الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، وتابعيهم، وهم القرون المفضلة على ذلك من غير اختلاف بينهم
(2)
.
المطلب الثالث القدر المجزئ من الإيمان باليوم الآخر
الإيمان المجمل والمفصل:
في سؤال ورد إلى العلامة أبي عبدالله الشريف مفاده: هل يُطلب الإيمان بالمعاد على سبيل الجملة، أو على التفصيل؟ وأجاب بما حاصله:
" أنه قد تقرر في الشرع، ألا تكليف إلا بما هو مقدور للعبد، ومعلوم له. وأن المعاد وأحواله، وصفاته، غير معلوم لنا، فتحصل من ذلك أمران:
1 -
أن المُكَلَفَ به لا بد أن يكون معلوما.
2 -
أن أحوال المعاد وتفاصيله، وما هو عليه، ليس بمعلوم لنا، وليس في قوتنا الإحاطة به.
وبهاتين المقدمتين يتبين: أن المكلف به في حديث المعاد، الإيمان به على الجملة من غير تعرض إلى ما عدا ذلك.
ويتبين أيضا: مع هذا صحة قول القائل: آمنا به على ما جاء به الوحي، وأن هذه العبارة أحسن ما يجعل عنوانا على الدلالة على المطلوب من الإيمان بالمعاد، وهو الإيمان بالجملة"
(3)
.
(1)
ابن تيمية: الصفدية: (2/ 240).
(2)
السفاريني: لوامع الأنوار: (2/ 33)، الفوزان: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد: ص (26).
(3)
الونشريسي: النوازل الجامعة: (548 - 550).
فالإيمان المجمل: هو القدر المجزئ الذي يتحقق به الإيمان بهذا الركن العظيم، وبيان ذلك: أن الإيمان باليوم الآخر له مقامان: مقام إجمالي، ومقام تفصيلي
(1)
:
- فالمقام التفصيلي: يتبع العلم بما جاء في الكتاب والسنة، من أحوال اليوم الآخر. فمن جهل الإيمان التفصيلي باليوم الآخر فهو معذور ويكفيه الإيمان المجمل حتى يُعرَّف بالنصوص الشرعية التفصيلية فإن عرف وأنكر وكذب، كان مكذبا للقرآن والسنة.
- وأما المقام الإجمالي: فهو أن يُوقن العبد، ويُؤمن، ويُصدق بأن هناك يوما يُبعث الله تعالى فيه العباد، فيجزي المحسن بإحسانه، والمسيئ بإساءته.
وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: " من لقي الله بالإيمان بجميع ما جاء به الرسول مجملا، مقرا بما بلغه من تفصيل الجملة، غير جاحد لشيء من تفاصيلها، أنه يكون بذلك من المؤمنين؛ إذ الإيمان بكل فرد من تفصيل ما أخبر به الرسول، وأمر به غير مقدور للعباد، إذ لا يوجد أحد إلا وقد خفي عليه بعض ما قاله الرسول "
(2)
، وقال:" فإن الإيمان المجمل بما جاء به الرسول من صفات الرب، وأمر المعاد، يكفي فيه ما لم ينقض الجملة بالتفصيل، ولهذا اكتفوا في هذه العقائد بالجمل، وكرهوا فيها التفصيل المفضي إلى القتال والفتنة، بخلاف الشرائع المأمور بها، فإنه لا يكتفي فيها بالجمل، بل لا بد من تفصيلها علما وعملا "
(3)
.
(1)
ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: ص (43)، ابن الموصلي: مختصر الصواعق المرسلة: ص (168)، السعوي: رسالة في أسس العقيدة: ص (10)، عبد القادر عطا: المفيد في مهمات التوحيد: ص (89) صالح آل الشيخ: شرح الأصول الثلاثة: ص (591)، صالح آل الشيخ: شرح الطحاوية:
…
(2/ 874).
(2)
ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: (6/ 351).
(3)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (20/ 99)
وهذا الإيمان المجمل لا يُشترط فيه العلم بمعنى كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا ريب فيه. فكل من اشتبه عليه آية من القرآن، ولم يعرف معناها وجب عليه الإيمان بها، وأن يكل معناها إلى الله تعالى، فيقول: الله أعلم وهذا متفق عليه بين السلف والخلف
(1)
.
قال ابن أبي العز: " ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية "
(2)
.
والإيمان المجمل ليس كالإيمان المفصل، فإن " الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مفصلا، ليس مثل الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملا، فإنه لا بد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر
…
لكن من صدق الرسول، ومات عقب ذلك، لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك "
(3)
.
يقول العلامة ابن باز: " وهكذا الأصل الخامس، وهو الإيمان باليوم الآخر نُؤمن به إجمالا وتفصيلا، فنؤمن بما سمى الله تعالى من أمر الآخرة كالجنة والنار، والصراط والميزان، وغير ذلك، وما سوى ذلك مما لم يرد في الآيات والأحاديث تفصيله، نُؤمن به على سبيل الإجمال "
(4)
.
فالإيمان المجمل: هو القدر الذي لا يقبل نقصا، فأي نقص فيه، يعني انخرام أصل الدين. والإيمان المفصل: يشمل المعنى السابق للإيمان المجمل مضافا إليه الالتزام بما بلغه من الشرائع، والانقياد لها
(5)
.
(1)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى،:(16/ 410)
(2)
ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (70).
(3)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (7/ 196)
(4)
ابن باز: محاضرة في أصول الإيمان - من موقع الشيخ الرسمي على الشبكة العنكبوتية، تحت عنوان: إملاءات الشيخ.
(5)
طارق عبد الحليم: حقيقة الإيمان، دون بيانات للنشر، من موقع المؤلف على الشبكة العنكبوتية، ص (21) عبدالله عبد الحميد: الإيمان: ص (50)، الجربوع: أثر الإيمان: (1/ 195)