الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا الثبات والصبر على الإيمان، هو الذي دفع بزوجة الطاغية فرعون أن تجهر بالإيمان، ولا تخاف أحداً سوى الرحمن، فكانت تسأل من غلب؟ موسى أم السحرة؟ فقيل لها: غلب موسى وهارون، فقالت: آمنت برب موسى وهارون، فشدّد عليها فرعون الخناق، وأجرى عليها ألواناً من العذاب، إلا أنها حين أيقنت بما عند الله من الثواب قالت:{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)} [التحريم:11]، فأراها الله تعالى بيتها في الجنة، فنسيت ما هي فيه من العذاب وضحكت، فقالوا: هي مجنونة تضحك، وهي في العذاب
(1)
، ضحكت حين علمت أن الله تعالى حقق لها أمنيتها في القربة والكرامة، فإنها طلبت جوار القربة، ولبيت في الجوار أفضل من ألف قصر غير الجوار
(2)
.
وهذا الإيمان بحد ذاته، يُعطي المؤمن قوة، يدفع بها كل المصاعب والمتاعب التي تواجهه، وهو باب من أبواب الثبات بكل صوره ومعانيه.
6 - القناعة في الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى:
وهذا هو ما ربى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وذلك حين رأى عمر رضي الله عنه، أثر الشريط في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «مَا يُبْكِيكَ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ:«أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ» قال: بلى، قال: هو كذلك
(3)
.
(1)
السمرقندي: بحر العلوم، دار الكتب العلمية - بيروت، 2010 م (3/ 472).
(2)
القشيري: لطائف الإشارات، الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، ط 3، (3/ 609).
(3)
البيهقي: دلائل النبوة (1/ 337)، وأصل الحديث في صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء ح (30)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلق قلوب أصحابه بالحياة الآخرة، لأنها هي الدار الباقية أما الدنيا فلا أسف على فوات بعض مصالحها، فلو كانت الدنيا بما فيها من ملاذ، تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء؛ لحقارتها وقلتها، مع أن الحكمة "في إطعامهم، وإسقائهم، وإبقائهم: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"
(1)
، وهذا المقصود منه: التزهيد في الدنيا، والترغيب في العقبى
(2)
.
يقول العلامة المناوي:" وهذا أوضح دليل، وأعدل شاهد، على حقارة الدنيا "
(3)
.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يشجع أصحابه رضي الله عنهم، بأن يكونوا من أصحاب الآخرة:
فيسمو بهممهم، ويعلو بأفئدتهم نحوها، فيقول عليه الصلاة والسلام في يوم الخندق مجيباً لأصحابه حين قالوا:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبداً
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة
(4)
وقد قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا»
(5)
.
ومتى علم الإنسان أنه في الدنيا، ضيف مرتحل، وزائر منتقل، زهد فيها ورغب فيما عند الله تعالى من الفضل والكرامة.
(1)
القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط 1 1422 هـ (5/ 1733)
(2)
القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط 1 1422 هـ (8/ 3226)
(3)
المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط 1 1356 هـ (5/ 328)
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب ألا يفروا ح (2961).
(5)
أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ح (2377).