الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - الاستقامة على شرع الله تعالى:
إن الاستقامة على شرع الله تعالى، مقتضاها القيام بالأمر والنهي، وحين تعلم النفس ما أُعد للمستقيمين على شرع الله من الخير والمكرمات، فلن يحول بينها وبين الوصول إليها، والقيام بحقوقها، أي عائق.
قال الأستاذ القشيري: "واعلم أن الاستقامة توجب إدامة الكرامة، قال الله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16)} [الجن:16]. لم يقل: سقيناهم، بل قال (أسقيناهم) يقال: أسقيته إذا جعلت له سقيا، فهو يشير إلى الدوام"
(1)
.
وفي هذا المقام يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" وأن الكرامة لزوم الاستقامة وأن الله لم يكرم عبده بكرامة، أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله "
(2)
.
والاستقامة كما قال العلماء: هي المداومة على موجب الأمر والنهي
(3)
.
يقول الإمام ابن رجب:" والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك: فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك "
(4)
.
ويقول الإمام النووي:" قال العلماء: معنى الاستقامة: لزوم طاعة الله تعالى قالوا: وهي جوامع الكلم وهي نظام الأمور"
(5)
.
(1)
القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 358).
(2)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (10/ 29).
(3)
السمعاني: تفسير السمعاني، دار الوطن - الرياض، ط 1 1418 هـ (2/ 462).
(4)
ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 7 1422 هـ، (1/ 510).
(5)
النووي: رياض الصالحين، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 3 1419 هـ، ص (39).
إن الاستقامة على الشرع من الأمور العظيمة، يقول الأستاذ القشيري:" الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيماً في حالته، ضاع سعيه وخاب جهده"
(1)
، وقال الواسطي عن هذه الخصلة الكريمة:"الخصلة التي بها كملت المحاسن ويفقدها قبحت المحاسن"
(2)
.
والاستقامة تشمل عدة أمور: الاستقامة على أن الله جل وعلا ربهم وخالقهم، والمتصرف في أمورهم، ثم الاستقامة على طاعته سبحانه، وأداء فرائضه، واجتناب نهيه، والاستقامة في الأفعال والأقوال، والاستقامة في السر والجهر.
يقول الأستاذ أبو علي الدقاق:" الاستقامة لها ثلاثة مدارج: أولها التقويم ثم الإقامة، ثم الاستقامة، فالتقويم من حيث تأديب النفوس، والإقامة من حيث تهذيب القلوب، والاستقامة من حيث تقريب الأسرار"
(3)
.
إن سلوك طريق الاستقامة أمر عسير، "ولأجل عسر الاستقامة، وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى في كل يوم سبع عشرة مرة في قوله {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة:6] "
(4)
، ولذا أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم -بالدوام على الاستقامة، فقال سبحانه {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود:112].
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ: " قُلْ: «آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ «
(5)
.
(1)
القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 356).
(2)
ابن دقيق العيد: شرح الأربعين النووية، مؤسسة الريان، ط 6 1424 هـ، ص (81).
(3)
القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 357).
(4)
الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (3/ 64).
(5)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، بابا جامع أوصاف الإسلام ح (38).
وعن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ»
(1)
.
وللاستقامة أصل، وأول، وطرق: فأصل الاستقامة في ثلاثة: إتباع الكتاب والسنة، ولزوم الجماعة
(2)
، وأول الاستقامة: صحبة العلماء بالله عز وجل
(3)
، وأساس طرق الاستقامة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية
(4)
. يقول الإمام ابن القيم في بيان الطريق الموصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال:" وهي شيئان:
أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها، والحذر من إهمالها، والاسترسال معها
…
والثاني: ألاّ يجعل مجرد حفظها هو المقصود، بل لا يتم ذلك إلا بأن يجعل موضعها خواطر الإيمان، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والخشية، فيفرغ قلبه من تلك الخواطر، ويعمره بأضدادها"
(5)
.
إذن: فيكف لا تطمئن النفوس وترتاح، حين تعلم بهذا التثبيت لحال المستقيمين على شرع الله جل وعلا:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)} [فصلت:30]، ولذا كان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول:"اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة "
(6)
.
(1)
أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء ح (277).
(2)
المحاسبي: رسالة المسترشدين، مكتب المطبوعات الإسلامية - بيروت، ط 2 - 1391 هـ، ص (128).
(3)
أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 2 - 1426 هـ (2/ 139).
(4)
زكريا الأنصاري: المنفرجتان، دار الفضيلة - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (50).
(5)
ابن القيم: طريق الهجرتين، دار السلفية - القاهرة، ط 2 - 1394 هـ، ص (176).
(6)
عبد الرزاق: تفسير عبد الرزاق، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1419 هـ (3/ 157).