الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويقول الإمام القرطبي:" فأحوال المقابر وأهلها على خلاف عادات أهل الدنيا في حياتهم، فليس تنقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا مما لا خلاف فيه، ولولا خبر الصادق بذلك لم نعرف شيئاً مما هنالك "
(1)
.
وشبه القوم تتلخص في الآتي:
أ. شبه نقلية:
1 -
زعموا أن القرآن الكريم لم يدل على عذاب القبر:
الرد: هذا القول غلط، لأن هذا شأن من لم يتدبر القرآن، ولم يتأمل في معانيه، وإلا فإن القرآن الكريم مليء بذكر عذاب القبر تصريحاً وتلميحاً، كما سبق ذكره في الأدلة، يقول الإمام ابن تيمية عن هذا القول:"وهو غلط، بل القرآن قد بيَّن في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن، وبيَّن النعيم والعذاب في البرزخ "
(2)
.
2 -
زعموا أن القرآن الكريم يدل على نفي عذاب القبر، واحتجوا على نفي عذاب القبر بما يلي: قال الله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} [البقرة:28]، قال المنكرون: دلت هذه الآية على بطلان عذاب القبر، وذلك: أنه تعالى بيّن أنه يحييهم مرة في الدنيا،
وأخرى في الآخرة، ولم يذكر حياة القبر، قالوا: ويؤكده قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} [َالمؤمنون:15 - 16]. ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحياتين.
(1)
القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط 1 1415 هـ، ص (140).
(2)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف:(4/ 263).
الرد: أولا: اختلف المفسرون في تفسر الحياتين والموتتين، والذي عليه السلف وعلى رأسهم ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، وجماعة التابعين، وجمهور أهل التفسير كقتادة ومقاتل والفراء وثعلب والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري، ورجحه ابن الجوزي وابن كثير وغيرهم، أن معنى الآية: أن الموتة الأولى: كونهم نطفاً وعلقاً ومضغاً، فأحياهم في الأرحام، ثم يميتهم بعد خروجهم إلى الدنيا، ثم يحييهم للبعث يوم القيامة
(1)
.
ثانيا: لا يلزم من عدم ذكر حياة القبر في هذه الآية ألاّ تكون حاصلة، فقد وردت في آيات أخرى تدل عليها.
ثالثا: يمكن قلب الدليل عليكم فيقال: إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية، لأن قوله في (يحييكم) ليس هو الحياة الدائمة، وإلا لِمَ صح أن يقول:(ثم إليه ترجعون) لأن كلمة (ثم) تقتضي التراخي والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ، فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً
(2)
.
ب. قال الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} [المؤمنون:15 - 16]. قال المنكرون: هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر، لأنه قال:{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} ، ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة.
الرد: أولاً: أن معنى الآية الكريمة: أنه بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} يعني النشأة الآخرة فتحيون للجزاء
(3)
.
(1)
ابن الجوزي: زاد المسير: (1/ 49)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (1/ 213)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (1/ 249)،ابن عطية: المحرر الوجيز: (1/ 114).
(2)
الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (2/ 377).
(3)
النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط 1 1419 هـ (2/ 462).
ثانياً: أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة، فقد ورد ذكرها والإشارة إليها في مواضع أخر، على أن قوله جل وعلى في الآية (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون): فيه دلالة على حياة القبر، وذلك أن البعث هو الإطلاق، فكأنهم حبسوا مدة ثم أطلقوا
(1)
.
وثالثاً: أن الغرض هو ذكر هذه الأجناس الثلاثة: الإنشاء، والإماتة، والإعادة، والذي تُرك ذكره فهو من جنس الإعادة
(2)
.
ج. قال الله تعالى {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)} : [المؤمنون:112 - 113]. قال المنكرون: قوله: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ} : يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض، وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض، فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة، فما كانوا يقولون:{لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} .
الرد: أولاً: معنى هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل قال لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية، {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ} من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا:{لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء، وطول مكثهم في القبور في العذاب، لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة، حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلا يوماً أو بعض يوم
(3)
.
ثانيا: أن الجواب لا بد وأن يكون بحسب السؤال، وإنما سألوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.
(1)
السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط 1 1418 هـ (3/ 468).
(2)
الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (23/ 267).
(3)
مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية (7/ 5010)، الماوردي: النكت والعيون (4/ 69) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 1 1420 هـ، (3/ 377)