الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول عقيدة نبي الله عيسى عليه السلام، وقومه في المعاد:
أخبرنا القرآن الكريم عن اتفاق كافة الرسالات السماوية على أمر البعث والمعاد، قال جل وعلا:{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)} [آل عمران:113 - 114].
فوصف جلّ وعلا أهل الكتاب ببعض الصفات المحمودة المرضية، وذكر أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر من المشتركات التي جاءت الرسل عليهم السلام بالإيمان بها.
فهنا اعتراف صريح من الكافرين بقيام الحجة عليهم، وذلك أن الرسل عليهم السلام، جاؤوهم يخوفونهم لقاء الله جل وعلا، فقيل لهم:{أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)}
…
[الزمر:71].
وهذا الأمر المتفق عليه بين كل الشرائع، جاء في آيات القرآن الكريم عن نبي الله عيسى عليه السلام، ما يدل على الإيمان بالبعث والمعاد الأخروي:
1 -
قال سبحانه جل وعلا عن نبيه عيسى عليه السلام، حين تكلم في مهده:{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)} [مريم:33].
فعيسى عليه السلام، سلّم على نفسه في هذه الأوقات، وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته، أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع، فأخبرهم أنه سيموت، وأنه سيبعث حيا
(1)
.
ففي الآية الكريمة "إثبات منه لعبوديته لله عز وجل، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق"
(2)
.
2 -
أخبر الرب جل وعلا: أن عيسى عليه السلام، علم للساعة، وشرط من أشراط وقوعها، فقال:{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} [الزخرف:61] أي: وإن ظهور عيسى، علم يعلم به قرب قيام الساعة، أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة
(3)
.
(1)
مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية (7/ 4534).
(2)
ابن كثير: تفسير القرآن ت: سامي سلامة (5/ 230).
(3)
مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية، مجموعة بحوث الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة الشارقة، ط 1 1429 هـ (10/ 6686).
3 -
والمعنى: أن الله تعالى بشّر عيسى عليه السلام، بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة، والدرجات الرفيعة العالية، وأما في القيامة فإنه يحكم بين المؤمنين به، وبين الجاحدين برسالته
(1)
.
4 -
وقال سبحانه وتعالى عن نبيه عيسى عليه السلام: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)} [آل عمران:42]
فهذه بشارة من الملائكة لمريم عليها السلام، بأنه سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير، اسمه المسيح عيسى بن مريم، به يكون مشهوداً في الدنيا ويعرفه المؤمنون بذلك، وجيهاً في الدنيا والآخرة، أي: له شأن كبير، اسمه المسيح عيسى بن مريم، به يكون مشهوراً في الدنيا، ويعرفه المؤمنون بذلك.
(وجيهاً في الدنيا والآخر) أي: له وجاهة ومكانه عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم
(2)
، وهو من المقربين عند الله يوم القيامة
(3)
.
(1)
الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (8/ 239).
(2)
ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (2/ 43).
(3)
ابن المنذر: تفسير ابن المنذر، دار المآثر - المدينة النبوية، ط 1 1423 هـ (1/ 201).
4 -
اختلف المفسرون في وقت هذا الخطاب، هل هو في الدنيا أم في الآخرة؟
فذهب إلى الأول: السدي وصوبه ابن جرير الطبري، وأن الخطاب كان حين رفعه إلى السماء.
وذهب إلى الثاني قتادة، ورجحه ابن كثير، وقال:"والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر والله أعلم: أن ذلك كائن إلى يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة "
(1)
.
وهذه العقيدة الصافية التي ذكره القرآن الكريم، هي العقيدة التي أكدها المسيح عليه السلام، وبين أنه في الآخرة سيمضي الناس فريقين: هؤلاء إلى عذاب أبدي، والأبرار إلى حياة أبدية.
ثم ذكر المسيح شيئاً من عذاب الآخرة فقال: إن أعثرتك يدك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة أقطع، من أن تكون لك يدان وتمضي إلى جهنم، إلى النار التي لا تطفأ، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ، وإن أعثرتك عينك فاقلعهما خير لك أن تدخل ملكوت الله أعور، من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ.
وكذلك ذكر المسيح شيئاً من نعيم الآخرة، وأن في الآخرة، منازل كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم أنا أمضي لأعد لكم مكاناً
(2)
.
(1)
ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ت: سامي سلامة (3/ 232).
(2)
الشوكاني: إرشاد الثقات، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1404 هـ، ص (12 - 13)، لواء أحمد عبدالوهاب: الإسلام والأديان ص (50)، الخلف: دراسات في الأديان ص (334)