الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالواجب على المكلف الإيمان بهذا الركن العظيم، يقول العلامة السفاريني:" واعلم أنه يجب الجزم شرعا، أن الله تعالى يبعث جميع العباد، ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية، وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء. فإن هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، مع كونه من الممكنات التي أخبر بها الشارع، وكل ما هو كذلك فهو ثابت، والإخبار عنه مطابق "
(1)
. وهذا مقتضى الإيمان بقوله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]، وهو يعم الآخرة، ولكن ذكرها المولى عز وجل، ونصَّ عليها ثانيا؛ " لِعِظَمِها والتنبيه على وجوب اعتقادها والرد على الكفرة الجاحدين لها "
(2)
.
ونُشير في هذا المقام: إلى انحراف المتكلمين، وجنوحهم عن طريق الهدى وبعدهم عن الصواب في باب اليوم الآخر، وذلك من جهتين:
الأولى: قصرهم أدلة إثبات اليوم الآخر، وأحواله، وأهواله في السمعيات فقط.
الثانية: ظنهم أن القول باليوم الآخر، لا يُعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد.
وهاتان الجهتان هما موضوع المسألة الثانية والثالثة.
المسألة الثانية: قصرُ المتكلمين أدلة إثبات اليوم الآخر في السمعيات فقط:
بيان حكم هذه المسألة في النقاط التالية:
1 -
المراد بالسمعيات (الغيبيات):
السمعيات في مقابل العقليات والنظريات، فما كان طريق العلم به العقل يُسمى: العقليات أو النظريات، ولهذا يُقال لعلماء هذا الشأن: النُظار.
فالسمعيات: ما كان طريق العلم به السمع الوارد في الكتاب، أو السنة
…
أو الآثار مما ليس للعقل فيه مجال.
(3)
(1)
السفاريني: لوامع الأنوار البهية: (2/ 159).
(2)
ابن عطية: المحرر الوجيز: (1/ 70 (: (1/ 140).
(3)
السفاريني: لوامع الأنوار البهية: (2/ 3)، شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (1/ 13)، ابن تيمية: شرح الأصفهانية: ص (168)، ابن حجر: فتح الباري:
…
(13/ 353)، العثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: (5/ 51)، الحمد: مصطلحات في كتب العقائد: ص (120).
وربما سُمي هذا المصطلح بالدليل السمعي، أو الدليل النقلي، أو الأدلة المأثورة، أو الأدلة الخبرية، أو الأدلة الشرعية، ونحو هذا، وكلها تدل على معنى واحد، وهو: الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، التي لا مجال للعقل فيها.
(1)
جاء في الموسوعة الفقهية: " السمعيات: هي الأمور التي يتوقف عليها السمع كالمعاد، وأسباب السعادة والشقاء من الإيمان والطاعة، والكفر والمعصية "
(2)
.
وقال الإمام الجصاص: " السمعيات طريقها السمع، ولا مدخل للعقل في إثباته "
(3)
، " فأما الأمور التي يتوقف عليها ثبوت الكتاب والسنة فهي مباحث النبوة، وما يتعلق بها؛ إذ لا يمكن التصديق بالكتاب والسنة إلا بعد التصديق برسالة من جاء بهما. وأما الأمور التي تتوقف على الكتاب والسنة فهي الأمور الغيبية التي لا يمكن لعقل أن يستقل بإدراكها، كالصراط، والميزان، والحشر
…
، فالسمعيات هي: الاعتقادات التي لا يستقل العقل بإثباتها، وإنما يتوقف إثباتها على الأدلة السمعية "
(4)
.
وقال الإمام ابن تيمية: " أما المتكلمة المتبعون للنبوات، فغرضهم في الغالب إنما هو إثبات صانع هذا العالم، والصفات التي بها ثبتت النبوة على طريقهم، ثم إذا أثبتوا النبوة تلقوا منها السمعيات وهي الكتاب والسنة والإجماع، وفروع ذلك "
(5)
.
وقسم إمام الحرمين الجويني الأدلة إلى قسمين: أدلة عقلية، وأدلة سمعية وأشار إلى المميز بينهما فقال:" والمميز بينها وبين العقليات: أنها لا تدل بأنفسها ولكن تدل بنصب ناصب لها أدلة "
(6)
.
(1)
((الحمد: الإيمان باليوم الآخر: ص (12).
(2)
الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف الكويتية:(25/ 254).
(3)
الجصاص: الفصول في الأصول: (3/ 386).
(4)
مؤيد حسن: مباحث النبوات والسمعيات، بحث علمي مقدم لكلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية بغداد، 1431 هـ، (171).
(5)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (2/ 21).
(6)
الجويني: التلخيص في أصول الفقه: (2/ 207).
ثم ذكر العلماء أن الضابط في السمعيات: " أن العقل لا يمنعها ولا يحيلها ولا يقدر على ذلك، ولا يقدر أن يوجبها، ولا يحار في ذلك "
(1)
.
فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إنما يُخبرون بما تحار فيه العقول، لا بما تُحيله، يقول الإمام ابن تيمية:" يجب الفرق بين ما يقصر العقل عن دركه وما يعلم العقل استحالته. بين ما لا يعلم العقل ثبوته، وبين ما يعلم العقل انتفاءه، بين محارات العقول، ومحالات العقول. فإن الرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - قد يخبرون بمحارات العقول، وهو ما تعجز العقول عن معرفته، ولا يخبرون بمحالات العقول، وهو ما يعلم العقل استحالته "
(2)
.
وقال في موضع آخر: " يجب الفرق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته. فالأول: من محالات العقول والثاني: من محارات العقول، والرسل يخبرون بالثاني "
(3)
.
وعليه يُعرف أن: " السمعيات: كل ما ثبت بالسمع، أي: بطريق الشرع ولم يكن للعقل فيها مدخل "
(4)
، وتسمى بالغيبيات؛ " لأنها أمور غائبة عنا ولا أثر لها في حياتنا يدل عليها دلالة قطعية "
(5)
.
2 -
العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح:
(1)
محمد يسري: مبادئ ومقدمات علم التوحيد:، ص (137).
(2)
ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (2/ 361)، (8/ 533).
(3)
ابن تيمية: الجواب الصحيح: (4/ 391)، درء تعارض العقل والنقل،:(5/ 296)، (7/ 327).
(4)
ابن عثيمين: تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد: ص (101).
(5)
مؤيد حسن: مباحث النبوات والسمعيات، بحث علمي مقدم لكلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية بغداد، 1431 هـ، (171).
إذا عُلم أن السمعيات هي: أدلة الشرع التي لا مدخل للعقل فيها، فلا يدل ذلك على تنافيها مع العقل، أو تناقضها معه، بل " الأدلة السمعية التي جاءت بها الأنبياء لا تتناقض، وكذلك الأدلة الصحيحة العقلية، ولا تتناقض السمعيات والعقليات "
(1)
، وشرط صحة عدم التناقض: أن يكون الدليل النقلي صحيحا، وأن يكون الدليل العقلي صريحا، " والعقل الصريح: هو الخالي من الشبهات والشهوات، والنقل الصحيح: هو السالم من العلل والقوادح "
(2)
، ولذا قال الإمام ابن تيمية:" وهذا الموضع غلط فيه طائفتان من الناس: غالية غلت في المعقولات، حتى جعلت ما ليس معقولا من المعقول، وقدمته على الحس ونصوص الرسول صلى الله عليه وسلم، وطائفة جفت عنه فردت المعقولات الصريحة، وقدمت عليها ما ظنته من السمعيات والحسيات، وهكذا الناس في السمعيات نوعان، وكذلك هم في الحسيات الباطنة والظاهرة نوعان. فيجب ان يُعلم أن الحق لا ينقض بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، وأن ما عُلم بمعقول صريح، لا يخالفه قط خبر صحيح، ولا حس صحيح. وكذلك ما عُلم بالسمع الصحيح، لا يعارضه عقل وحس وكذلك ما عُلم بالحس الصحيح، لا يناقضه خبر ولا معقول "
(3)
.
وقد انبرى بعض المتكلمين حين أعيتهم الحيلة، للجمع بين نصوص الشرع الصحيحة، ومؤيدات العقل الصريحة، وحين لم يُسلموا لظواهر نصوص الشرع المطهر، فسنوا قانونا زعموا أنه كلي يُرجع إليه حين تتعارض النصوص النقلية مع العقل، وجعلوها من المتشابهات.
ونحن حين نعتقد، أنه لا يمكن أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح كما قال علماء أهل السنة، " فلا يُتصور أن يتعارض عقل صريح، ونقل صحيح أبدا "
(4)
، نجد أن بعض علماء الكلام أطروا وسطروا قوانينهم التي يظنون أنها مؤيدة للعقل، والعقل منها براء.
(1)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (6/ 302).
(2)
الحمد: الإيمان باليوم الآخر: ص (18).
(3)
ابن تيمية: الجواب الصحيح: ص (4/ 394).
(4)
ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (166).
ومن القوانين التي سطروها، ما ذكره الرازي في كتابه (أساس التقديس) من القانون الذي ظن أنه المرجوع إليه في جميع المتشابهات. ويُعرف هذا القانون بقانون التأويل؛ لزعمه أن الدلائل السمعية متوقفة على الأصول العقلية.
(1)
قال الرازي في بيان هذا القانون: " اعلم أن الدلائل القطعية العقلية، إذا قامت على ثبوث شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة: إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال.
وإما أن يبطل، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.
وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل
…
لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على محمد صلى الله عليه وسلم -ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية، صار العقل متهما غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم نثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معا، وإنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة، بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات. وبالله التوفيق "
(2)
.
هذا هو القانون الذي ألغوا به الكثير من نصوص الوحيين؛ لأن نتيجة التعارض الموهوم لديهم، أنه متى حصل التعارض بين العقل والنقل والعقل أصل النقل، وجب تقديم العقل عليه، وحينها يكون الموقف من النصوص المعارضة له إما: الرد، أو التأويل، أو التفويض.
(1)
أحمد عبداللطيف: شرح الرسالة التدمرية: ص (445).
(2)
الرازي: أساس التقديس: ص (130).
يقول اللقاني في منظومته جوهرة التوحيد
(1)
:
وكل نص أوهم التشبيها
…
أوله أو فوض ورُم تنزيها
وقد بنوا هذا المانع العقلي المعارض للنصوص، على دليل حدوث الأجسام فقالوا:" إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال، يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول، وقالوا: إنه لا يمكن تصديق الرسول - لو قُدر أنه يُخبر بذلك -؛ لأن صدقه لا يُعلم إلا بعد أن يُثبت العلم بالصانع، ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول بحدوث الأجسام "
(2)
.
قال الإمام ابن تيمية: " فهذه هي أعظم القواطع التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها "
(3)
.
وابتلي بهذا القانون جماعات، حتى صار " منهجا لمعظم المتكلمين المعارضين لصحيح المنقول بشبهاتهم العقلية، حيث توارثوه جيلا، فكل من أراد أن يُؤول أو يرد نصا من نصوص الصفات، فلا بد أن يُشير إليه "
(4)
.
وقد انبرى شيخ الإسلام ابن تيمية للرد على هذه الشبهة، " فذكر في الجواب تسعة عشر وجها، مفصلة أتم تفصيل، في بيان أن صريح المعقول لا يخالف صحيح المنقول. وفيه الذب عن الشريعة الغراء، وأنها وافية بكل ما يستوجب سعادة الدارين، ليس لها حاجة بإكمالها بالقواعد التي وضعها علماء الكلام من أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن جميع ما جاءت به الشريعة الغراء مما يوافق ما تقتضيه العقول السليمة، وأن نصوصها لا تُؤول لأجل تطبيقها على ما اخترعوه من الآراء الفاسدة، والأقوال الكاسدة "
(5)
.
وذكر الإمام ابن تيمية أن أكثر الناس صوابا في العقليات، أقربهم إلى طريقة السلف والأئمة، فطريقهم أكمل الطرق وأصحها؛ لأنها موافقة للطرق التي دل عليها القرآن وأرشد إليها.
(1)
الرديعان: عقيدة الأشاعرة: ص (201).
(2)
ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: (1/ 306).
(3)
ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل: انظر: المحمود: موقف ابن تيمية من الأشاعرة ط 1 - 1415 هـ، (2/ 820).
(4)
جابر إدريس: منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل (2/ 456).
(5)
محمود الألوسي: غاية الأماني في الرد على النبهاني: (1/ 441).
وكما أن أكثرهم صوابا في السمعيات، أقربهم لطريقة السلف؛ إذ العقل الصريح، لا يخالف السمع الصحيح، بل يصدقه ويوافقه
(1)
.
وعدَّ الإمام ابن القيم هذا القانون الفاسد طاغوتا؛ لما جر على الأمة من الويلات والتبعات، ولذا كسر هذا الطاغوت بمئتين وأربعين وجها، ومع ذلك فهو يقول:" وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه وبيَّن بطلان هذه الشبهة، وكسر هذا الطاغوت في كتابه الكبير - درء تعارض العقل والنقل -، فنحن نشير إلى كلمات يسيرة هي قطرة من بحره "
(2)
.
3 -
التصنيف العقدي عند المتكلمين:
إن الناظر في تآليف المتكلمين في العقائد، يجد أنهم يُقسمون العقائد إلى ثلاثة أقسام:
(الإلهيات - النبوات - السمعيات)
فيبدأ المتكلمون تصانيفهم العقدية بالحديث عن الإلهيات، وهي تُعنى بتقرير أمور تسبق إثبات النبوة، كإثبات أن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود بذاته والدليل على ذلك، ثم إثبات توحده، وهو كونه واحدا والدليل عليه، فمتى ثبتت هذه القضايا، ساغ للنبي أن يقول إنه مرسل من ربه، فيبلغ شرعه، مع إتيانه بالمعجزة. ثم يُفصلون في السمعيات، وهي كل ما يتعلق بتفاصيل الآخرة والعجب أنهم " في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية وأما باب السمعيات - أي: البعث والحشر، والجنة والنار، والوعد والوعيد - فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية "
(3)
.
وهذا الترتيب في التصنيف العقائدي عند المتكلمين مبني على أمرين:
(1)
ابن تيمية: شرح الأصفهانية: ص (55).
(2)
ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة: ص (109).
(3)
التميمي: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات:: ص (73)
الأول: أن " الأصل في السمعيات كلام الله تعالى، وهو مستند قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لا يثبت كلام الله تعالى، إلا من جهة من يثبت صدقه بالمعجزة إذا أخبر عن كلام الله تعالى، فمال السمع إلى كلام الله تعالى، وهو متلقى من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومستند الثقة بالتلقي منه، ثبوت صدقه، والدال على صدقه المعجزة "
(1)
. ومعنى هذا: أن السمعيات لا تعتبر ما لم تأت من جهة الرسول، ولا بد في إثبات السمعيات من إثبات صدق الرسول، ولا يثبت صدق الرسول إلا بتقرير أمور تسبق إثباته، وهي ما تُعرف عند المتكلمين بالإلهيات.
ولذا لما عدَّ إمام الحرمين مدارك العلوم الثلاثة وهي: العقول، والمعجزات والسمعيات، قال:" والتحقيق في ذلك يستدعي تقديم أصلين، ثم بعدهما نعد السمعيات "
(2)
.
الثاني: ظنهم أن هذه الطريقة في التأليف - التي انفردوا بها - موافقة لطريقة القرآن الكريم. وذلك أن الله سبحانه وتعالى " قال في صدر سورة البقرة - بعد أن صنَّف الخلق ثلاثة أصناف: مؤمن وكافر ومنافق - فقال بعد ذلك: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة:21] وذكر آلاءه التي تتضمن نعمته وقدرته، ثم اتبع لك بتقرير النبوة بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23]. والمتكلم يستحسن مثل هذا التأليف ويستعظمه، حيث قررت الربوبية ثم الرسالة ويظن أن هذا موافق لطريقته الكلامية في نظره في القضايا العقليات أولا: من تقرير الربوبية، ثم تقرير النبوة، ثم تلقي السمعيات من النبوة، كما هي الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة، والكرامية، والكلابية، والأشعرية "
(3)
(1)
الجويني: البرهان في أصول الفقه: ص (34).
(2)
الجويني: البرهان في أصول الفقه: ص (33).
(3)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (2/ 7).
ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن عمدة كلامهم ومعظمه في إثبات الصانع ثم إثبات صفاته، مبني على ما يُعرف عندهم بالعقليات، التي هي من أصول دينهم. ولذا لحقهم الذم من جهتين:" من جهة ضعف المقاييس التي بنوا عليها، ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة "
(1)
، ثم بين الشيخ خطأ المتكلمين في ظنهم أن طريقة القرآن تُوافق طريقهم من وجوه.
4 -
تقسيم العقائد عند المتكلمين:
أشرنا إلى أن المتكلمين قسموا العقائد إلى: إلهيات، ونبوات، وسمعيات وأن السمعيات تبحث في مسائل المعاد واليوم الآخر، والأسماء والأحكام والإمامة ونحوها
(2)
.
وأن السمعيات هي الأمور الثابتة بطريق الشرع، فلا مجال للعقل فيها ولذا فإن المعاد، وما يتعلق بأحوال اليوم الآخر، لا يُعلم إلا بالسمع.
ومن هنا قسَّم المتكلمون قضايا العقائد إلى ثلاثة أقسام
(3)
:
1 -
ما لا يدرك إلا بالعقل، ولا تُقبل فيه الدلالة السمعية، وهو ما يحكم العقل بوجوبه.
2 -
ما لا يدرك إلا بالسمع، ولا تُقبل فيه الدلالة العقلية، وهو ما لا يحكم العقل باستحالته.
3 -
ما تشترك فيه الدلالتان السمعية والعقلية، وهو ما يحكم العقل بجوازه استقلالا، أو بمعاضدة الوحي.
فما لا يدرك ولا يثبت إلا بالسمع، كالمعاد، وأخبار اليوم الآخر، لا يقبلون فيه الدلالة العقلية، ولكن شرطوا: تجويز العقل لها، ولذا قال إمام الحرمين: "
…
وأما ما لا يدرك إلا بالسمع: فوقوع الجائزات وانتفاؤها "
(4)
.
(1)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (2/ 8).
(2)
التفتازاني: شرح المقاصد: (2/ 173).
(3)
أحمد عبداللطيف: منهج إمام الحرمين في دراسة ك: ص (83 - 90)، أحمد عبد اللطيف: شرح الرسالة التدمرية: ص (419).
(4)
الجويني: البرهان في أصول الفقه: ص (29).
فأخبار اليوم الآخر لا تعلم إلا بالأدلة السمعية، ولا تقبل فيها دلالة العقل عندهم، بل قال شيخ الإسلام:" وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يُعلم بالعقل كالمعاد "
(1)
، وأشار الشيخ إلى حصر الأشاعرة أمر المعاد في السمعيات فقال:" وأما أمر المعاد فيجعلونه كله من باب السمعيات؛ لأنه ممكن في العقل، والصادق قد أخبره به "
(2)
.
واختلف الناس في أمر المعاد هل يُعلم بالعقل أم لا؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فذهب كثير من أهل الكلام، وذهب أكثر الناس إلى أن المعاد من الأمور السمعية التي لا تعلم إلا بالسمع، وهو قول كثير من أصحابنا والأشعرية وغيرهم. وذهب طائفة إلى أنه يعلم بالعقل ثم تنوعت مسالكهم: فمنهم من بناه على وجوب العدل، ومنهم من بناه على أن الروح غير البدن "
(3)
.
وصوَّب الشيخ: " أن معرفته بالسمع واجبة، وأما بالعقل فقد تُعرف وقد لا تعرف، فليست معرفته بالعقل ممتنعة، ولا هي أيضا واجبة "
(4)
" فالإيمان باليوم الآخر أصل كل السمعيات، ليس هو في مذهب أهل السنة والجماعة سمعيا فقط، بل الأدلة عليه من القرآن هي في نفسها عقلية، كما أن الفطر السليمة تشهد به، فهو حقيقة مركوزة في أذهان البشر، ما لم يحرفهم عنها حارف. لكن لو أن العقل حكم باستحالة شيء من تفصيلاته - فرضا وجدلا - فحكمه مردود. وليس إيماننا به متوقفا على حكم العقل، وغاية الأمر: أن العقل قد يعجز عن تصوره، أما أن يحكم باستحالته فغير وارد "
(5)
.
(1)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (16/ 252).
(2)
ابن تيمية: شرح الأصفهانية: ص (8).
(3)
ابن تيمية: جامع المسائل: (3/ 242).
(4)
ابن تيمية: جامع المسائل: (3/ 242).
(5)
الحوالي: منهج الأشاعرة في العقيدة، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدد 62، 1404 هـ، ص
…
(88).
وفي هذا المقام أشار الإمام ابن تيمية في القاعدة السابعة من رسالته إلى أهل تدمر: " أن كثيرا مما يدل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضا، والقرآن يُبيِّن ما يستدل به العقل، ويرشد إليه، وينبه عليه "
(1)
، وأشار الشيخ إلى أن التوحيد والنبوة والمعاد سمعية عقلية فقال:" فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها، ومن جهة أنه بيَّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها "
(2)
.
وخلاصة القول في هذه المسألة: أن ما يتعلق بالمعاد له جانبان:
الأول: جانب يتعلق بالإمكان، فهذا الجانب قد أقام القرآن الكريم الأدلة
…
العقلية على جوازه، وإمكانه، وعدم استحالته، واستخدم عدة أدلة منها:
- قياس الأولى.
- وقياس المثل.
- والاستدلال بصحة الشيء على صحة مثله.
- والاستدلال بصفة القدرة الإلهية.
- والاستدلال بالأدلة الحسية الواقعية.
فهذه الأدلة كلها تصب في جانب الإمكان والجواز.
الثاني: جانب يتعلق بالوقوع والتفاصيل:
فأما وقوعه: فكذلك العقل يدل عليه، وذلك: بالنظر إلى حكمة الله تعالى وعدله، فإذا نظرت إلى حكمة الله تعالى وعدله، ثم رأيت تظالم الناس، قادك ذلك إلى أنه لا بد من يوم يجازى فيه الناس ويحاسبون.
وأما تفاصيله وأخباره: فهذا سمعي بحت، كالأخبار المتعلقة بعذاب القبر، والحشر، والميزان، والصراط، ونحوها من تفاصيل اليوم الآخر.
…
فكما أن الإيمان باليوم الآخر ضرورة عقلية إلا أن هذا العقل المجرد يعجز عن معرفة تفاصيل الآخرة، فإن هذه الأمور لا تعرف إلا عن طريق الوحي.
(3)
(1)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى،:(3/ 88).
(2)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى ك (3/ 88).
(3)
انظر: أحمد عبداللطيف: شرح الأصفهانية: 20 - 21 (مذكرة)، الرازي: مفاتيح الغيب، (2/ 353)