الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد ذكر الإمام ابن القيم فوائد الرجاء وأطنب فيها، وذكر منها:" إظهار العبودية، والفاقة، والحاجة، إلى ما يرجوه من ربه، ويستشرفه من إحسانه وأنه لا يستغني عن فضله، وإحسانه طرفة عين "
(1)
.
6 - محبة الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام:
إذا علم المرء بما أعده الله تعالى للطائعين، من أنواع النعيم، وصنوف التكريم، ثم بينت له الطرق الموصولة إليها، وسبل الشيطان المانعة منها تعلق قلبه بالله وحده، فأحبه وأثنى عليه بما هو أهله؛ لأنه الجواد الكريم وأحب رسوله عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه السبب في وصول هذا الخير إلينا، وهذا النور الذي بين يدينا، فكان هذا موجباً لشكر الله تعالى والاستقامة على دينه. ومعلوم أن محبة الله تعالى، ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام، "من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الدين والإيمان"
(2)
.
"وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني، فالخوف والرجاء وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع، إنما يطمع فيما يحبه، لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف؛ لينال المحبوب"
(3)
.
وهذه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، هي محركات القلوب إلى الله تعالى وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف، فإنه يزول في الآخرة
(4)
.
إن الإيمان باليوم الآخر، له أثر على زيادة مقامات الإيمان وشعبه العلية كالخوف، والرجاء، والمحبة، ولذا تجد المرء المتيقظ الذي لا يفارقه ذكر الآخرة، يعيش دائماً في ثنايا هذه المقامات وغيرها.
(1)
ابن القيم: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي - بيروت، ط 3 1416 هـ (2/ 513)
(2)
ابن تيمية: التحفة العراقية، المطبعة السلفية - القاهرة، ط 2 - 1399 هـ، ص (59).
(3)
ابن تيمية: التحفة العراقية، المطبعة السلفية - القاهرة، ط 2 - 1399 هـ، ص (66).
(4)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (1/ 95).
وقد أوجد الإيمان بالآخرة، نماذج حية شاهدة على أثره في الخائفين الوجلين الراجين المحبين، فكم من خائف أقلقه ذكر الآخرة، وكم من راج يرجو مكرمات الرب في الآخرة، وكم من محب زادته آثار الآخرة شوقاً ومحبة لها، فلا عجب أن ترى رجالاً ونساءً على مدى الحياة، سطر التاريخ سيرهم، وخط الزمان أخبارهم، فتعلقت في قلوب الأجيال مآثرهم، لا تقلب طرفك في مجال خير إلا وجدتهم، فهم السابقون للخيرات، الراعون للحرمات.
ولذا فلا عجب أن تقرأ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مرّ يوماً بدار إنسان وهو يصلى ويقرأ سورة (والطور) فوقف يستمع فلما بلغ قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8)} [الطور:7 - 8] نزل عن حماره، واستند إلى حائط، ومكث زماناً، ورجع إلى منزله فمرض شهراً يعوده الناس، ولا يدرون ما مرضه
(1)
.
إن المرض الذي أمرض أمير المؤمنين، هو قلق يسري في قلوب المؤمنين حين تمر سحائب الآخرة إلى أسماعهم، فنستقر في وجدانهم وصدورهم فيستولي على جوارحهم، فلا يطيقون له دفعاً، ولا يجدون عنه محيصاً، إنه أثر الإيمان باليوم الآخر في قلوب المؤمنين الموقنين الصادقين.
نعم، لقد "أزعج ذكر القيامة قلوب الخائفين، وقلقل خوف العقاب أفئدة العارفين"
(2)
، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما، عن الخائفين فقال:"قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت من ورائنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله موقفنا"
(3)
.
(1)
الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (4/ 184).
(2)
ابن الجوزي: التبصرة، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط 1 1406 هـ، ص (213).
(3)
الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (4/ 184).
إن التربية النافعة لأفراد الأسرة المسلمة، يجب أن تقوم على ميزان المراقبة واستشعار الخوف من الله تعالى، حينها ستجد ثماراً يانعة، وأشجاراً باسقة من فلذات الأكباد، وثمرات الفؤاد، وحينها لن تعجب حين تسمع أو تقرأ عن مثل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، لما كان غلاماً صغيراً فبكى، فبلغ ذلك البكاء أمه! أرادت أن تعرف سر بكائه، فقالت له: ما يبكيك؟، هنا الخاطر يجول فيقول: لعله بكى لفقدان شيء ثمين؛ لأنه كان ثرياً، أو لأنه يريد النزهة فمنع، أو غيرها من التخمينات التي تجول في الخاطر، تبحث عن سر بكاء هذا الغلام! ولكن تفاجأ أشد المفاجأة، حين تعلم أن سر هذا البكاء، هو قوله:(ذكرت الموت)
(1)
، وما الذي يعني ذكر الموت لغلام! ولكنها التربية القائمة على الخوف والمراقبة، والجزاء والمحاسبة، تورث هذا الغلام وأمثاله.
يقول أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها، وتعجب من عبادتها على حداثتها، فبينا الحسن ذات يوم جالس، إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت، فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيك؟ قالت له: يا أبا سعيد التراب يحثى على شبابي، ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبراً واسعاً، وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة، لطال بكائي، كيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور، ووحشتها وبيت الظلمة والدود
(2)
.
لا يمكن التغلب على أفراد مجتمع، تفشت فيه أدواء الشهوة بجميع أشكالها وصورها، وألوانها، حتى أصبحت أمراً معتاداً، إلا بالتربية على الإيمان باليوم الآخر، ومتى خفي هذا المعنى من معاني التربية الإسلامية، فقل على الدنيا السلام.
(1)
المزي: تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة - بيروت ن ط 1 1400 هـ، (21/ 437).
(2)
ابن الجوزي: صفة الصفوة، دار الحديث - القاهرة، 1421 هـ (2/ 243)