الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول أثر الإيمان باليوم الآخر على الفرد
من أقوى النزعات الفطرية التي تنتاب الإنسان، حتى ربما استولت على كل مشاعره، وأورثته خوفاً وفزعاً، هي نزعة الخلود، ولولا هذه النزعة لما وجدت عاملاً في مجال خير، ولكان عيش الإنسان منغصاً بذكر الموت؛ لأن الحياة تنتهي تماماً بالموت، والسر في ذلك: أن النفس مجبولة على حب الخلود ولما كانت سنة الله تعالى الجارية على البشرية، أن لا خلود في الدنيا، كما قال سبحانه:{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)} [الأنبياء:34]، وقوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185]، تطلعت النفوس إلى حالة تحوز فيه هذا الخلود، والبقاء الأبدي.
إنك لن تجد من يُضحي بأغلى ما يملك من حياته، إلا حين يعلم أن ما يقابله أعظم وأكرم، فالكل يسعى للخلود، فهذه النزعة تكمن في أعماق النفوس، ولو جهد المرء لإنكارها؛ ليقنع نفسه بالعدمية، ويتخلص من الخوف المستقر في أعماقه، من النهاية البائسة اليائسة. فهذا أحد أكابر المذهب الشيوعي القائم على إنكار الإله، وما يترتب عليه من عدمية الخلود، لينين كان مرتعباً جداً من الموت، حتى قال: أخاف أن أموت، وأفتح عيني هناك! يعني في دار الخلود، وهي النزعة الفطرية الكامنة في النفوس، هذا رغم أنه لا يؤمن أصلاً بوجود الله تعالى، وهذا مثير للعجب، فإذا كان الإنسان لا يؤمن بوجود الله تعالى، فما الذي يخيفه ويزعجه من الكلام عن الجحيم أو السماء؟
(1)
.
واختلف مفهوم الخلود عند الناس وإن كان محصله النهائي هو البقاء الأبدي: فالمصريون القدماء، لم يكن يدفعهم لتزيين مقابرهم وإعدادها، إلا لاستقبال الروح عند عودتها ثانية، وهذه تعبر عن نزعة الخلود لديهم.
ومن يؤمنون التناسخ، القائم على انتقالات الروح إلى ما يناسبها من خير أو شر، هي تعبير عن هذا الخلود بشكل ما.
(1)
مستفاد من مقال لـ مرثافرنسيس، في مجلة الحوار المتمدن، العدد:(2666) بتاريخ: 13/ 3/2012
أما نزعة الخلود عند المسلمين، فلا يشبعها إلا الإيمان بالآخرة؛ إذ هي امتداد لحياتهم على الأرض، غير أنها بعيدة كل البعد عن منغصات ومكدرات الحياة، فلا آلام ولا أسقام، ولا أوجاع ولا أحزان، ولا هموم ولا غموم، لا خوف من الموت ولا من المستقبل، بل حياة مليئة بكل المتع التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب، يزيد من طمأنينة هذه النزعة الخلودية لديهم حين ينادي المناد في الجنة:(إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن أتحيوا فلا تموتوا أبداً وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً)، وتكمل هذه النزعة وتستقر، حين يُؤتى بالموت الهادم للذات، المنغص للأفراح والمسرات، في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، فكم هي سعادة أهل الجنة بالخلود الدائم في النعيم، وكم هي تعاسة أهل النار وشقاؤهم بالخلود الدائم في الجحيم.
ولكن هذا هو الجزاء العدل في ذلك اليوم العظيم.
فالإيمان بالآخرة هو الذي يشبع هذه النزعة الخلودية، وهو محور السعادة المطلوبة، واللذة المبتغاة
(1)
، عندها تهون كل تضحية لقاء تحقيق هذا الخلود فيصبح عالم الموت المخيف الموحش، بداية لعالم رحيب، مليء بكل المتع والملذات، ولذا لا تقف أمام النفس البشرية، أية عوائق أو صعوبات، تحول دون الوصول لهذه المتع، ولو كانت ببذل الحياة رخيصة، مقابل الحصول على ذلك النعيم الموعود في جنات النعيم.
إن الشعور بالصحة الدائمة، والشباب الخالد في الآخرة، الخالي عن كل عوامل الفناء، هو المحرك المحفز للعمل الصالح.
فهل للإيمان باليوم الآخر، المشتمل على إشباع هذه النزعة الخلودية الفطرية عند الإنسان، أثر على الفرد والمجتمع؟
الجواب: نعم، بلا شك، وهذه الآثار تظهر جليا في مطالب هذا المبحث.
(1)
مستفاد من مقال: لـ أ. د. علي لانما، بعنوان (ضرورة الإيمان باليوم الآخر في القرآن بمنظور رسائل النور من موقع النور على الشبكة العنكبوتية دون ذكر تاريخ: www.u - صلى الله عليه وسلم online.com
إن المراد بالأثر في هذا المقام، هو الأثر الإيجابي الذي يعمل في نفس الشخص عمله، فيصنع منه إنساناً له شخصية تكاملية في جميع النواحي
…
يظهر أثرها في الناحية التعبدية، والسلوكية، والأخلاقية، والنفسية، فيرجع أثرها المبارك على نفسه، وأهله، ومجتمعه.
أما ما يجنيه المنكر، أو المتناسي لليوم الآخر من الآثار السلبية، فهي مع ما تؤدي إليه من فقدان مستوى الأمان والطمأنينة والسعادة، لدى صاحبها، إلا أنه كذلك، يعايش نفسا مليئة بالقلق، والحيرة، والاضطراب.
وكذا فإن الإنسان "ما دام لا يخاف أو لا يرجوا نتيجة سيئة أو حسنة، وراء هذه الحياة الدنيا، فإنه لا يطمح ببصره وراء أعماله، إلا إلى النتائج العاجلة الظاهرة في هذه الدنيا نفسها، ولذلك لا بد أن تتغير قيم الأعمال المعنوية على وجه ليس له بحال، أن يكون ملائماً لمجتمع إنساني مهذب، بل الأصح أن أي طائفة إنسانية، إذا تمنت لأخلاقها مثل هذا المستوى الدنيء، فإنها لن تنقذ نفسها من التدهور، إلى درجة أحط من درجة البهائم، والوحوش الضارية"
(1)
.
إن الغافل عن اليوم الآخر، سيعيش هملاً لا أهدافاً ينتظر تحقيها، ولا غايات يؤمل الوصول إليها، وهذا يخلق فيه اليأس نحو مستقبله؛ لأنه لا أمل لديه، فتصير حياته كأنها كابوساً مزعجاً، أو سجناً محزناً، أو ألماً موجعاً لا يدري كيف ستكون نهايتها، ولذا ربما أقدم إلى ما يشعره بالخلاص، من هذه الأوهام التي تنتابه، والأوجاع التي يشعر بها.
ومن هنا كان الخلاص كل الخلاص، أن يؤمن المرء ويعتقد: بأن ثَمَّ يوم يجازى فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، هذا اليوم يجد فيه المطيع لذة طاعته، ونتيجة مجاهدته، قال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت:69].
ولذا عندما ادعى بعض الناس، أن الأجساد لا تبعث يوم القيامة، قال فيها المعري:
قال المنجم والطبيب كلاهما
…
لا تبعث الأموات قلت: إليكما
(1)
سعيد حوى: الإسلام، دار السلام للطباعة - ط 3 1417 هـ، ص (766)
إن صح قولكما فلست بخاسر
…
أو صح قولي فالخسار عليكما
(1)
يكفي من شدة الحسرة يوم الموقف، أن يرى الإنسان المكذب أو المتغافل ما كان ينكره ماثلاً أمام عينيه، فما مدى شعوره حينئذ، فلن يملك حينها إلا الأسى والندم، والحسرة والألم، وهل سيغني عنه البكاء، أو سيدفع عنه الرجاء، لا، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36)} [المائدة:36].
يقول أحد مشيخة الأزهر:" جاءني أحد الشباب ينكر الآخرة، فقلت له: يحتمل أن يكون كلامك صحيحاً، ففرح الشاب وشعر أنه منتصر، فقلت له: أنا رجل آمنت بالقيامة، فابتعدت عن الزنا، وعن السرقة، فعشت نظيف السيرة، مستريح النفس، فإذا مت ولم يبعثني الله - كما تقول - فما خسرت شيئاً، وإن بعثني الله، فأنا في الجنة، فأنا في الحالتين رابح، ما خسرت شيئاً بسبب إيماني، أما أنت يا ولدي: فماذا تفعل إذا فوجئت بأن القيامة حق، وأن الله يبعث من في القبور؟ عند ذلك سكت الشاب، وقال لي: لقد احتطت لنفسك عندما آمنت بالآخرة، وخير لي أن أؤمن بالآخرة "
(2)
.
ولذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لبعض من قَصُرَ عقله عن فهم حقائق الأمور، وكان شاكاً:"إن صح ما قلت فقد تخلصنا جميعاً وإلا فقد تخلصت وهلكت"، فالعاقل يسلك طريق الأمن في جميع الأحوال
(3)
.
(1)
الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (4/ 59)
(2)
محمود محمد غريب: تربية القرآن يا ولدي، مطبعة الشعب - بغداد، ط 1 1400 هـ، ص (74 - 75).
(3)
الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (4/ 59).
أما آثار الإيمان باليوم الآخر الإيجابية المنعكسة على الفرد، فلا تكاد تُحصى لأن آثارها في الشخص الذي استقر الإيمان باليوم الآخر في قلبه، وأصبح ماثلاً أمام عينيه، يكون ظاهراً ملحوظاً ملموساً لدى العيان،، فهو يعلم أن الوصول إلى الجنة شاق، فطريقها محفوف بالمكاره، فيصبر ويصابر؛ ليظفر بالنعيم المقيم، ويعلم أن الوصول إلى النار سهل ميسر، فطريقها محفوف بالشهوات والملذات، التي تحبها النفس، ويشتهيها الطبع، ويميل إليها القلب، ولكنه يصبر عنها؛ خوفا مما سيقاسيه من المخاوف والآلام في النار.
إن مشاهد الآخرة التي تحدثنا عنها، من الموت، والبعث، والحشر والحوض، والميزان، والصراط، والشفاعة، كلها تَدَعُ أثراً إيجابياً في نفس المؤمن بها، ينعكس هذا الأثر على سلوكه وأخلاقه.
فحين يتأمل المرء في الموت وكربته، القبر وظلمته، ويتذكر أهل القبور الذين انقطعت عنهم الأعمال، وتوقفت بهم الآمال، حينها فقط: يشعر المرء بحقارة هذه الدنيا، وما أورثته في قلوب أهلها من غفلة، فيقوم وينفض عنه أوحال المعصية، ويستعد بالزاد الذي يقربه إلى الله زلفى.
يقول العلامة القصري:" ومن حقائق الإيمان بهذا الباب: أن يعد العبد نفسه من أهل القبور، ويجعل الجسد للروح كالقبر، ويغيب فيه بالخلوة والإخلاص عن الخلق، ويعلق الروح بالعالم الأخراوي العلوي، فيسري ويطير مع النفس في الملكوت بالفكر، ويتنعم بأنواع الذكر، فيكون في روضة من رياض الجنة، تأوي إلى ربه في كل حال"
(1)
.
وحين يتأمل في الحساب وشدته، وينظر في أحوال الناس يومئذ، يورث في نفسه سعياً لأن يكون من أهل اليمين، الذين يحاسبون حساباً يسيراً. وأقل الناس يومئذ حساباً، "أهل الورع في الدنيا، فلم يبق لهم إلا العرض على الملك المحاسب فقط"
(2)
.
(1)
القصري: شعب الإيمان ت: سيد كسروي، ص (582)
(2)
القصري: شعب الإيمان، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1416 هـ ص (596)