الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 - حفظ الأخلاق:
كم تئن المجتمعات الغربية والشرقية، من ضياع الأخلاق، واندراس الآداب، حتى تنادى عقلاؤها إلى وجوب حفظ الأخلاق، والحد من انتشار الرذيلة والفساد، والذي أدى بدوره إلى تدهور هذه المجتمعات
…
وانحطاطها أخلاقياً، وسلوكياً.
فالمرأة تعتبر مثالاً حياً، وأنموذجاً مشاهداً، على الواقع المزري في تلك المجتمعات، التي أصبحت تداس فيه كرامتها، وتمتهن فيه عفتها، واستغلت بأرخص الأثمان؛ لتكون من أرخص السلع.
وحين شعرت المرأة الغربية بهذا الواقع المهين، الذي يجعل من جسد المرأة سلعة تباع وتشترى، وشعرت بتلك المؤامرة التي ظهرت آثارها، بتسارع المنتجين والمخرجين في التفنن لإخراج جسد المرأة بكل الصور والألوان حينها ارتفعت بعض الأصوات الغيورة، التي تنادي بإرجاع المرأة إلى حيائها وعفافها، وسترها.
هذه صورة مختصرة مختزلة، عن ذلك الواقع المرير، الذي تعيشه تلك المجتمعات، التي تحررت من كل قيود الشرف والأخلاق.
أما المجتمعات التي تنادى فيها الغيورون، واجتمع فيها المخلصون فكشفوا خطط التآمر على الأخلاق، وغرسوا في نفوس الناس مخافة الرب الخلاق، فتشربتها الأجيال تلو الأجيال، فهي مجتمعات تنعم برفاهية الأخلاق، وانتشار الفضائل والآداب، حيث تقل فيها السلوكيات الخاطئة، والأعمال المشينة.
فالإيمان باليوم الآخر، حارس وحافظ للأخلاق من الضياع.
2 - ينمي في الأفراد حب البذل والعطاء:
البذل من البر، والبر من الإيمان، (والإيمان في الجنة)
(1)
، سئل الحسن عن البر فقال: البذل واللطف
(2)
.
والبذل مع العطاء من المروءة، والمروءة تورث مقام القرب من الله تعالى
(3)
.
والبذل من أعظم ما يتوصل به إلى الناس، ويستجلب به محبتهم
(4)
.
إن من أعظم ما يحفز للبذل والعطاء، هو الرغبة فيما عند الله جل وعلا ومعلوم أن الجود والكرم، كانا من خصال العرب في الجاهلية، إلا أن دافع هذا الجود، هو ما جبلت عليه بعض النفوس من السماحة حيناً، وحب الرياسة حيناً آخر.
(1)
أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في الحياء ح (2009).
(2)
أحمد بن حنبل: الزهد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1420 هـ، ص (213).
(3)
ابن طرزبان: المروءة، دار ابن حزم - بيروت، ط 1 1420 هـ، ص (112).
(4)
ابن حيان: روضة العقلاء، دار الكتب العلمية - بيروت: ص (69).
أما الأجواد الأسخياء أهل الآخرة، الذين ينظرون بمنظار الإيمان، ويزنون بميزان الإحسان والإتقان، ويؤملون كرم الرحيم الرحمن، فإنهم يأخذون ويُعطون، فلا يستكثرون ولا يدخرون، فإن مُنعوا شكروا، وإن ضُيق عليم حمدوا، وإن اُعطوا بذلوا وآثروا، فهم الزاهدون في الدنيا؛ لأنهم موقنون فكفاهم اليقين غنى
(1)
.
يقول الإمام المرداوي:" والبذل على وجهين: أحدهما: ما ابتدأ به الإنسان من غير سؤال، والثاني: ما كان عن طلب وسؤال. فأما المبتدئ به، فهو أطبعهما سخاءً، وأشرفهما عطاءً "
(2)
.
إن الإيمان باليوم الآخر، له أثر على الأفراد لا يقف عند حدود البذل والعطاء، بل يتعدى ذلك إلى تحمل مقاساة الألم، والإيثار بالخير للغير يقول تعالى عن أوليائه وأصفيائه، وخيرته من خلقه بعد نبيه صلى الله عليه وسلم:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر:9].
الإيمان باليوم الآخر يسلَّ سخيمة القلوب، من الغل، والحقد، والحسد وكذا البخل، ولذا قيل: إن حقيقة الجود: أن لا يصعب عليك البذل
(3)
.
والعجب أن بعض البشر قد فُطر على حب الجود والكرم، حتى اختلف فيهم الناس، هل الباذلون دون سؤال ولا سبب، بل لسجية فُطروا عليها
…
وشيمة قد طُبعوا بها، هل يكون هذا منسوباً إلى السخاء
(4)
؟
(1)
أبو طالب المكي: قوت القلوب، دار الكتب العلمية - بيروت:(2/ 328 بتصرف).
(2)
الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، 1986 م، ص (188).
(3)
القشيري: الرسالة القشيرية، دار المعارف - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 403).
(4)
الماوردي: أدب الدنيا والدين، دار مكتبة الحياة، 1986 م، ص (191).
والحق أن العدل في كل الأمور هو الوسط، يقول الإمام الغزالي عن التصرف في المال:"ويمكن التصرف فيه بالعدل، وهو أن يُحفظ حيث يجب الحفظ ويُبذل حيث يحب البذل، فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينهما وسط وهو المحمود، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه "
(1)
. والبذل والعطاء، هما إحدى القوى النفسية الثلاثة التي يكون بها صلاحها، وسعادتها، وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها
(2)
.
وقد تعدى البذل والعطاء الكائن البشري، إلى الكائن البهيمي الحيواني فقد قيل لشخص: من علمك حسن الإيثار، والسماحة بالبذل؟ فقال: من علم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها فلا يأكلها، بل يستدعى الدجاج ويطلبهن طلباً حثيثاً، حتى تجيء الواحدة منهن فتلتقطها وهو مسرور بذلك طيب النفس به، وإذا وضع له الحب الكثير، فرقه هاهنا وهاهنا، وإن لم يكن هناك دجاج؛ لأن طبعه قد ألِف البذل والجود، فهو يرى من اللؤم، أن يستبد وحده بالطعام
(3)
.
إن أعظم الناس جوداً وكرماً، وأنبلهم عطاءً وبذلاً، بحيث لم تر الدنيا له مثيل، ولم تعرف له نظير، هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه " أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ
(4)
، وكان يعطي العطاء الوفير، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
(1)
الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (3/ 259).
(2)
ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (60).
(3)
ابن القيم: شفاء العليل، دار المعرفة - بيروت، 1398 هـ، ص (75).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب كيف بدء الوحي ح (6) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ح (2308).