الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8)} [الانشاق: 7 - 9]، وقال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)} [الحاقة:25 - 26]، فهذه الدلائل وغيرها، كلها تصب في معين واحد يشهد لها الإله الواحد:{لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)} [البقرة:284].
ب - أدلة السنة في إثبات الحساب:
كما حفل الإيمان بالحساب بالعديد من الآيات القرآنية، الدالة على إثباته فكذلك حظي بجملة من الأحاديث المتضافرة المتوافرة، وهو يدخل أصالة في حديث جبريل المشهور حين ذكر أركان الإيمان، ومنها: واليوم الآخر يقول الإمام ابن تيمية: "وأما قوله: واليوم الآخر: فأن تؤمن بالبعث بعد الموت والحساب والميزان والثواب والعقاب والجنة والنار وبكل ما وصف الله به يوم القيامة"
(1)
.
وأحاديثها قد بلغت حد التواتر المشترك، يقول العلامة الأيجي:"وكتب الأحاديث طافحة بذلك بحيث تواتر القدر المشترك "
(2)
. والأحاديث الواردة في شأن الحساب أحاديث صحيحة، وهي حق يجب الإيمان بها، وإجراؤها على ظاهرها.
يقول العلامة الشهرستاني: " وما ورد من الأخبار عن الأمور المستقبلة في الآخرة مثل: سؤال القبر
…
والحساب
…
حق يجب الاعتراف بها وإجراؤها على ظاهرها، إذا لا استحالة في وجودها"
(3)
.
(1)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (7/ 313)
(2)
الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط 1 1417 هـ (3/ 253)
(3)
الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (1/ 103)
وذكر العلامة البغدادي: أن الأحاديث الواردة في الحساب، هي أخبار مستفيضة بين الأئمة، وهم مجمعون على صحتها
(1)
، وقال العلامة السعد التفتازاني:"سائر ما ورد به السمع، من عذاب القبر، والحساب، والصراط والميزان، وغير ذلك حق "
(2)
.
والأحاديث الواردة في شأن الحساب كثيرة متضافرة منها:
عن عائشة رضي الله عنها م قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8)} [الانشقاق: 8] قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ»
(3)
.
قال الأئمة: قوله: من نوقش الحساب يهلك، له معنيان:
أحدهما: أن نفس المناقشة، وعرض الذنوب والتوقيف عليها، هو التعذيب؛ لما فيه من التوبيخ.
والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار، صححه الإمام النووي وقال:"وهذا الثاني هو الصحيح، ومعناه: أن التقصير غالب في العباد، فمن استُقصي عليه ولم يسامح هلك ودخل النار، ولكن الله تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء"
(4)
.
وقال الإمام ابن الجوزي: "وظاهر هذا الحديث أن من فتش عن كل شيء عمله عذب؛ لأنه إنما يفتش المسخوط عليه، فأما المرحوم فإن بداية رحمته المسامحة في المسألة "
(5)
.
(1)
البغدادي: الفرق بين الفرق، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط 2 - 1977 م، ص (314)
(2)
التفتازاني: شرح المقاصد، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1422 هـ (2/ 271)
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العلم، باب من سمع شيئاً فلم يفهمه فراجع فيه حتى يعرفه ح (103)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنة، باب إثبات الحساب ح (2876).
(4)
النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 2 - 1392 هـ (17/ 209).
(5)
ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/ 357)، ابن حجر: فتح الباري (11/ 402)
وعن أبي بردة الأسلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ»
(1)
.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ»
(2)
.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ:«إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»
(3)
.
فهذه النصوص كلها تدل على أمر الحساب يوم الحساب، وجاءت نصوص أخرى فيها دلالة على أولية الحساب في الأمم، وفي الأعمال:
ومما ورد في أولية هذه الأمة في الحساب:
(1)
أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب في القيامة ح (2417)، وقال الإمام الترمذي، هذا حديث حسن صحيح، مكتبة البابي - مصر، ط 2 - 1395 هـ (4/ 612)
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ح (2582).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ح (2581).
ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم:«نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ، يُقَالُ: أَيْنَ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ، وَنَبِيُّهَا؟ فَنَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ»
(1)
.
قال الإمام ابن كثير:" ثم يُقضى بين هذه الأمة؛ لشرف نبيها، كما أنهم أول من يجوز على الصراط، وأول من يدخل الجنة "
(2)
.
وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ»
(3)
.
ومما ورد في أولية الحساب على الأعمال:
ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ»
(4)
.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ»
(5)
.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ - يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ - أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ» :
(6)
.
(1)
أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ح (4290).
(2)
ابن كثير: النهاية في الفتن والملاحم، دار الجيل - بيروت، 1408 هـ (2/ 51)
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح (856).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ومن يقتل مؤمناً متعمداً ح (6864) وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات ح (1678).
(5)
أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب إقامة الصلاة والسنة بها، باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة ح (1425).
(6)
أخرجه الترمذي في جامعه أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة ألهاكم التكاثر ح (3358).
فهذه الأحاديث الشريفة الصحيحة المنيفة، دلت على إثبات الحساب، إلا أن ظاهرها يوهم وجود تعارض في أولية الحساب، فبعضها يثبت أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الدماء، وبعضها الصلاة، وبعضها النعيم من صحة الجسد وشرب الماء البارد، ومع هذه الروايات المختلفة في الدلالة، إلا أن العلماء جمعوا بين ما يتوهم تعارضه بين تلك الروايات، وأجابوا عنها بأجوبة منها:
أن حديث: «أول ما يحاسب به العبد صلاته» : محمول على ما بين العبد وربه جل وعلا، وحديث:«أول ما يقضى بين الناس في الدماء» ، محمول على ما بين العباد بعضهم البعض
(1)
، فاللفظ مخصوص بما يقع فيه الحكم بين الناس
(2)
.
يقول الحافظ ابن حجر في وجه الجمع بين الأحاديث:" الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق، والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق، وقد جمع النسائي في روايته في حديث ابن مسعود بين الخبرين ولفظه: «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضي بين الناس في الدماء» ".
(3)
ويقول الإمام السيوطي:" والمعاصي التي يُعاقب عليها يوم القيامة نوعان: حق لله، وحق لعباده، وأول ما يُقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء"
(4)
.
(1)
النووي: شرح مسلم،، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 2 - 1392 هـ (11/ 167).
(2)
ابن دقيق العيد: إحكام الأحكام، مطبعة السنة المحمدية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (2/ 220)
(3)
ابن حجر: فتح: (11/ 396)، العيني: عمدة القاري ا (23/ 112)
(4)
السيوطي: الحاوي للفتاوى، دار الفكر - بيروت ن 1424 هـ (2/ 231)
ويقول العلامة علي القاري في وجه الجمع بين الحديثين: "قال الأبهري: وجه الجمع بين هذا، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء»، أن الأول من حق الله تعالى والثاني: من حقوق العباد. ا. هـ، أو الأول من حق ترك العبادات، والثاني من فعل السيئات "
(1)
، ثم قال:"قلت: الأظهر أن يقال: لأن ذلك من المنهيات، وهذا في المأمورات، أو الأول في المحاسبة والثاني في الحكم "
(2)
.
وقال في وجه البدء بهذه بهاتين الخصلتين: " وحاصله: أن أول ما يحاسب العبد فيما بينه وبين ربه الصلاة؛ لفضلها على سائر العبادات، وأول ما يقضى من حقوق العباد قتل النفس؛ فإنه أكبر الخطيئات"
(3)
.
ويقول العلامة العثيمين:" أول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال الصلاة وأول ما يقضى فيه بين الناس الدماء؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية والدماء أعظم ما يعتدى به في حقوق الآدميين"
(4)
.
ومع هذه الاستفاضة وهذا التواتر في أحاديث وأخبار الحساب، تَعجب ممن أنكر حساب الله جل وعز للخلائق يوم القيامة، وقد نقل جماعة من أهل العلم إنكار بعض الفرق للحساب
(5)
، في حين أن الواجب في مثل هذه الأمور: الإيمان الجازم بمحاسبة الرب جل وعلا للخلائق يوم الدين، يقول الإمام الغزالي:" وأن يؤمن بالحساب، وتفاوت الخلق فيه إلى مناقش في الحساب وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب، وهم المقربون فيسأل الله تعالى من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل، ويسأل المبتدعة عن السنة، ويسأل المسلمين عن الأعمال "
(6)
.
(1)
القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط 1 1422 هـ (3/ 997)
(2)
القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط 1 1422 هـ (6/ 2259)
(3)
القاري: مرقاة المفاتيح، دار الفكر - بيروت، ط 1 1422 هـ (8/ 3130)
(4)
العثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، دار الوطن، 1413 هـ (8/ 515).
(5)
غالب عواجي: الحياة الآخرة، دار لينة- مصر، ط 1 1417 هـ (2/ 1061).
(6)
الغزالي: بداية الهداية، دار المنهاج - جدة، ط 1 1425 هـ، ص (285).