الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"والمقصود: أن الهدى مستلزم لسعادة الدنيا، وطيب الحياة، والنعيم العاجل، وهو أمر يشهد به الحس والوجد"
(1)
.
6 - يغرس في النفس الإقدام والسعي نحو أبواب البر والخير:
إن البر، والبذل، والعطاء، والجود، والكرم، والإيثار، ومد يد العون والمساعدة، وتفريج الكربات، كلها معانٍ سامية، وأعمال جليلة، منبثقة من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وإنك لن تجد أحداً، امتلأ قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر، إلا وهو دائم السعي نحو طرق هذه الأبواب، فتجده يبذل كل ما عنده؛ رجاء ما عند الله جل وعلا من الفضل والكرم. وإن الدافع والمحرك نحو هذا الإقدام، وهذا العمل الدؤوب، هو الإيمان بالآخرة وبأنها دار المجازاة، يقول تعالى:{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)} [غافر:17].
(1)
ابن القيم: مفتاح دار السعادة، دار الكتب العلمية، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (1/ 36).
ولما كان هذا اليوم العظيم، ماثلاً أمام أعين المؤمنين، كان له أثره المباشر في حياتهم، ومعاملاتهم، وسلوكهم، وخاصة فيما فيه نفع للمسلمين، ودفع الضر عنهم، وتفريج كرباتهم، والوقوف معهم في حوائجهم، فلا يتأخرون طرفة عين في كل ما فيه نفع للمسلمين، ولذا مما سُطر عن أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين، عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، من كلمات سطرها التاريخ له بماء من ذهب، أصبحت مثلاً تقال في المناسبات، تُبين أثر خوف عمر بن الخطاب من مقام الوقوف بين يدي الله تعالى، الذي انعكس في شخص عمر، حتى أصبح مثلاً في كثير من القيم والمبادئ والأخلاق، يقول رضي الله عنه وأرضاه كلاماً ينبئ عن تمام العدل، وكمال المراقبة والخوف من الله تعالى، والخوف من المسؤولية التي تحملها على عاتقه، وهو مسؤول عنها عند الله عز وجل، يقول:(لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات، لتخوفت أن يسألني الله عنها، وأيم الله، إن المسؤول عن خاصة نفسه على عمله، فيما بين الله وبينه ليعرض، أمر كبير على خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة)
(1)
.
فإذا كان خوف عمر رضي الله عنه، من ضياع سخلة، فكيف بضياع حقوق الرعية، فالتاريخ يشهد بأن عمر رضي الله عنه، قد حفظ الوعد والعهد، وقام بالرعية حق قيام، دافعه خوف الله تعالى، وحافزه خوف الوقوف بين يديه يوم الدين، وهذا يظهر جليا في قصته مع الأعرابي الذي وقف عليه وقال:
يا عمر الخير جزيت الجنة جهز بنياتي واكسهنّه أقسم بالله لتفعلنه
قال: فإن لم أفعل ماذا يا أعرابي؟ قال: أقسم بالله لأمضينه، قال: فإن مضيت يكون ماذا يا أعرابي؟ قال:
(1)
ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: (10/ 95)، يقول الإمام محمد بن رشد:" هذا من عمر بن الخطاب نهاية في الخوف لله؛ لأن مثل هذا لو وقع لم يؤاخذه الله به، إذ لم يكن بتضييع منه ولا إهمال ومن بلغ هذا الحد من الخشية فهو من الفائزين، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)} [النور:52] "، ابن رشد: البيان والتحصيل: (17/ 385).
والله عن حالي لتسألنه ثم تكون المسألات عنَّه
والوقف المسؤول بينهنة إما إلى نار وإما جنة
فبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه، ثم قال: يا غلام، أعطه قميصي هذا، لذلك اليوم لا لشِعْرِه، والله لا أملك قميصاً غيره
(1)
.
إن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، أفزعته امرأة فقيرة، حين قالت لعمر وهي لا تعرف أنه أمير المؤمنين عمر، قالت:(الله بيننا وبين عمر)، فقال حينها عمر: وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمر أمرنا، ثم يغفل عنا، هنا خاف عمر، فقال لأسلم: انطلق بنا، قال: فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلاً من دقيق، وكبة شحم، فقال: احمله عليّ، فقلت: أنا أحمله عنك، فقال عمر: أنت تحمل وزري يوم القيامة، لا أم لك، فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئاً، فجعل يقول لها: ذُرّي علي، وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر ثم يمرثها، فقال: أبغني شيئاً، فأتته بصحفة فأفرغها، ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم، فلم يزل حتى شبعوا، وترك عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً، كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، فيقول: قولي خيراً، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله، ثم تنحى عنها ناحية، ثم استقبلها، فربض مربضاً، فقلت: إن لك شأناً غير هذا، فلا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدؤوا، فقال عمر: يا أسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت
(2)
.
فهذا شاهد من شواهد السيرة العطرة، لأولئك المؤمنين، الصادقين، المخلصين، المخبتين، الأوابين، قال الله تعالى عنهم:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} [المؤمنون:61].
(1)
ابن الأثير: أسد الغابة، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 (4/ 137)
(2)
ابن عساكر: تاريخ دمشق، دار الفكر، 1415 هـ، (44/ 354)