الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه، وكان ما يطالب به من الشكر أكثر مما يطالب من دونه، فيكون حق الله عليه أعظم، وأعماله لا تفي بحقه عليه فنعم الله تطالبه بالشكر، وأعماله لا تقابلها، وذنوبه وغفلته وتقصيره قد تستنفد عمله، فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها هذا وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتضى كونه عبدًا مملوكًا مستعملًا فيما يأمره به سيده، فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس له شيء، فلا هو مالك لنفسه ولا صفاته ولا أعماله، بل كل ذلك مملوك عليه مستحق عليه لمالكه (1).
الأعمال الصالحة أسباب لا أعواض ولا أثمان:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لن ينجي أحدًا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل.
وهذا لا ينافي قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، فإنها إنما تدل على أن الأعمال أسباب لا أعواض وأثمان والذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم في الدخول بالعمل هو نفي استحقاق العوض ببذل عوضه فالمثبت باء السببية والمنفي باء المعاوضة والمقابلة وهذا فصل الخطاب (2).
شكر الله على نعمه لا يقدر على القيام به أحد، لكثرة نعم الخالق وتقصير المخلوق:
الله هو المنعم المالك على الحقيقة الذي لا تُعد نعمه وحقوقه على عبده، ولا يمكن أن تقابلها طاعاته بوجه، فلو عذبه سبحانه لعذبه وهو غير ظالم له، وإذا رحمه فرحمته خير له من أعماله، ولا تكون أعماله ثمنًا لرحمته البتة، فلولا فضل الله ورحمته ومغفرته ما هنا أحدًا عيش البتة، ولا عرف خالقه ولا ذكره ولا آمن به ولا أطاعه، ومن لم ينظر في حقه عليه وتقصيره وعجزه عن القيام به فهو من أجهل الخلق بربه وبنفسه ولا تنفعه طاعاته ولا يسمع دعاؤه.
وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره، وعلى قدر نعمه، ولا يقوم بذلك أحد كان حقه سبحانه على كل أحد، وله المطالبة به، وأن لم يغفر له ويرحمه وإلا عذبه، فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه، فإن لم يحفظهم
(1) شفاء العليل لابن القيم (240).
(2)
مفتاح دار السعادة 2/ 445.
هلكوا، وإن لم يرزقهم هلكوا، وإن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا، ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء:{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} (1).
ولا يخاف أن يحمل عليه من سيئات غيره، ولا ينقص من حسناته ما يتحمل، فهذا هو العقول من الظلم ومن عدم خوفه، وقوله تعالى:{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} فلما نفى الظلم عن نفسه وأثبته لهم دل على أن الظلم المنفي أن يعذبهم بغير جرم، وأنه إنما عذبهم بجرمهم وظلمهم، ولا تحتمل الآية غير هذا، وقال تعالى:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} .
ولا ريب أن هذا مذكور في سياق التحريض على الأعمال الصالحة والاستكثار منها، فإن صاحبها يجزي بها ولا ينقص منها بذرة، قال تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، فأخبر أنه ليس على أحد في وزر غيره شيء، وأنه لا يستحق إلا ما سعاه وأن هذا هو العدل الذي نزه نفسه عن خلافه.
فالنصوص تقتضى كمال عدله وحكمته وغناه، ووضعه العقوبة والثواب مواضعهما، وأنه لا يعدل بهما عن سننهما، وأنه لو عذَّب أهل سماواته وأرضه لكان ذلك تعذيبًا محقه عليهم، وكانوا إذ ذاك مستحقين للعذاب؛ لأن أعمالهم لا تفي بنجاتهم (ولو رحمهم لكان رحمته خيرًا لهم من أعمالهم)، فلو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكان ذلك لمجرد فضله وكرمه لا بأعمالهم (2).
فجميع عباده تحت عفوه ورحمته وفضله، فما نجى منهم أحدًا إلا بعفوه ومغفرته، ولا فاز بالجنة إلا بفضله ورحمته (3).
(1) شفاء العليل (240: 246).
(2)
مفتاح دار السعادة 2/ 462: 461.
(3)
المصدر السابق.