الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولم تتحقق تلك الوعود التي استمرت الأسفار تعرضها في أربعة إصحاحات من سفر حزقيال أخطاء بشهادة الواقع.
أخطاء في عدد بني إسرائيل:
1 -
حديث إرميا عن نسل داود فيقول: "كَمَا أَنَّ جُنْدَ السَّمَاوَاتِ لَا يُعَدُّ، وَرَمْلَ الْبَحْرِ لَا يُحْصَى، هكَذَا أُكَثِّرُ نَسْلَ دَاوُدَ عَبْدِي وَاللَّاوِيِّينَ خَادِمِيَّ"." (إرميا 33/ 22)، لكن الواقع يكذب ذلك، فاليهود أقل أهل الأرض عددًا، إذ لا يبلغ تعدادهم في الأرض كلها ستة عشر مليونًا، علاوة على أن غالبهم ليسوا من أصول إسرائيلية.
وهذا أيضًا يقودنا للحديث عن الأعداد المهولة التي قدمتها التوراة لبني إسرائيل إبان موسى وبعده، إذ تتحدث التوراة عن أصل إسرائيل وهو يعقوب وأبناؤه وقد بلغوا حين هجرتهم إلى مصر سبعين نفسًا. (انظر الخروج 1/ 3).
ثم تذكر التوراة أنهم " أثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيرًا جدًّا، وامتلأت الأرض منهم"(الخروج 1/ 7).
وبعد مائتي سنة على دخولهم مصر، خرجوا منها، بعد سنين طويلة وقاسية؛ عانوا فيها صنوفًا من الاضطهاد واستباحة النساء وقتل الذكور، ولدى نزولهم في سيناء تذكر التوراة أن موسى أمر بتعداد بني إسرائيل "فَكَانَ جَمِيعُ المعْدُودِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَسَبَ بُيُوتِ آبَائِهِمْ مِنِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا، كُلُّ خَارِجٍ لِلْحَرْبِ فِي إِسْرَائِيلَ سِتَّ مِئَةِ ألفٍ وَثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ وَأَمَّا اللَّاوِيُّونَ حَسَبَ سِبْطِ آبَائِهِمْ فَلَمْ يُعَدُّوا بَيْنَهُمْ .. "(العدد 1/ 45 - 47)، وإذا كان الرجال القادرون على الحرب في أحد عشر سبطًا قد بلغوا الستمائة ألف، فيفهم من هذا أن بني إسرائيل قد جاوزوا المليون.
ومما يشكك في الرقم التوراتي الكبير أن موسى عليه السلام، وهو أحد الخارجين من مصر يعتبر الجيل الثاني للداخلين إلى مصر، فهو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي. (انظر الخروج 6/ 16 - 20)، وجده قاهث من الداخلين إلى مصر كما ذكرت التوراة. (انظر التكوين 46/ 11).
ويستحيل تنامي العدد بهذه الزيادة خلال جيلين أو ثلاثة، فمثلًا لم يكن الجيل الأول
من أبناء لاوي سوى ثلاثة أشخاص عندما دخلوا مصر، فكيف أضحوا بعد ثلاثة أجيال فقط اثنين وعشرين ألف ذكر. (انظر العدد 3/ 39).
هذه الزيادة لا يمكن للعقل أن يستوعبها بحال، فلو ولد لكل من أبناء لاوي الثلاثة عشرة ذكور، وولد لكل منهم عشرة ذكور، ثم ولد لكل من هؤلاء عشرة ذكور، وما مات من هؤلاء جميعًا أحد، لأضحى عدد أبناء لاوي وأحفاده لا يتجاوز الأربعة آلاف من الذكور، وهو رقم لا يتناسب بحال مع الرقم التوراتي (22000).
ومما يدل على أن هذه الأعداد غير صحيحة أن بني إسرائيل كان يتولى توليد نسائهم قابلتان فقط هما: شفرة وفوعة. (انظر الخروج 1/ 15). ومثل هذه الأرقام المهولة لا يقوم بها قابلتان فقط.
2 -
ثم تتحدث التوراة عن حروب بني إسرائيل فتذكر أرقامًا للجيوش والقتلى لا تعقل، ففي سفر الأيام "وَضَرَبَهُمْ أَبِيَّا وَقَوْمُهُ ضَرْبَةً عَظِيمَةً، فَسَقَطَ قَتْلَى مِنْ إِسْرَائِيلَ خَمْسُ مِئةِ آلْفِ رَجُل مُختارٍ."(الأيام (2) 13/ 17)، هذا في طرف واحد من بني إسرائيل.
ثم إن كان السبعون شخصًا قد فاقوا - خلال قرنين فقط - المليون، فإنه وبعد ثلاثة آلاف سنة ينبغي أن يكون عددهم آلافًا من الملايين تنوء الأرض بحملهم، بل يزيد هذا العدد المفترض على تعداد سكان الأرض حاليًا مرات كثيرة.
لكن الأمر على خلاف ذلك، إذ لا يتجاوز اليهود الخمسة عشر مليونًا في الأرض كلها، علاوة على أن كثيرين منهم ليسوا من ذراري بني إسرائيل.
ثم إن التوراة تذكر تعدادًا آخر، وهو التعداد الذي جرى في أرض مؤاب بعد ثمانين سنة من تعداد موسى الأول، ولم تطرأ فيه زيادة عن التعداد الأول سوى ألفي شخص. (انظر العدد 26/ 1 - 65)، ولو كان بنو إسرائيل يزدادون بهذه النسبة الرهيبة، لكان ينبغي أن يتضاعف عددهم عشرات المرات.
وهذه المبالغات الكبيرة في أعداد بني إسرائيل يعترف بكذبها محققو نسخة الرهبانية
اليسوعية، حيث يقول هؤلاء تعليقًا على الأعداد الخيالية لبني إسرائيل المذكورة في (صموئيل (2) 24/ 9) ما نصه:"من الواضح أن الأرقام مبالغ فيها كما في كثير من الأرقام المماثلة في العهد القديم".
وإذا تساءلنا عن الرقم الحقيقي للخارجين من مصر، فإن دائرة المعارف البريطانية تجزم بأن عددهم لم يتجاوز الخمسة عشر ألفًا.
ولا يفوتنا التنبيه على خطأ توراتي آخر يختص بمدة إقامة بني إسرائيل في مصر، حيث تذكر التوراة أن الله قال لإبراهيم:"اعْلَمْ يَقينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، ويُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ. فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ."(التكوين 15/ 13)، ووهو صريح أن مدة ذلتهم في أرض مصر أربع مائة سنة، وهذا الرقم يؤكده سفر الخروج بقوله:"وَأَمَّا إِقَامَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أقامُوهَا فِي مِصْرَ فَكَانَتْ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً."(الخروج 12/ 40).
وهذا الذي ذكرته الأسفار التوراتي خطأ ولا ريب، إذ لم يمكثوا في مصر إلا مائتين وخمس عشرة سنة، وقد أقر علماء النصرانية ومحققوها بذلك، واجتهدوا في تصحيح الخطأ، فزعم القس منيس عبد النور في كتابه "شبهات وهمية" أن المدة المذكورة في التوراة تبدأ من ابتداء دعوة إبراهيم في العراق، وبمثله قال آدم كلارك في تفسيره، وكذا وافقهما جامعو تفسير هنري واسكات. (1)
وما ذهبوا إليه هو تصحيح للنص في ضوء المعطيات التاريخية، لكنه على أي حال تلاعب بالنص الذي يصرح بأن الأربعمائة سنة هي مقدار إقامتهم وذِلتهم واستِعبادهم في مصر، كما هو بيّنُ في قوله:"فيذلونهم أربع مائة سنة"، وقوله:"وَأَمَّا إِقَامَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَقَامُوهَا فِي مِصْرَ فكَانَتْ أَرْبَعَ مِئَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً."(الخروج 12/ 40)، فليس في النصين أي تضمين لفترة ما قبل دخولهم إلى مصر.
(1) وانظر: كتاب مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين، (346)، حيث ذكر أن دخول يعقوب وبنيه إلى مصر كان في سنة 1706 ق. م، وأن عبورهم بحر القُلزُم وغرق فرعون كان في سنة 1491 ق. م.
4 -
إن العجب ليس فيما سبق من الأغلاط، بل في تلك الأخطاء التي لا يقع فيها كاتب مهما ضعفت مؤهلاته على الكتابة، ومنها أن سفر يشوع شرع يعدد المدن الفلسطينية التي سيأخذها كل سبط من أسباط بني إسرائيل، فيقول عن نصيب سبط يهوذا: "وَكَانَتِ المدُنُ الْقُصْوَى الَّتِي لِسِبْطِ بَنِي يَهُوذَا إِلَى تُخُمِ أَدُومَ جَنُوبًا: قَبْصِئِيلَ وَعِيدَرَ وَيَاجُورَ، وَقَيْنَةَ وَدِيمُونَةَ وَعَدْعَدَةَ، وَقَادَشَ وَحَاصُورَ وَيثْنَانَ، وَزِيفَ وَطَالمَ وَبَعَلُوتَ، وَحَاصُورَ وَحَدَتَّةَ وَقَرْيُوتَ وَحَصْرُونَ، هِيَ حَاصُورُ، وَأَمَامَ وَشَمَاعَ وَمُولَادَةَ، وَحَصَرَ جَدَّة وَحَشْمُونَ وَبَيْتَ فَالطَ، وَحَصَرَ شُوعَال وَبِئْرَ سَبْعٍ وَبِزْيُوتِيَةَ، وَبَعَلَةَ وَعَيِّيمَ وَعَاصَمَ، وَألْتُولَدَ وَكِسِيلَ وَحُرْمَةَ، وَصِقْلَغَ وَمَدْمَنَّةَ وَسَنْسَنَّةَ، وَلَبَاوُتَ وَشِلْحِيمَ وَعَيْنَ وَرِمُّونَ. كُلُّ المدُنِ تِسْع وَعِشْرُونَ مَعَ ضِيَاعِهَا.
" (يشوع 15/ 21 - 32)، فقد ذكر سبعًا وثلاثين مدينة، وزعم أن عددها تسع وعشرون، فالفرق ثمانية مدن.
وقد حاولت نسخة الرهبانية اليسوعية تقليصه، فدمجت بعض الأسماء (حاصور ويثنان = حاصور بتنان)، و (حاصور وحدتة = حاصور حدتة)، و (قريوت وحصرون = قريوت حصرون)، و (عين ورمّون = عين رمون)، وحذفت واحدًا (بزيتوتية)، ووضعت بدلًا منه "وتوابعها"، واعتذر محققوها عن تلاعبهم بالنص وما أحدثوه فيه فقالوا عنه:"لم يُحفظ النص حفظًا جيدًا، فكثير من أسماء المدن تصوَّب بالرجوع إلى النص اليوناني أو إلى نصوص كتابية أخرى".
لكن رغم هذا كله فإن هناك ثلاثة أسماء زائدة، سها عن عدِّها كاتب السفر!
وفي الفقرة التي تليها من سفر يشوع ذكر الكاتب أسماء خمس عشرة مدينة، ثم أخطأ، فقال:"أربع عشرة مدينة مع ضياعها"(يشوع 15/ 36)، وقد اقترح الشراح - كما نقل محققو الرهبانية اليسوعية - حذف الاسم الأخير، ليقرأ النص:"والجديرة وتوابعها" بدلًا من قوله: "والجديرة وجديروتايم"(يشوع 15/ 36). (1)
(1) هل العهد القديم كلمة الله (ص 166 - 170).