الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم إن بعض المؤرخين ومنهم تشارلز الفريد، وروبرت إيزلز وغيرهما قالوا بأن يوحنا مات مشنوقًا سنة 44 م على يد غريباس الأول، وعليه فليس هو مؤلف هذا الإنجيل، إذ أن هذا الإنجيل قد كتب في نهاية القرن الميلادي الأول أو أوائل الثاني. (1)
من كتب إنجيل يوحنا
؟
وإذا لم يكن يوحنا هو كاتب الإنجيل، فمن هو الكاتب الحقيقي؟
يجيب القس فهيم عزيز في مدخله إلى الإنجيل: "هذا السؤال صعب، والجواب عنه يتطلب دراسة واسعة غالبًا ما تنتهي بالعبارة: لا يعلم إلا الله وحده من الذي كتب هذا الإنجيل".
وحاول البعض الإجابة عن السؤال من خلال تحديد صفات كاتب الإنجيل دون ذكر اسم معين، يقول جرانت:"كان نصرانيًّا، وبجانب ذلك كان هيلينيًا، ومن المحتمل أن لا يكون يهوديًّا، ولكنه شرقي أو إغريقي، ونلمس هذا من عدم وجود دموع في عينيه علامة على الحزن عندما كتب عن هدم مدينة لليهود".
وجاء في مدخل الإنجيل أن بعض النقاد "يترك اسم المؤلف، ويصفونه بأنه مسيحي كتب باليونانية في أواخر القرن الأول في كنائس آسيا".
وقال مفسر إنجيل يوحنا جون مارش: "ومن المحتمل أنه خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الأول الميلادي قام شخص يدعى يوحنا، من الممكن أن يكون يوحنا مرقس خلافًا لما هو شائع من أنه يوحنا بن زبدي .. وقد تجمعت لديه معلومات وفيرة عن يسوع، ومن المحتمل أنه كان على دراية بواحد أو أكثر من الأناجيل المتشابهة، فقام حينئذ بتسجيل جديد لقصة يسوع".
وقال المحقق رطشنبدر: "إن هذا الإنجيل كله، وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه، بل صنفها أحد في ابتداء القرن الثاني، ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس".
ويوافقه استادلن، ويرى أن الكاتب "طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية".
(1) انظر: الغفران بين الإسلام والمسيحية، إبراهيم خليل أحمد ص (18)، النصرانية، مصطفى شاهين ص (85).
وقال يوسف الخوري في "تحفة الجيل" بأن كاتب الإنجيل هو تلميذ يوحنا المسمى بروكلوس.
وقال بعض المحققين ومنهم جامس ماك كينون، واستيريتر في كتابه "الأناجيل الأربعة" بأن يوحنا المقصود هو تلميذ آخر من تلاميذ المسيح، وهو (يوحنا الأرشد)، وأن أرينوس الذي نسب إنجيل يوحنا إلى ابن زبدي قد اختلط عليه أمر التلميذين.
وذكر جورج إيلتون في كتابه "شهادة إنجيل يوحنا" أن كاتب هذا الإنجيل أحد ثلاثة: تلميذ ليوحنا الرسول أو يوحنا الشيخ (وليس الرسول) أو معلم كبير في أفسس مجهول الهوية.
لكن ذلك لم يفت في عضد إيلتون الذي ما زال يعتبر إنجيل يوحنا مقدسًا؛ لأنه "مهما كانت النظريات حول كاتب هذا الإنجيل، فإن ما يتضح لنا جليًا بأن كاتبه كان لديه فكرة الرسول، فإذا كتبه أحد تلاميذه فإنه بلا مراء كان مشبعًا بروحه".
كما ذهب بعض المحققين إلى وجود أكثر من كاتب للإنجيل، منهم كولمان حين قال:"إن كل شيء يدفع إلى الاعتقاد بأن النص المنشور حاليًا ينتمي إلى أكثر من مؤلف واحد، فيحتمل أن الإنجيل بشكله الذي نملكه اليوم قد نشر بواسطة تلاميذ المؤلف، وأنهم قد أضافوا إليه"، ومثله يقول المدخل لإنجيل يوحنا. (1)
ومن هذا كله ثبت أن إنجيل يوحنا لم يكتبه يوحنا الحواري، ولا يعرف كاتبه الحقيقي، ولا يصح بحال أن ننسب العصمة والقداسة لكاتب مجهول لا نعرف من يكون.
وعند غض الطرف عن مجهولية الكاتب واستحالة القول بعصمته عندئذ، فإن ثمة مشكلات تثار في وجه هذا الإنجيل نبه المحققون إليها منها:
اختلاف هذا الإنجيل عن باقي الأناجيل الثلاثة رغم أن موضوع الأناجيل الأربعة هو تاريخ وسيرة المسيح عليه السلام.
إذ تتشابه قصة المسيح في الأناجيل الثلاثة، بينما يظهر الإنجيل الرابع غريبًا بينها.
(1) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (1/ 155 - 157)، المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبد الوهاب، ص (69 - 70)، ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (141 - 145)، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، موريس بوكاي، ص (90 - 91).
فمثلًا: هو الإنجيل الوحيد الذي تظهر فيه نصوص تأليه المسيح، بل هو كتب لإثبات ذلك كما يقول المفسر يوسف الخوري:"إن يوحنا صنف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة كنائس آسيا وغيرها، والسبب: أنَّه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح"، وأن كثيرين من فرق الشر كانت تقرر تلك الحقيقة، فطلب إلى يوحنا أن يكتب إنجيلا يتضمن بيان هذه الألوهية، فكتب هذا الإنجيل. (1)
ولما لم يكن في الأناجيل الثلاثة ما يدفع أقوال هذه الطوائف، أنشأ يوحنا إنجيله، وهذا المعنى يؤكده جرجس زوين، فيذكر عن أساقفة آسيا أنهم اجتمعوا "والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح، وينادي بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون".
يقول الأب روغيه في كتابه "المدخل إلى الإنجيل": "إنه عالم آخر، فهو يختلف عن بقية الأناجيل في اختيار الموضوعات والخطب والأسلوب والجغرافيا والتاريخ، بل والرؤيا اللاهوتية".
وهذه المغايرة أوصلته إلى تقديم صورة للمسيح مغايرة تمامًا عما في الأناجيل الثلاثة والتي يسميها البعض: "المتشابهة" أو "الإزائية".
لذا تقول دائرة المعارف الأمريكية: "من الصعب الجمع بين هذا الإنجيل والأناجيل الثلاثة، بمعنى أن لو قدرنا أنَّها صحيحة لتحتم أن يكون هذا الإنجيل كاذبًا".
يقول السير آرثر فندلاي في كتابه "الكون المنشور" معبرًا عن هذا الاختلاف:
" إن إنجيل يوحنا ليس له قيمة تستحق الذكر في سرد الحوادث الأكيدة، ويظهر أن محتوياته لعب فيها خيال الكاتب دورًا بعيدًا". (2)
ومن المشكلات التي تواجه هذا الإنجيل أيضًا أن أيدي المحرفين نالت هذا الإنجيل،
(1) محاضرات في النصرانية (58).
(2)
انظر: ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (181 - 182)، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، ص (162 - 165)، الأناجيل والرسائل بين انقطاع السند وتناقض المتن، محمد الشرقاوي، ص (56)، اختلافات في تراجم الكتاب القدس، أحمد عبد الوهاب، ص (86).