الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تلاميذه استغرقت أكثر من أربعة إصحاحات هي: بقية الإصحاح 13 ثم الإصحاحات 14، 15، 16، 17 فكانت تمثل بذلك نحو 20 في المائة من حجم إنجيل يوحنا يركز على ما اعتبره البعض - فيما بعد - تأكيدا على لاهوت المسيح.
ولقد صمت يوحنا عن آلام المسيح ومعاناته في الحديقة، ولم يذكر لنا سوى نبذه يسيرة عن حالة الفزع والاضطراب التي لحقت به حين شعر بخطر المؤامرة يقترب منه، وكان ذلك أثناء العشاء الأخير - إذ قال يوحنا:"21 لمَّا قَال يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَال: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي! "."(يوحنا 13/ 21).
8 - القبض على المسيح
.
يقول مرقس (14/ 43 - 52): "43 وَلِلْوَقْتِ فِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ أَقْبَلَ يَهُوذَا، وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ. 44 وَكَانَ مُسَلِّمُهُ قَدْ أَعْطَاهُمْ عَلَامَةً قَائِلًا: "الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ، وَامْضُوا بِهِ بِحِرْصٍ". 45 فَجَاءَ لِلْوَقْتِ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَائِلًا:"يَا سَيِّدِي، يَا سَيِّدِي! " وَقَبَّلَهُ. 46 فَأَلْقَوْا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ وَأَمْسَكُوهُ. 47 فَاسْتَلَّ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ السَّيْفَ، وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ.
48 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَال لَهُمْ: "كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! 49 كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ مَعَكُمْ فِي الْهَيْكَلِ أُعَلِّمُ وَلَمْ تُمْسِكُونِي! وَلكِنْ لِكَيْ تُكْمَلَ الْكُتُبُ". 50 فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا. 51 وَتَبِعَهُ شَابٌّ لَابِسًا إِزَارًا عَلَى عُرْيِهِ، فَأَمْسَكَهُ الشُّبَّانُ، 52 فَتَرَكَ الإِزَارَ وَهَرَبَ مِنْهُمْ عُرْيَانًا." ونقول تعليقًا على هذه الفقرات:
1 -
لقد طعن أحد علماء الكتاب المقدس وهو "باكون" في القيمة التاريخية لكل هذه الفقرات في مقال هام وشهير" ماذا كانت خيانة يهوذا؟ " - وذلك على أساس أن السلطات كانت تعرف يسوع، كما كانت على علم تام بتحركاته، وكان في استطاعتها أن تكتشف مكانه بسهولة وتقبض عليه في هدوء، دون ما حاجة إلى معاونة غير مضمونة من خونة مأجورين ....
2 -
أن العدد 47 (47 فَاسْتَلَّ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ السَّيْفَ، وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ.) من الواضح أنه قد ألحق بأسلوب مفكك جدا بما قبله.
3 -
أن القول (وَلكِنْ لِكَيْ تُكْمَلَ الْكُتُبُ) قد أدخل هنا على الرغم من عدم ورود فقرة معينة من كتب العهد القديم تناسب هذا الموقف.
4 -
أن العددين 51، 52 (51 وَتَبِعَهُ شَابٌّ لَابِسًا إِزَارًا عَلَى عُرْيِهِ، فَأَمْسَكَهُ الشُّبَّانُ، 25 فَتَرَكَ الإِزَارَ وَهَرَبَ مِنْهُمْ عُرْيَانًا.) يدعوان للحيرة، فقد وضعا بطريقة مربكة بعد العدد (50)، ولهذا فإن بعض النساخ قد نقحوا الأصل الإغريقي لكي ينصقل الترابط مع ما قبلهما، كما أن كلا من متى ولوقا قد حذفهما من إنجيله." (1)
أما رواية متى فقد دخل فيها بعض التغييرات مثل إضافته إلى قول يهوذا: السلام يا سيدي، وكذلك قول يسوع إلى أحد تابعيه بعد قطع أذن عبد رئيس الكهنة:""رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! 53 أَتَظُنُّ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ 54 فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟ "."
وأيضًا حذف متى قصة مرقس عن الشاب الذي هرب عريانًا. (2)
وأما لوقا فإنه يسير في روايته بمحاذاة متى، إلا أنه يرفض رواية الإثنى عشر جيشًا من الملائكة، كما لم يذكر شيئًا عن الشاب الذي هرب عريانًا.
ثم هو يذكر شيئًا مختلفًا عن قُبلة يهوذا إذ يقول: "47 وَبَيْنَمَا هُوَ يَتكَلَّمُ إِذَا جَمْعٌ، وَالَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا، أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ، يَتَقَدَّمُهُمْ، فَدَنَا مِنْ يَسُوعَ لِيُقَبِّلَهُ. 48 فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟ ""(22/ 47 - 48).
وأما رواية يوحنا فإنها تعطي صورة مختلفة تمامًا عما روته الأناجيل الثلاثة عن حادث القبض - فهو يقول: "3 فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّامًا مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاحٍ. 4 فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَال لَهْمْ: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟ " 5 أَجَابُوهُ:
(1) تفسير إنجيل مرقس، مرجع سابق (394 - 396).
(2)
تفسير إنجيل متى، مرجع سابق (424 - 426).
"يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ". قَال لَهُمْ: "أَنَا هُوَ". وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. 6 فَلَمَّا قَال لَهُمْ: "إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ. 7 فَسَأَلَهُمْ أَيْضًا:"مَنْ تَطْلُبُونَ؟ " فَقَالوا: "يَسُوعَ النَّاصرِيَّ). 8 أَجَابَ يَسُوع: "قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلَاءِ يَذْهَبُونَ". 9 لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالهُ: "إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِك مِنْهُمْ أَحَدًا"10 ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ. 11 فَقَال يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: "اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلَا أَشْرَبُهَا؟ "."(18/ 3 - 11).
التعليق:
وبعد عرض الروايات الأربع لهذه الحادثة الخطيرة، يحق لنا أن نسأل: أين شك التلاميذ؟ ، لقد سبق أن ذكرت الأناجيل على لسان المسيح قوله لتلاميذه:": "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ".
ونحن هنا أمام احتمالين:
أحدهما: أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده، ورغم أنها ستسبب له ألما ومعاناة إلا أنها ستفشل وينقذه الله من القتل الذي ينتظره على أيدي مدبريها.
ثانيهما: أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده وتسبب له ألما ومعاناة وتنتهي بقتله.
فإن كانت الحالة الأولى، ورأى التلاميذ - حسب ما ترويه الأناجيل - بكل وضوح أن المسيح قبض عليه في تلك الليلة، واستطاعت قوى الشر أن تنتصر عليه، وتحقق ما تريد فعندئذ لا بد أن يشك التلاميذ في معلمهم الذي تنبأ لهم بنجاته، وقد يكون الارتداد عن العقيدة أيضًا.
ولما كانت الأناجيل قد أظهرت جميعها أن التلاميذ لم يشكوا في المسيح في تلك الليلة.
فإن هذا يعني أن الأحداث سارت حسبما جاء في تلك الحالة التي تنتهي بنجاة المسيح من القبض والقتل.
وأما إن كانت الحالة الثانية، وهي أن المسيح تنبأ لتلاميذه بالقبض عليه وقتله، فإن ما شاهده التلاميذ - حسب رواية الأناجيل أيضًا - هو أن ذلك ما حدث، ولا محل للشك
إذن في هذه الحالة.
والخلاصة:
أن الأناجيل الأربعة اختلفت في قصة القبض وملابساتها:
1 -
روى كل من (مرقس ومتى) أن يهوذا قبَّل المسيح، وروى (لوقا) أن يهوذا كان على وشك التقبيل، بينما لا يعرف (يوحنا) شيئًا عن التقبيل.
2 -
ويذكر كل من مرقس ومتى أن تحية وكلامًا جرى بين يهوذا والمسيح ويصمت لوقا عن تلك التحية بينما لا يذكر يوحنا شيئًا عن يهوذا سوى الصمت التام بعد أن قاد القوة التي جاءت للقبض عليه في البستان.
ونستطيع أن نضع أيدينا على ثلاث نقاط أساسية:
1 -
أن القبلة كانت الوسيلة الوحيدة لتعريف أفراد القوة بشخصية المسيح (حسب مرقس ومتى ولوقا) - بينما تم ذلك بعد أن أظهر المسيح ذاته لهم بطريقة تنم عن التحدي والثبات الذي يتحلى به الشجعان في مثل هذه المواقف.
2 -
وأن حادثًا غير عادي وقع في تلك اللحظة مما أذهل أفراد القوة وجعلهم يرجعون إلى الوراء ويسقطون على الأرض.
3 -
أن التلاميذ - حسب ما يرويه كتبة الأناجيل - لم يشكوا في المسيح ولو للحظة واحدة في تلك الليلة.
4 -
ولما كانت قصة المسيح بكل تفاصيلها ترد دائمًا إلى تنبؤات العهد القديم وخاصة سفر المزامير، فإن المزمور 91 الذي يستشهد به كثيرًا - يقول:"9 لأَنَّكَ قُلْتَ: "أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإي". جَعَلْتَ الْعِليَّ مَسْكَنَكَ، 10 لَا يُلَاقِيكَ شَرٌّ، وَلَا تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ. 11 لأَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. 12 عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلَّا تَصْدِمَ بحَجَرٍ رِجْلَكَ .... أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. 15 يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقْ، أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ. 16 مِنْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلَاصِي"." (9/ 16).
أليس من حق القائل أن يقول: إن ملائكة الله حملت المسيح على أيديها في تلك اللحظة