الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أدرك خطأه فتاب إلى الله فقبل توبته واجتباه، قال تعالى:{وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى {(121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} ، إذ انتهت الخطيئة على صاحبها، ولكن النصارى يدعون شيئين كليهما لا يمكن تسليمه إطلاقًا:
الأول: أنَّ الخطيئة باقية لم تزل، وأن الله لم يغفرها لآدم.
الثاني: أنَّ الخطيئة لم تقف عند حد آدم، بل انتقلت منه إلى جميع أبنائه، ومن هنا أصبحوا مخطئين بطبيعتهم.
ونحن لا نسلم الأمر الأول؛ لأن الله قد تاب على آدم، وهو التواب الرحيم يفتح باب التوبة للإنسان؛ لأنه يعلم أن الإنسان ليس مَلَكًا مجردًا من الشهوة، وإنما هو مركب من الخير، قال تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} ، ومن هنا كان من الممكن أن يسقط الإنسان في الخطأ بحكم طبيعته ومنطق العدل والرحمة يستلزم أن يفتح الله باب توبته لمن يتوب، ولكن النصارى لا يؤمنون بالتوبة كطريق إلى مغفرة الذنوب، ويقولون: ليست هناك توبة كاملة لأي مخلوق، وليس هناك إلا طريق واحد لمغفرة الذنوب، وهو أن يصلب الله نفسه على الصليب تكفيرًا عن خطايا البشر.
وهم (أي النصارى) يزعمون أن الله لا يمكن أن يغفر الخطيئة بمجرد كلمة إلهية تصدر منه لأنه لا يقدر أن يكون غير عادل، والذي نود أن نفهمه من هؤلاء ما وجه معارضة غفران الخطايا للعدالة، وألا يتعارض هذا مع صفة الرحمة.
الوجه الرابع: البرهان من التوراة والإنجيل على أن التوبة وحدها تكفي لغفران الذنوب، ولا حاجة للصلب
.
في الإنجيل الذي بين أيديكم أن الله صفح (وتاب على أهل نينوى عندما صاموا وقاموا)، ويقولون: إن الصوم والصلاة والصدقة والتوبة لا تجدي شيئًا لأنَّها طرق بشرية ولا بد في التوبة من وسيلة إلهية، وهي (صلب نفسه على الصليب)(1).
(1) مشكلات العقيدة النصرانية د. سعد الدين صالح (156).
ويقال لمن زعم خطيئة آدم قد عمّت سائر أولاده، وأنه لا يطهرهم من خطاياهم إلَّا قتل المسيح: فالتوراة والنبوات ترد هذه المقالة الشوهاء، وذلك أن التوراة تقول في السفر الأوّل وهو الذي يعرف بسفر الخليقة لقابيل الذي قتل هابيلًا، وردّ الله عليه قربانه ولم يتقبله:"إنك إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطية رابضة ببابك"(التكوين 4/ 7: 6)، وإذا كان الأمر كذلك فقد صار إحسان المحسن من بني آدم مطهرًا له ومخلصًا، فلا حاجة إلى شيءآخر.
وقال الله تعالى في السفر الأوّل من التوراة: "إني سأجزي هابيل عن الواحد سبعة"(التكوين 4/ 15)، وفي ذلك مندوحة عن التطهير بقتل وصلب، إذ الجزاء طهرة وزيادة.
وقد قال الله تعالى في بعض النبوات: "لا آخذ الولد بخطية والده ولا الوالد بخطية ولده، طهارة الطاهر له تكون، وخطية الخاطئ عليه تكون"(حزقيال 18/ 20)، وذلك موافق لقول ربنا جلّ اسمه: " {إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الأنعام: 164).
وقد قال الله في المزمور الرابع: "يَا بَنِي الْبَشَرِ، حَتَّى مَتَى يَكُونُ مَجْدِي عَارًا؟ حَتَّى مَتَى تُحِبُّونَ الْبَاطِلَ وَتَبْتَغُونَ الْكَذِبَ؟ سِلَاهْ. 3 فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَيَّزَ تَقِيَّهُ. الرَّبُّ يَسْمَعُ عِنْدَ مَا أَدْعُوهُ. 4 اِرْتَعِدُوا وَلَا تُخْطِئُوا. تَكَلَّمُوا فِي قُلُوبِكُمْ عَلَى مَضَاجِعِكُمْ وَاسْكُتُوا. سِلَاهْ. اِذْبَحُوا ذَبَائِحَ الْبِرِّ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ."(مزمور 4/ 5: 2)، فهذا المزمور من مزامير داود يقول: إنه لا حاجة إلى قتل المسيح إذ كان الندم والتوكل على الرّبّ تعالى فيه مندوحة عن ذلك.
وقال الله تعالى في المزمور الأوّل: "طُوَبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورة الأَشْرَارِ، وَفي طَرِيقِ الخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وِفي مَجْلِسِ المُسْتَهْزِئينَ لَمْ يَجْلِسْ. 2 لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا."(مزمور 1/ 2: 1)، فقد أخبر الله تعالى على لسان داود عليه السلام أن الاشتغال بأسباب الخير ومفارقة أهل الشّرّ مخلص فلا حاجة إلى الخلاص بقتل المسيح وصلبه.
وقال بولس - خطيب النصارى ومتكلمهم -: "أولا تعلم أن إمهال الله لك إنما هو ليقبل بك إلى التوبة؟ "(بولس 2/ 5: 3). فإن كان لا بدّ من قتل المسيح لضرورة