الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: الأغلاط في الكتاب المقدس
.
تمهيد:
عندما نتحدث عن كتاب مقدس، فإنه من الطبيعي أن نسلم بعصمة هذا الكتاب، وأن ما فيه هو وحي الله عز وجل.
إذ وجود الخطأ فيه يعني أن الله يخطئ، أو أن الروح القدس يخطئ، أو أن الرسول المبلغ يخطئ.
وهذه الاحتمالات كلها مرفوضة باتفاق الأمم وبدلالة العقل، إذ الخطأ صفة بشرية لا يمكن أن تصدر من الله أو أمناء وحيه من الملائكة أو الرسل، ففي ذلك تلبيس على البشر وإضلال لهم.
ولكنا حين نتصفح أسفار الكتاب المقدس نجد أغلاطا توراتية كثيرة، كل منها يشهد ببراءة الله ووحيه من هذا الكتاب.
أولًا: أغلاط العهد القديم
.
وقد تعددت الشواهد والنماذج على الأخطاء والأغلاط في العهد القديم، ونكتفي منها بنماذج وأمثلة توضح بجلاء أمر هذه الأغلاط، فمنها:
1 -
أن سفر التكوين يحكي عن خيانة إخوة يوسف لأخيهم، فيذكر أن تجارًا مديانيين أخرجوه من البئر، وباعوه لقوم من الإسماعيليين بعشرين من الفضة، وأن هؤلاء الإسماعيليين قد حملوه معهم إلى مصر "وَاجْتَازَ رِجَالٌ مِدْيَانِيُّونَ تُجَّارٌ، فَسَحَبُوا يُوسُفَ وَأَصْعَدُوهُ مِنَ الْبِئْرِ، وَبَاعُوا يُوسُفَ لِلإِسْمَاعِيلِيِّينَ بِعِشْرِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. فَأَتَوْا بِيُوسُفَ إِلَى مِصْرَ."(التكوين 37/ 28).
وفي مصر بيع يوسف لفوطيفار، والمفروض أن الذي باعه لفوطيفار هم الإسماعيليون الذين حملوه إلى مصر بعد أن اشتروه بعشرين من الفضة، لكن كاتب السفر أخطأ فقال:"وَأَمَّا المدْيَانِيُّونَ فَبَاعُوهُ فِي مِصْرَ لِفُوطِيفَارَ خَصِيِّ فِرْعَوْنَ، رَئِيسِ الشُّرَطِ."(التكوين 37/ 36)، والمفروض أن الإسماعيليين هم الذين باعوه لفوطيفار، وهذا هو الصحيح، إذ يعود سفر التكوين لتقريره فيقول: "وَأَمَّا يُوسُفُ فَأُنْزِلَ إِلَى مِصْرَ، وَاشْتَرَاهُ فُوطِيفَارُ خَصِيُّ
فِرْعَوْنَ رَئِيسُ الشُّرَطِ، رَجُلٌ مِصْرِيٌّ، مِنْ يَدِ الإِسْمَاعِيليِّينَ الَّذِينَ أَنْزَلُوهُ إِلَى هُنَاكَ." (التكوين 39/ 1). فمن المسئول عن هذا الخطأ؟ هل هو الله؟ تعالى عن ذلك، أم هو الكاتب المجهول الذي كتب السفر؟ أم نساخ آلاف المخطوطات الذين لم يكونوا أمناء في نساختهم للأسفار؟ أم أولئك الذين اعتبروا هذه الكتابات التاريخية - بما فيها من خلل وزلل - كلمة الله؟
2 -
ومن الأخطاء أيضًا ما زعمه سفر الأيام من إدراك الملك السامري بعشا للسنة السادسة والثلاثين من حكم الملك اليهوذي آسا، وبناؤه للرامة فيها، حيث يقول:"فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِمُلْكِ آسَا صَعِدَ بَعْشَا مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَلَى يَهُوذَا، وَبَنَى الرَّامَةَ"(الأيام (2) 16/ 1)، وهو خطأ - ولا ريب - لأن الملك بعشا مات قبل هذا التاريخ بتسع سنين.
وإثبات ذلك ميسور، فقد ملك بعشا في السنة الثالثة من حكم آسا، وبقي في الملك مدة أربع وعشرين سنة، أي أنه مات في السنة السابعة والعشرين من حكم الملك آسا، فقد جاء ذلك في سفر الملوك فِي السَّنَةِ "الثَّالِثَةِ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ بَعْشَا بْنُ أَخِيَّا عَلَى جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ فِي تِرْصَةَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً."(الملوك (1) 15/ 33).
ومما يؤكد هذا أنه قد توالى على الملك بعده في هذه السنوات التسع ثلاثة ملوك: وهم: ابنه أيلة، ثم زمري، ثم عمري.
ويحدد لنا سفر الملوك - بدقة - سنوات تولي الملوك الثلاثة، فيقول: "وَاضْطَجَعَ بَعْشَا مَعَ آبائِهِ وَدُفِنَ فِي تِرْصَةَ، وَمَلَكَ أَيْلَةُ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ. وِفي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ أَيْلَةُ بْنُ بَعْشَا عَلَى إِسْرَائِيلَ .. فَدَخَلَ زِمْرِي وَضَرَبَهُ، فَقَتَلَهُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، وَمَلَكَ عِوَضًا عَنْهُ
…
فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِينَ لآسَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ عُمْرِي عَلَى إِسْرَائِيلَ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً." (الملوك (1) 16/ 6 - 23)، فكيف يبني بعشا الرامة في السنة السادسة والثلاثين من حكم آسا، وقد مات قبلها بتسع سنين! . (1)
3 -
ومن الأغلاط ما جاء في سفر صموئيل عن عمر شاول عندما ملك على بني
(1) هل العهد القديم كلمة الله؟ (ص 157 - 158).
إسرائيل حيث يقول: "كَانَ شَاوُلُ ابْنَ سَنَةٍ فِي مُلْكِهِ، وَمَلَكَ سَنَتَيْنِ عَلَى إِسْرَائِيلَ. "(صموئيل (1) 13/ 1).
وهذا أمر لا يعقل أبدًا، كما أنه يتناقض مع كل ما تقدمه التوراة من معلومات عن شاول الملك الكبير، وكيفية اختياره، ورفضه لتزويج ابنته ميكال لداود إبان ملكه (شاول)، ثم تزوج داود بها عقب توليه الملك. فذلك كله وغيره مؤذن بوجود غلط في هذا النص.
ولتفادي ذكر هذا الغلط عمدت بعض الترجمات الحديثة إلى ترك مكان السن فارغًا، وهو ما صنعه محققو الرهبانية اليسوعية، ففيها:"وكان شاول ابن .. حين صار ملكًا، وملك .. سنة على إسرائيل".
وأشاروا في الهامش إلى مصدر هذا الغلط، فقالوا عما ورد في النص العبري:"وهذا أمر غير معقول، لربما لم يعرفوا عمر شاول عند ارتقائه العرش، أو لربما سقط العمر عن النص، أو لربما قصرت مدة ملكه إلى سنتين لعبرة لاهوتية".
ولنا أن نتساءل هل كان كتبة الأسفار الملهمون يكتبون وفق معارفهم، أم كانوا يكتبون ما يمليه عليهم الروح القدس؟ .
4 -
ومثله وقع الغلط في أسفار العهد القديم في سياق الحديث عن صلة القرابة بين الملك يهوياكين والملك صدقيا الذي عينه نبوخذ نصر بعد أن عزل يهوياكين، إذ يذكر سفر الأيام أنه أخ لصدقيا، فيقول:"وَمَلَّكَ صِدْقِيَّا أَخَاهُ عَلَى يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ."(الأيام (2) 36/ 10).
والصحيح أن صدقيا عم يهوياكين حيث إن عمر يهوياكين أكبر أبناء أبيه عندما ملك كان حوالي ثمان سنين، وملك لمدة ثلاثة شهور وعشرة أيام فقط. (انظر الأيام (2) 36/ 9)، بينما كان عمر صدقيا حينذاك إحدى وعشرين سنة. (انظر الأيام (2) 36/ 9 - 10)، ولو كان أخًا ليهوياكين لكان ينبغي أن يكون أقل من ثمان سنوات لأن يهوياكين أكبر أبناء أبيه.
وقد اعترف محررو قاموس الكتاب المقدس بهذا الخطأ، وتأولوه قائلين:"دعي أخًا ليهوياكين أي نسيبه، أو من أصل واحد". واعترف به أيضًا وارد الكاثوليكي في كتابه "الأغلاط" حيث
قال: "" لما كان هذا غلطًا بدل في الترجمة اليونانية والتر اجم الأخر بالعم". (1)
5 -
ويتحدث سفر التكوين عن سارة زوجة إبراهيم، فيذكر من جمالها وحسنها أنها وقعت في استحسان فرعون مصر وهي تبلغ الخامسة والستين من العمر، ومثل هذا غير معهود في النساء. ثم لما تجاوزت التسعين وقعت في استحسان ملك جرار أبيمالك، ومثل هذا من الشطط الذي يتنزه عنه وحي الله وكتبه.
ولبيان هذه المسألة نبين أن سارة تصغر عن زوجها بعشر سنين، فقد جاء في سفر التكوين أن إبراهيم قال:"فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَال فِي قَلْبِهِ: "هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟ ". (التكوين 17/ 17)، فبينهما عشر سنين.
وقد غادر إبراهيم حاران، وعمر سارة خمس وستون سنة "وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنيَاتِهَما الَّتِي اقْتَنيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ."(التكوين 12/ 4 - 5)، ثم بعد ذلك انطلق إلى مصر، حيث أعجب فرعون بسارة، وقد تجاوزت الخامسة والستين " وَحَدَثَ لمَّا قَرُبَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ أَنَّهُ قَال لِسَارَايَ امْرَأَتِهِ:"إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ حَسَنَةُ المنْظَرِ فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ المصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هذ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ .... فَحَدَثَ لمَّا دَخَلَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ رَأَوْا المرْأَةَ أَنَّهَا حَسَنَةٌ جِدًّا. وَرَآهَا رُؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ وَمَدَحُوهَا لَدَى فِرْعَوْنَ، فَأُخِذَتِ المرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ"(التكوين 12/ 11 - 15).
ثم يتحدث سفر التكوين عن بلوغ إبراهيم التاسعة والتسعين واختتانه في هذا السن، (التكوين 17/ 24 - 25). مما يعني بلوغ سارة التسعين، وبعده يتحدث السفر عن مضي إبراهيم وزوجه العجوز إلى الجنوب، ليُعجب ويؤخَذ بجمالها - هذه المرة - أبيمالك ملك جرار، "وَانْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ هُنَاكَ إِلَى أَرْضِ الجنُوبِ، وَسَكَنَ بَيْنَ قَادِشَ وَشُورَ، وَتَغَرَّبَ
(1) انظر إظهار الحق (2/ 262).