الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
وإنْ أُخْرِجَ (27) الإِنْسَانُ إلى السَّفَرِ مُكْرَهًا، كالأَسِيرِ، فله القَصْرُ إذا كان سَفَرُهُ بَعِيدًا، نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَقْصُرُ؛ لأنَّه غيرُ نَاوٍ لِلسَّفَرِ ولا جازِمٍ به، فإنَّ نِيَّتَهُ أنَّه متى أفْلَتَ رَجَعَ. ولَنا، أنَّه مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غير مُحَرَّمٍ، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كالمَرْأةِ مع زَوْجِها، والعَبْدِ مع سَيِّدِه، إذا كان عَزْمُهما أنَّه لو مَاتَ أو زالَ مُلْكُهما، رَجَعَ. وقِياسُهُم مُتْنَقِضٌ بهذا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّهُ يُتِمّ إذا صَارَ في حُصُونِهِم. نَصَّ عليه أيضًا؛ لأنَّه قد انْقَضَى سَفَرُه. ويَحْتَمِلُ أنَّه لا يَلْزَمُه الإِتْمَامُ؛ لأنَّ في عَزْمِه أنَّه متى أَفْلَتَ رَجَعَ، فأشْبَهَ المَحْبُوسَ ظُلْمًا.
267 - مسألة؛ قال: (إِذَا جَاوَزَ بُيُوتَ قَرْيَتِه)
وجُمْلَتُه أنَّه ليس لمن نَوَى السَّفَرَ القَصْرُ حتى يَخْرُجَ من بُيُوتِ قَرْيَتِه، ويَجْعَلَها وراءَ ظَهْرِه. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ ذلك عن جَمَاعَةٍ من التَّابِعِينَ. وحُكِىَ عن عَطاءٍ، وسليمانَ بن موسى، أنهما أباحا القَصْرَ في البَلَدِ لمن نَوَى السَّفَرَ. وعن الحارِثِ بن أبي رَبِيعَةَ، أنه أرَادَ سَفَرًا، فصَلَّى بهم في مَنْزِلِه رَكْعَتَيْنِ، وفيهم الأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، وغيرُ واحِدٍ من أصْحَابِ عبدِ اللهِ. ورَوَى عُبَيْدُ بن جُبَيْرٍ، قال: كنتُ (1) مع أبى بَصْرَةَ الغِفَارِىِّ في سَفِينَةٍ من الفُسْطَاطِ، في شَهْرِ رمضانَ، فدَفَعَ، ثم قُرِّب غِذَاؤُهُ، فلم يُجَاوِزِ البُيُوتَ حتى دَعَا بالسُّفْرةِ، ثم قال: اقْتَرِبْ. فقلتُ: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال أبو بَصْرَةَ: أتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم. فأكَلَ. رَوَاه أبو دَاوُدَ (2). ولنَا، قولُ اللَّه تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} ولا يكونُ ضَارِبًا في الأرْضِ حتى يَخْرُجَ، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه
(27) في أ، م:"خرج".
(1)
في الأصل: "ركبت"، والمثبت في: ا، م، وسنن أبي داود.
(2)
في: باب متى يفطر المسافر إذا خرج، من كتاب الصيام. سنن أبي داود 1/ 562. وانظر: عون المعبود 2/ 293، في تعليقه على "فدفع".
كان يَبْتَدِىءُ القَصْرَ إذا خَرَجَ من المَدِينَةِ (3). قال أنَسٌ: صَلَّيْتُ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ بالمَدِينَةِ أرْبَعًا، وبِذِى الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عليه (4). فأمَّا أبو بَصْرَةَ فإنَّه لم يَأْكُلْ حتى دَفَعَ، وقولُه: لم يُجَاوِزِ البُيُوتَ: معناه - واللهُ أعلمُ - لم يَبْعُدْ منها؛ بِدَلِيلِ قولِ عُبَيْدٍ له: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ إذا ثَبَتَ هذا؛ فإنَّه يَجُوزُ له القَصْرُ وإن كان قَرِيبًا من البُيُوتِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، أن لِلَّذِى يُرِيدُ السَّفَرَ أن يَقْصُرَ الصلاةَ إذا خَرَجَ من بُيُوتِ القَرْيَةِ التي يَخْرُجُ منها. وَرُوِىَ عن مُجَاهِدٍ، أنَّه قال: إذا خَرَجْتَ مُسَافِرًا فلا تَقْصُرِ الصَّلَاةَ يَوْمَكَ ذلك إلى اللَّيْلِ، وإذا رَجَعْتَ لَيْلًا فلا تَقْصُرْ لَيْلَتَكَ حتى تُصْبِحَ. ولنَا، قَوْلُ اللهِ تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} . وأنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا خَرَجَ من المَدِينَةِ لم يَزِدْ على رَكْعَتَيْنِ حتى يَرْجِعَ إليها (5). وحَدِيثُ أبى بَصْرَةَ، وقال عبدُ الرحمنِ الهَمْدَانِىّ (6): خَرَجْنَا مع عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، مَخْرَجَه إلى صِفِّينَ، فرَأيْتُه يُصَلِّى (7) رَكْعَتَيْنِ بين الجِسْرِ وقَنْطَرَةِ الكُوفَةِ (8). وقال البُخَارِىُّ: خَرَجَ علىٌّ فقَصَرَ، وهو يَرَى البُيُوتَ، فلمَّا رَجَعَ قِيلَ له: هذه الكُوفَةُ.
(3) أخرج نحوه البخاري، في: ترجمة باب يقصر إذا خرج من موضعه، من كتاب التقصير. صحيح البخاري 2/ 54.
(4)
تقدم في 104، 105، 108.
(5)
أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء في الوتر في السفر، من كتاب إقامة الصلاة. سنن ابن ماجه 1/ 377. والإِمام أحمد، في: المسند 2/ 124. وانظر ما تقدم في صفحة 108.
(6)
في النسخ: "الهمذانى". وهو عبد الرحمن بن زيد أو يزيد الفايشى، همدانى. انظر اللباب، ومصنف عبد الرزاق، الموضع الآتى.
(7)
في أ، م:"صلى".
(8)
أخرجه عبد الرزاق، في: باب المسافر متى يقصر إذا خرج مسافرا، من كتاب صلاة المسافر. المصنف 2/ 530. وابن أبي شيبة، في: باب في مسيرة كم يقصر الصلاة، من كتاب الصلاة. المصنف 2/ 445.