الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
ولا تَصِحُّ إمَامَةُ الأخْرَسِ بمِثْلِه، ولا غيرِه، لأنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا، وهو القِراءةُ، تَرْكًا مَأْيُوسًا من زَوَالِه، فلم تَصِحَّ إمامَتُه، كالعَاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
فصل: وتَصِحُّ إمَامَةُ الأصَمِّ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بِشَىْءٍ من أفْعالِ الصلاةِ، ولا شُرُوطِها، فأشْبَهَ الأعْمَى؛ فإن كان أصَمَّ أعْمَى صَحَّتْ إمامَتُه لذلك. وقال بعضُ أصْحابِنا: لا تَصِحُّ إمَامَتُه؛ لأنَّه إذا سَهَا لا يُمْكِنُ تَنْبِيهُه بِتَسْبِيحٍ ولا إشارَةٍ، والأَوْلَى صِحَّتُّها؛ فإنَّه لا يَمْنَعُ من صِحَّةِ الصلاةِ احْتِمالُ عَارِضٍ لا يُتَيَقَّنُ وُجُودُه، كالمَجْنُونِ حالَ إفَاقَتِه.
فصل: فأمَّا أقْطَعُ اليَدَيْنِ، فقال أحْمدُ، رحمه الله: لم أسْمَعْ فيه شَيْئًا. وذَكَرَ الآمِدِىُّ فيه رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُما: تَصِحُّ إمَامَتُه. اخْتَارَها القاضي؛ لأنَّه عَجْزٌ لا يُخِلُّ بِرُكْنٍ في الصلاةِ. فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ إمَامَتِه، كأقْطَعِ أحَدِ الرِّجْلَيْنِ والأنْفِ. والثَّانية: لا تَصِحُّ. اخْتَارَها أبو بكرٍ؛ لأنه يُخِلُّ بالسُّجُودِ على بعض أعْضاءِ السُّجُودِ، أشْبَهَ العَاجِزَ عنِ السُّجُودِ على جَبْهَتِه. وحُكْمُ أقْطَعِ اليَدِ الوَاحِدَةِ كالحُكْمِ في قَطْعِهما جَمِيعًا، وأما أقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فلا يَصِحُّ الائْتِمامُ به؛ لأنَّه مَأْيُوسٌ من قِيامِهِ، فلم تَصِحَّ إمامَتُه كالزَّمِنِ. وإن كان مَقْطُوعَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، ويُمْكِنُه القِيامُ، صَحَّتْ إمامَتُه. ويَتَخَرَّجُ على قولِ أبى بكرٍ أنْ لا تَصِحَّ إمَامَتُه؛ لإِخلَالِه بالسُّجُودِ على عُضْوٍ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه يَسْجُدُ على البَاقِى من رِجْلِه أو حَائِلِها.
253 - مسألة؛ قال: (وَإنْ أمَّ أُمِّىٌّ أُمِّيًّا وقَارِئًا أعَادَ القَارِئُ وَحْدَهُ)
الأُمِّىُّ مَن لا يُحْسِنُ الفَاتِحَةَ أو بَعْضَها، أو يُخِلُّ بِحَرْفٍ منها، وإن كان يُحْسِنُ غيرُها، فلا يجوزُ لمن يُحْسِنُها أنْ يَأْتَمَّ به، ويَصِحُّ لِمثْلِه أن يَأْتَمَّ به، ولذلك خَصَّ الْخِرَقيُّ القَارِئَ بالإِعادَةِ فيما إذا أمَّ أُمِّيًّا وقَارِئًا. وقال القاضي: هذه
المَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ على أنَّ القارِىء مع جَمَاعةٍ أُمِّيِّينَ حتى إذا فَسَدَتْ صَلاةُ القَارِىءِ بَقِىَ خَلْفَ الإِمامِ اثْنانِ فصَاعِدًا. فإن كان معه أُمِّىٌّ واحِدٌ، وكانا خَلْفَ الإِمامِ أعادَا جَميعًا؛ لأنَّ الأُمِّىَّ صَارَ فَذًّا. والظَّاهِرُ أنَّ الخِرَقِىَّ إنَّما قَصَدَ بَيانَ مَنْ تَفْسُدُ صَلَاتُه بالائْتِمامِ بالأُمِّىِّ، وهذا يَخُصُّ القَارِيءِ دُونَ الأُمِّىِّ، ويَجُوزُ أن تَصِحَّ صَلَاةُ الأُمِّىِّ؛ لِكَوْنِه عن يَمِينِ الإِمامِ، أو كَوْنِهما جَمِيعًا عن يَمينِه، أو معهم أُمِّىٌّ آخَرُ، وإن فَسَدَتْ صَلَاتُه لِكَوْنه فَذًّا، فما فَسَدَتْ لائْتِمَامِه بمِثْلِه، إنَّما فَسَدَتْ لِمَعْنًى آخَرَ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ في الجديد، وقيل عنه: يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ القَارِيءُ بالأُمِّىِّ في صلاةِ الإِسْرَارِ دون صلاةِ الجَهْرِ. وقيل عنه: يجوزُ أن يَأْتَمَّ به في الحَالَيْنِ؛ لأنَّه عَجَزَ عن رُكْنٍ، فَجازَ للقَادِرِ عليه الائْتِمَامُ به، كالقَاعِدِ بالقَائِمِ. وقال أبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صَلَاةُ الإِمامِ أيضًا؛ لأنَّه لمَّا أَحْرَمَ معه القَارِىءُ لَزِمَتْهُ القِرَاءَةُ عنه، لِكَوْنِ الإِمامِ يتَحَمَّلُ (1) القِرَاءَةَ عن المَأْمُومِ، فعَجَزَ عنها، فَفَسدَتْ صَلاتُه. ولَنا على الأَوَّلِ، أنَّه ائْتَمَّ بعَاجِزٍ عن رُكْنٍ سِوَى القِيامِ يَقْدِرُ عليه المَأْمُومُ، فلم تَصِحَّ، كالمُؤْتَمِّ بالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ولأنَّ الإِمامَ يَتَحَمَّلُ القِرَاءةَ عن المَأْمُومِ، وهذا عاجِزٌ عن التَّحَمُّلِ لِلْقِرَاءةِ الوَاجِبَةِ على المَأْمُومِ، فلم يَصِحَّ له الائْتِمَامُ به، لِئَلَّا يُفْضِى إلى أن يُصَلِّىَ بغير قِرَاءةٍ، وقِيَاسُهم يَبْطُلُ بالأخْرَسِ والعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقِيَامِ (2)، ولا مَدْخَلَ للتَّحَمُّلِ فيه، بخِلافِ القِراءةِ. ولنا على صِحَّةِ صلاةِ الإِمامِ، أنَّه أَمَّ مَن لا يَصِحُّ له الائْتِمامُ به، فلم تَبْطُلْ صلاتُه، كما لو أمَّتِ امْرَأَةٌ رَجُلًا ونِسَاءً. وقَوْلُهم: إنَّه يلْزَمُه (3) القِرَاءةُ عن القَارِيءِ. لا يَصحُّ؛ لأن اللهَ تعالى قال: {لا يُكَلِّفُ اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} (4). ومَنْ لا تَجِبُ عليه القِرَاءَةُ عن نَفْسِه، فعَنْ غَيْرِه أوْلَى. وإن أَمَّ
(1) في أ، م:"يحتمل".
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
في أ، م:"يلزم".
(4)
سورة البقرة 286.