الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فجَعَلَتْ عَيْنَا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَذْرِفَانِ، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ: وأنتَ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: "يا ابْنَ عَوْفٍ إنَّها رَحْمَةٌ". ثم أتْبَعَها بأُخْرَى، فقال:"إنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إلَّا ما يُرْضِى رَبَّنَا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ". مُتَّفَقٌ عليهما (9). وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على رَفْعِ الصَّوْتِ والنَّدْبِ وشِبْهِهِما، بِدَلِيلِ ما رَوَى جابِرٌ، أنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم أخَذَ ابْنَهُ، فوَضَعَهُ في حِجْرِهِ، فبَكَى، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ: أَتَبْكِى؟ أوَ لم تكنْ نَهَيْتَ عن البُكَاءِ؟ قال: "لَا، ولكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ؛ صَوْتٍ عنْدَ مُصِيبَةٍ، وخَمْشِ وُجُوهٍ، وشَقِّ جُيُوبٍ، ورنَّةِ شَيْطَانٍ"(10). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَنْهَ عن مُطْلَقِ البُكاءِ، وإنَّما نَهَى عنه مَوْصُوفًا بهذه الصِّفاتِ. وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: ما على نِسَاءِ بَنِى المُغِيرَة أن يَبْكِينَ على أبي سُليمانَ، ما لم يكنْ نَقْعٌ أو لَقْلَقَةٌ (11). قال أبو عُبَيْدٍ (12): اللَّقْلَقَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، والنَّقْعُ: التُّرَابُ يُوضَع على الرَّأْسِ.
فصل:
وأمَّا النَّدْبُ فهو تَعْدَادُ مَحَاسِنِ المَيِّتِ، وما يَلْقَوْنَ بِفَقْدِهِ بِلَفْظِ النِّداءِ؛
(9) الأول أخرجه البخاري، في: باب البكاء عند المريض، من كتاب الجنائز. صحيح البخاري 2/ 106. ومسلم، في: باب البكاء على الميت، من كتاب الجنائز. صحيح مسلم 2/ 636.
والثانى أخرجه البخاري، في: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إنا بك لمحزونون، من كتاب الجنائز. صحيح البخاري 2/ 105. ومسلم، في: باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال. . .، من كتاب الفضائل. صحيح مسلم 4/ 1808 كما أخرجه أبو داود مختصرًا، في: باب في البكاء على الميت، من كتاب الجنائز. سنن أبي داود 2/ 172. والإِمام أحمد، في: المسند 3/ 194.
(10)
أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت، من أبواب الجنائز. عارضة الأحوذى 4/ 226.
(11)
أخرجه البخاري تعليقا، في: باب ما يكره من النياحة على الميت، من كتاب الجنائز. صحيح البخاري 3/ 102. ووصله عبد الرزاق، في: باب الصبر والبكاء والنياحة، من كتاب الجنائز. المصنف 3/ 558، 559.
(12)
في م: "أبو عبد".
وانظر: غريب الحديث 3/ 275، 276.
[إلَّا أنَّه](13) يكونُ بالوَاوِ مكان اليَاءِ، وَرُبَّما زِيدَتْ فيه الألفُ والهاءُ، مثل قَوْلِهم: وَارَجُلَاهُ وَاجَبَلَاهُ، واانْقِطَاعُ ظَهْرَاهُ. وأشْبَاهُ هذا. والنِّيَاحَةُ، وخَمْشُ الوُجُوهِ، وشَقُّ الجُيُوبِ، وضَرْبُ الخُدُودِ، والدُّعَاءُ بالوَيْلِ والثُّبُورِ، فقال بعضُ أصْحابِنا: هو مَكْرُوهٌ. ونَقَلَ حَرْبٌ عن أحمدَ كلامًا فيه احْتِمَالُ إباحَةِ النَّوْحِ والنَّدْبِ. واخْتارَهُ الخَلَّالُ وصَاحِبُه؛ لأنَّ وَاثِلَةَ بن الأَسْقَعِ، وأبا وَائِلٍ، كانا يسْمعانِ (14) النوْحَ ويَبْكِيانِ (15). وقال أحمدُ: إدا ذَكَرَتِ المَرْأةُ مِثلَ ما حُكِىَ عن فَاطِمَةَ، في مِثْلِ الدُّعاءِ، لا يكونُ مثلَ النَّوْحِ. يَعْنِى لا بَأْسَ به. ورَوَىَ [البُخارىُّ بإسْنادِه](16) عن فاطمةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: يا أَبَتَاهُ، مِن رَبِّه ما أدْناهُ، يا أبَتَاهُ، إلى جِبْرِيلَ أنعَاهُ، يا أَبَتَاهُ، أجابَ رَبًّا دَعاهُ. ورُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ فاطمةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، أخَذَتْ قَبْضَةً مِن تُرَابِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فوَضَعَتْها على عَيْنِها، ثم قالتْ:
ماذا على مُشْتَمِّ تُرْبَةِ أحْمَدٍ
…
أنْ لا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا (17)
صُبَّتْ عَلَىَّ مُصِيبَةٌ لَوْ أنَّها
…
صُبَّتْ على الأيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا (18)
وظاهُر الأخْبارِ تَدُلُّ على تَحْرِيمِ النَّوْحِ، وهذه الأشْياءِ المَذْكُورَة؛ لأنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنها في حَدِيثِ جابِرٍ (19)؛ لِقَوْلِ اللَّه تعالى: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي
(13) في م: "لأنه".
(14)
في أ، م:"يستمعان".
(15)
أخرج أثر أبي وائل ابن أبي شيبة، في: باب من رخص في استماع النوح، من كتاب الجنائز. المصنف 3/ 391.
(16)
سقط من: أ، م.
وأخرجه، في: باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، من كتاب المغازى. صحيح البخاري 6/ 18. كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ذكر وفاته ودفنه، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه 1/ 522. والبيهقي، في: باب سياق أخبار تدل على جواز البكاء بعد الموت، من كتاب الجنائز. السنن الكبرى 4/ 71.
(17)
في حاشية الأصل بقلم مغاير: "على من شم".
(18)
في حاشية الأصل: "صبت على مصائب".
(19)
تقدم في الصفحة السابقة.
مَعْرُوفٍ} (20). قال أحمدُ: هو النَّوْحُ. ولَعَنَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم النَّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ (21). وقالتْ أُمُّ عَطِيَّة: أخَذَ علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عندَ البَيْعَةِ أنْ لا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عليه (22). وعن أبي موسى، أنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم[بَرِئَ من الصَّالِقَةِ، والحالِقَةِ، والشَّاقَّةِ (23). والصَّالِقة: التي ترفعُ صَوْتَها. وعن ابن مسعودٍ، أن النبي صلى الله عليه وسلم](24)، قال:"لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بِدَعْوَى الجَاهِليَّةِ". مُتَّفَقٌ عليه (25). ولأنَّ ذلك يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ (26) والاسْتِغَاثَةَ والسَّخَطَ
(20) سورة الممتحنة 12.
(21)
أخرجه أبو داود، في: باب في النوح، من كتاب الجنائز. سنن أبي داود 2/ 172. والإِمام أحمد، في: المسند 3/ 65.
(22)
في م: "عليهن".
وأخرجه البخاري، في: باب ما ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك، من كتاب الجنائز، وفى: باب تفسير سورة الممتحنة، من كتاب التفسير، وفى: باب بيعة النساء، من كتاب الأحكام. صحيح البخاري 2/ 106، 6/ 187، 9/ 99. ومسلم، في: باب التشديد في النياحة، من كتاب الجنائز. صحيح مسلم 2/ 645، 646. كما أخرجه النسائي، في: باب بيعة النساء، من كتاب البيعة. المجتبى 7/ 134. والإِمام أحمد، في: المسند 5/ 84، 85، 6/ 408.
(23)
أخرجه البخاري، في: باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة، من كتاب الجنائز. صحيح البخاري 2/ 103. ومسلم، في: باب تحريم ضرب الخدود. . . إلخ، من كتاب الإِيمان. صحيح مسلم 1/ 100، 101. كما أخرجه أبو داود، في: باب في النوح، من كتاب الجنائز. سنن أبي داود 2/ 173. والنسائي، في: باب شق الجيوب، من كتاب الجنائز. المجتبى 4/ 18. وابن ماجه، في: باب ما جاء في النهى عن ضرب الخدود وشق الجيوب، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه 1/ 505. والإِمام أحمد، في: المسند 4/ 396، 397، 404، 416.
(24)
سقط من: م.
(25)
في الأصل: "عليها".
وأخرجه البخاري، في: باب ليس منا من شق الجيوب، وباب ليس منا من ضرب الخدود، وباب ما ينهى عن الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة، من كتاب الجنائز، وفى: باب ما ينهى من دعوة الجاهلية، من كتاب المناقب. صحيح البخاري 2/ 103، 104، 4/ 223. ومسلم، في: باب تحريم ضرب الخدود. . .، من كتاب الإِيمان. صحيح مسلم 1/ 99. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في النهى عن ضرب الخدود. . .، من أبواب الجنائز. عارضة الأحوذى 4/ 220. والنسائي، في: باب دعوى الجاهلية، وفى: باب ضرب الخدود، وباب شق الجيوب، من كتاب الجنائز. المجتبى 4/ 17، 18. وابن ماجه، في: باب ما جاء في النهى عن ضرب الخدود. . .، من كتاب الجنائز. سنن ابن ماجه 1/ 505. والإِمام أحمد، في: المسند 1/ 386، 432، 442، 456.
(26)
في م: "الظلم".