الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن يُصَلِّىَ بصلاتِه، ويكون يُصَلِّى لِنَفْسِه، ثم يُكَبِّرُ (31) ويَرْكَعُ لِنَفْسِه، ويَسْجُدُ لِنَفْسِه، ولا يُبَالِى أن يكونَ سُجُودُه مع سُجُودِه، وتَكْبِيرُه مع تَكْبِيرِه. قلتُ: فإن فَعَلَ هذا صَلَّى (32) لِنَفْسِه أيُعِيدُ؟ قال: نعم. قلت: فكَيْفَ يُعِيدُ، وقد جاء أن الصلاةَ هي الأُولَى، وحديثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"اجْعَلُوا صَلَاتَكُم مَعَهُمْ سُبْحَةً"(33). قال: إنما ذاكَ صَلَّى وَحْدَه فنَوَى الفَرْضَ، أمَّا إذا صَلَّى معه وهو يَنْوِى أن لا يَعْتَدَّ بها فليْس هذا مثلَ هذا. فقد نصَّ على الإِعادَةِ، ولكنَّ تَعْلِيلَه فسادَها (34) بِكَوْنِه نَوَى أنْ لا يَعْتَدَّ بها، يَدُلُّ على صِحَّتِها وإجْزَائِها إذا نَوَى الاعْتِدَادَ بها، وهو الصَّحِيحُ لما ذَكَرْنا أوَّلًا، وكذلك لو كان الذينَ [لا يَرْضَوْنَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ جَمَاعَةً، فأمَّهُم أَحَدُهُم ووَافَقُوا](35) الإِمامَ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، كان جَائِزًا، واللَّه أعْلَمُ.
252 - مسألة؛ قال: (وإمَامَةُ العَبْدِ والأَعْمَى جَائِزَةٌ)
هذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ غُلَامًا لها كان يَؤُمُّها (1). وصَلَّى ابنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبو ذَرٍّ وَرَاءَ أبى سَعِيدٍ مَوْلَى أبى أَسِيدٍ، وهو عَبْدٌ (2). ومِمَّنْ أجازَ ذلك: الحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ،
(31) في م زيادة: "لنفسه".
(32)
سقط من: م.
(33)
أخرجه مسلم، في: باب الندب إلى وضع الأيدى على الركب. . .، من كتاب المساجد. صحيح مسلم 1/ 378، 379. وأبو داود، في: باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت، من كتاب الصلاة سنن أبي داود 1/ 102. وابن ماجه، في: باب ما جاء فيما إذا أخروا الصلاة عن وقتها، من كتاب الإقامة. سنن ابن ماجه 1/ 398. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 124، 5/ 232، 6/ 7.
(34)
في م: "إفسادها".
(35)
في الأصل: "لا يرضون الصلاة إلا خلفه جماعة فأمهم ووافقوا".
(1)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب إمامة العبد 2/ 394.
(2)
أخرجه البيهقي، في: باب إمامة القوم لا سلطان فيهم وهم في بيت أحدهم، من كتاب الصلاة. السنن =
والحَكَمُ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحَاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكَرِهَ أبو مِجْلَزٍ إمامةَ العَبْدِ، وقال مالِكٌ: لا يَؤُمُّهُم إلَّا أن يَكُونَ قَارِئًا وهم أُمِّيُّونَ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"يَؤُمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى"(3)، وقال أبو ذَرٍّ: إنَّ خَلِيلى أوْصَانِى أنْ أسْمَعَ وأُطِيعَ، وإن كان عَبْدًا مُجَدَّعَ (4) الأطْرَافِ، وأنْ أُصَلِّىَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، "فإن أدْرَكْتَ القَوْمَ وقد صَلَّوْا، كُنْتَ قَدْ (5) أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ، وإلَّا كانَتْ لَكَ نافِلَةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (6). ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، فَعَلَتْ عائشةُ ذلك، وَرُوِىَ أنَّ أبا سَعِيدٍ مَوْلَى أبى أَسِيدٍ، قال: تَزَوَّجْتُ وأنا عَبْدٌ، فَدَعَوْتُ نَفَرًا من أصْحَابِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأجَابُونى، فكان فيهم أبو ذَرٍّ، وابنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ، فحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وهم في بَيْتِى، فتَقَدَّمَ أبو ذَرٍّ لِيُصَلِّىَ بهم، فقَالُوا له: وَرَاءَكَ؟ فالتَفَتَ إلى ابْنِ مَسعودٍ، فقال: أكذلِكَ يا أبا عبدِ الرحمن؟ قال: نعم. فَقَدَّمُونى، وأنا عَبْدٌ، فصَلَّيْتُ بهم. رَوَاهُ صَالِحٌ في "مَسَائِلِه" بإسْنَادِه (7)، وهذه قضيَّةٌ (8) مثلُها يَنْتَشِرُ، ولم يُنْكَرْ ولا عُرِفَ مُخَالِفٌ لها، فكان ذلك إجْماعًا، ولأنَّ الرِّقَّ حَقٌّ ثَبَتَ عليه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ إمامَتِه كالدَّيْن، ولأنَّه من أهْلِ الأذَانِ لِلرِّجالِ يَأْتِى بالصَّلاةِ على الكَمالِ، فكان له أنْ يَؤُمَّهُم كالحُرِّ. وأمَّا الأعْمَى فلا نَعْلَمُ في صِحَّةِ إمامَتِه خِلَافًا، إلَّا ما حُكِىَ عن أنَسٍ، أنَّه قال: ما حَاجَتُهم إليه. وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: كَيْفَ أؤُمُّهُم وهم يَعْدِلُونَنِى إلى
= الكبرى 3/ 126. وهو في مصنف عبد الرزاق، باب الرجل يؤتى في ربعه. المصنف 3/ 293.
(3)
سبق تخريجه في صفحة 12.
(4)
أي مقطع الأطراف.
(5)
سقط من: ا، م.
(6)
تقدم في 2/ 521.
(7)
انظر ما تقدم في أول المسألة.
(8)
في أ، م:"قصة".
القِبْلَةِ (9). والصَّحِيحُ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه كان يَؤُمُّ وهو أعْمَى، وعِتْبانَ بن مالِكٍ، وقَتَادَةَ، وجَابِرٍ. وقال أنَسٌ: إنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَخْلَفَ ابنَ أمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وهو أعْمَى. رَوَاه أبو دَاوُدَ (10). وعن الشَّعْبِىِّ، أنَّه قال: غَزَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، كلُّ ذلك يُقَدِّمُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُصَلِّى بالنَّاسِ. رَوَاهُ أبو بكرٍ (11). ولأَنَّ العَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لا يُخِلُّ بِشَىْءٍ من أفْعَالِ الصلاةِ ولا بِشُرُوطِها، فأشْبَه فَقْدَ الشَّمِّ. فإذا ثَبَتَ هذا فالحُرُّ أوْلَى من العَبْدِ، لأنَّه أكْمَلُ منه وأشْرَفُ، ويُصَلّى الجُمُعَةَ والعِيدَ إمَامًا بِخِلَافِ العَبْدِ. وقال أبو الخَطَّابِ: والبَصِيرُ أوْلَى من الأعْمَى؛ لأنه يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِعِلْمِه، ويَتَوَقَّى النَّجَاسَاتِ بِبَصَرِهِ. وقال القاضي: هما سَوَاءٌ؛ لأنَّ الأعْمَى أخْشَعُ، لأنَّه لا يَشْتَغِلُ (12) في الصَّلَاةِ بالنَّظَرِ إلى ما يُلْهِيه، فيكون ذلك في مُقابَلَةِ [فَضِيلةِ البصَرِ](13) عليه، فَيَتَسَاوَيانِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأن البَصِيرَ لو غَمَّض (14) عَيْنيْه (15) كان مَكْرُوهًا، ولو كان ذلك فَضِيلَةً لكَان مُسْتَحَبًّا، لأنَّه يُحصِّلُ بِتَغْمِيضِه ما يُحصِّلُه الأعْمَى، ولأنَّ البَصِير إذا غَضَّ بَصَرَه مع إمْكَانِ النَّظَرِ كان له الأجْرُ فيه، لأنَّه يَتْرُكُ المَكْرُوهَ مع إمْكَانه اخْتِيَارًا، والأعْمَى يَتْرُكُه اضْطِرَارًا، فكان أدْنَى حَالًا، وأقَلَّ فَضْلًا (16).
(9) رواه ابن أبي شيبة، في: باب من كره إمامة الأعمى، من كتاب الصلاة. مصنف ابن أبي شيبة 1/ 215.
(10)
في: باب إمامة الأعمى، من كتاب الصلاة. سنن أبي داود 1/ 140.
(11)
رواه ابن أبي شيبة، في: باب في إمامة الأعمى من رخص فيه، من كتاب الصلاة. مصنف ابن أبي شيبة 1/ 213. وليس فيه ثلاث عشرة غزوة.
(12)
في الأصل: "يشغل".
(13)
في م: "فضلة البصير".
(14)
في أ، م:"أغمض".
(15)
في م: "عينه".
(16)
في م: "فضيلة".