الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويتبين مما تقدم أن المرأة إذا آجرت منفعة رحمها؛ وجب عليها إرضاع من تلده؛ لأنها والدتُه.
المطلب الثالث
أثر رضاع المستأجر رحمها في انتشار المحرمية
إذا أفرز ثدي المستأجَر رحمها حليبًا إبان الحمل، كما جرت بذلك عادة كل حامل، كان عليها أن ترضع؛ لأن الرضاعة مناطة شرعًا بالولادة التي تعقب الحمل؛ قال الله تبارك وتعالى:{وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [سورة البقرة: 233]، ولأن في تركه في ثديها ضررًا، فإذا أرضعت منه ترتب على رضاعها من الآثار ما يمكن بيانه من خلال المسائل الآتية بعون الله تعالى.
المسألة الأولى: ضابط الأمومة الشرعي
.
نصبت الشريعة علامات وأمارات يستدل بها على الأمومة؛ كالحمل بأعراضه من الوهن ونحوه، والولادة أو الوضع، والتخلّق في البطن، والقرار في الرحم، والفراش إذا كانت ذات زوج.
وهذا ما دل عليه قول الله تعالى: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [سورة المجادلة: 2]، وقوله:{لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [سورة البقرة: 233]، وقوله:{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ} [سورة النساء: 7]، وقوله:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} [سورة المجادلة: 2]، وقوله:{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [سورة الأحقاف: 15]، وقوله:{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [سورة لقمان: 14]، وقوله: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي
ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [سورة الزمر: 6]، وقوله:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [سورة النحل: 78]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الولد للفراش" متفق عليه
(1)
.
فنفى الله تعالى الأمومة عن التي لم تلد؛ لأن الوالدة الحقيقية هي التي ولدت، وأناط الإرث بالذي ولدته المرأة، وسمى فاعل الحمل أمًّا؛ لأن البويضة الملقحة إنما نمت وتغذت بدم التي حملتها وتحملت آلام الحمل وآلام المخاض؛ فهل يعقل أن ينسب الولد لغيرها؟
هذا من غير المعقول؛ لأن الأمومة ليست معتمدة على العوامل الوراثية وحدها، وإن كانت لتلك العوامل أهمية كبرى في صفات الخلق إلا أن الأمومة أوسع من ذلك وأشمل علميًّا وشرعيًّا.
وألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش؛ أي: لا شبهة مع فراش، ولا حكم لأي وطء أو ما في حكمه؛ يقع من زنا، أو شبهة، أو إكراه، أو شتل، أو تلقيح الصناعي، أو غير ذلك؛ فمهما كان شيء من ذلك فإن الولد للزوج الذي ولد على فراشه؛ لأن في تقرير النبي صلى الله عليه وسلم الآنف قطعًا لمادة النزاع، وحسمًا لمادة الخلاف - في مثل تأجير الرحم المعاصر - ليعود إلى مواقع الإجماع.
وهذا ما يعم المستأجر رحمها وغيرها؛ لأن الحقيقة الواقعية العلمية ليست بالضرورة هي الحقيقة الشرعية؛ فالشرع يحكم بالظاهر، والحقيقة علمها عند الله سبحانه.
وهذا ما دل على أن الأم البديلة التي استؤجر رحمها هي الأم النسبية الحقيقة في شريعة الإسلام، ولم يخالف في هذا أحد من الباحثين المعاصرين إلا نزر يسير شاذ.
(2)
وإذا كانت كذلك؛ فقد أثمر ذلك في أن المستأجر رحمها هي الأم الرضاعية أيضًا لكل من ترضعه، وإذا كان لها زوج؛ فهو أبو من ترضعه الرَّضاعي؛ لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
(3)
.
(1)
ينظر: البخاري: المصدر السابق، (كتاب البيوع - باب تفسير المشبَّهات - 3/ 157، وغيره)، برقم (2062، وغيره)؛ من طرق عن أبي هريرة، وعائشة. مسلم: المصدر السابق، (كتاب النكاح وإجابة الداعي - باب الولد للفراش وللعاهر الحجر - 4/ 88، وغيره)، برقم (1479، وغيره)؛ من طرق عن أبي هريرة، وعائشة.
(2)
ينظر: منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة: مجلة مجمع الفقه الإسلامي (2/ 211 - 213، 182 - 184).
(3)
متفق عليه. ينظر تخريجه عند الضابط الثاني في المبحث الثالث من التمهيد.