الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع
الإذن والرضى في الرضاعة
يترتب على ثبوت التحريم في باب الرضاع جواز النظر والخلوة والمسافرة إلى جانب حرمة التناكح، وذلك ما دعى إلى مشروعية الاستئذان من المرضع وزوجها، وممن ثاب منه اللبن إن لم يعد زوجًا للمرضعة، ومن أبي الطفل المرتضِع أو وليه؛ حيث نص الفقهاء على أنه ليس للمرضع أن ترضع غير ولدها إلا بإذن الزوج
(1)
، هذا من حيث الحكم التكليفي.
واستدلوا عليه بما يأتي:
1 -
ما في الرضاع من تفويت الحق على الزوج
(2)
، والمعنى أن رضاع كل صبي يأخذ من وقت الزوجة المرضعة وجهدها؛ الأمر الذي يعود على استمتاع الرجل بها وانتفاعه منها بالنقص؛ فشرع الاستئذان من زوج المرضعة، ولأن أثره متعدٍّ؛ أشبه النكاح؛ فشرع استئذان أبي الطفل أو وليه، ولأن الأصل في المعاوضات أو التبرعات رضى المعاوض أو المتبرع؛ فشرع
(1)
ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 402). مختصر فتاوي ابن تيمية (ص 452). البهوتي: المصدر السابق، (13/ 110).
(2)
ينظر: البهوتي: المصدر السابق، (13/ 110).
الاستئذان من المرضعة، ولأن أبا الطفل أو وليه هو القيم شرعًا على مصالح الطفل؛ فلا يُفتات عليه في ذلك، وقد يكون في الإرضاع ضرر على الصبي ولو كان بغير عوض.
ويمكن أن يستدل لذلك أيضًا بما يأتي:
2 -
قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك؛ فاضربوهن ضربًا غير مبرح" رواه مسلم
(1)
، فإذا كان لا يحل للزوجة أن تدخل أحدًا يتحدث معها في بيت زوجها - إذا كان يكره ذلك - حتى يأذن
(2)
، وهو أمر وقتي، لا أثر له في الآجل؛ فلأن لا يحل لها أن ترضع أحدًا من غير ولدها بغير إذن زوجها؛ من باب أولى، بل إن الإرضاع متفرع عن مادة الفراش المذكورة في الحديث.
3 -
أصل الاستئذان في الشريعة الإسلامية، في مثل قول الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [سورة النور: 27]؛ أي: حتى تستأذنوا
(3)
، فكما يجب الاستئذان في الدخول الجسدي إلى البيوت مع أبوابها، فكذلك الشأن في الدخول على البيوت بالتحريم الرضاعي المتأثر عن الإرضاع.
وأما الحكم الوضعي؛ فالأصل فيه ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل: ما يحرم من الرضاع؟ فكتب إلى السائل: إنه لا يحرم منها: الضرار، والعفافة، والملجة؛ فالضرار: أن ترضع المرأة الولدين كي تحرم بينهما، والعفافة: الشيء اليسير الذي يبقى في الثدي، والملجة: اختلاس المرأة ولد غيرها فتلقمه ثديها ا. هـ
(4)
، وهذا ما يمكن أن يدل على أن الرضاع يبطل أثره إذا كان غير مأذون فيه؛ فلا ينشر من الحرمة شيئًا.
(1)
تقدم تخريجه في المطلب الأول من المبحث الحادي عشر للفصل الأول.
(2)
وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب؛ لا يرون ذلك عيبًا، ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب، وصارت النساء مقصورات؛ نهى عن محادثتهن، والقعود إليهن، وليس المراد بوطء الفرش هاهنا نفس الزنا؛ لأن ذلك محرم على الوجوه كلها، فلا معنى لاشتراط الكراهية فيه، ولو كان المراد به الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرح الشديد والعقوبة المؤلمة؛ من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرح. ينظر: الخطابي: المصدر السابق، (2/ 133).
(3)
البغوي: معالم التنزيل (ص 901).
(4)
رواه عبد الرزاق في مصنفه، وقد تقدم تخريجه في المطلب السادس من المبحث الثالث للفصل الأول.
إلا إنه يفهم من صنيع طائفة من الفقهاء أنهم لا يعتبرون الإذن أو الرضى من المرضع أو وليها مؤثرًا في تعلق المحرمية به بإطلاق؛ حيث أطلقوا حكم التحريم، ونص طائفة منهم على اعتبار رضاع المكرَهة محرِّمًا إذا ثاب لها لبن من ولد يثبت نسب ولدها منه، وهذه بعض مقولاتهم: قال الطحاوي ت 321 هـ: وإذا تزوج صغيرتين، فأرضعتهما امرأةٌ إحداهما بعد الأخرى؛ صارتا أختين، وبانتا من زوجهما ا. هـ
(1)
، وقال القدوري ت 428 هـ: وإذا حلب اللبن من المرأة بعد موتها، فأوجر به صبي؛ تعلق به التحريما. هـ
(2)
؛ قال بعض الشراح: لحصول معنى الرضاع؛ لأن اللبن بعد الموت على ما كان قبله ا. هـ
(3)
، وقال: "ولبن الفحل يتعلق به التحريم، وهو: أن ترضع المرأة صبية؛ فتحرم هذه الصبية على زوجها، وعلى آبائه، وأبنائه. ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللبن أباً للمرضَعَة ا. هـ
(4)
وقال: قليل الرضاع وكثيره سواء؛ إذا حصل في مدة الرضاع تعلق به التحريم، ومدة الرضاع عند أبي حنيفة ثلاثون شهراً، وقالا: سنتان. فإذا مضت مدة الرضاع؛ لم يتعلق بالرضاع تحريم ا. هـ
(5)
، وقال: وإذا تزوج الرجل صغيرة وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة؛ حرمتا على الزوج ا. هـ
(6)
وقال خليل في مختصره ت 776 هـ: حصول لبن امرأة، وإن ميتة. . .؛ محرِّمٌ؛ إن حصل في الحولين، أو بزيادة الشهرين ا. هـ
(7)
وقال الشافعي ت 204 هـ: لبن الفحل يحرم، كما يحرم ولادة الأب؛ يحرم لبن الأب، لا اختلاف في ذلك ا. هـ
(8)
، وقال النووي ت 676 هـ: إنما تثبت الحرمة بين الرضيع والفحل إذا كان منسوبًا إلى الفحل؛ بأن ينتسب إليه الولد الذي نزل عليه اللبن ا. هـ
(9)
(1)
نقله عنه الجصاص في شرحه لمختصر الطحاوي (5/ 278).
(2)
القدوري: المصدر السابق، (ص 231).
(3)
الميداني: المصدر السابق، (4/ 83).
(4)
القدوري: المصدر السابق، (ص 230).
(5)
القدوري: المصدر السابق، (ص 230).
(6)
القدوري: المصدر السابق، (ص 232).
(7)
ينظر: الحطاب: المصدر السابق، (4/ 575 - 576).
(8)
ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (6/ 65).
(9)
النووي: المصدر السابق، (9/ 16).
وقال الحجاوي ت 968 هـ: وإذا حملت امرأة من رجل يثبت نسب ولدها منه، فثاب لها لبن، فأرضعت به - ولو مكرهةً - طفلًا رضاعًا محرمًا؛ صار ولدًا لهما؛ في تحريم النكاح، وإباحة النظروالخلوة، وثبوت المحرمية ا. هـ
(1)
وقال ابن حزم ت 456 هـ: لبن الفحل يحرم، وهو: أن ترضع امرأةُ رجلٍ ذكرًا، وترضع امرأته الأخرى أنثى؛ فتحرم إحداهما على الأخرى ا. هـ
(2)
غير أنه لا يصح قياس غير الميتة عليها في إثبات التحريم من الرضاع دون مادة الإذن أو الرضى؛ لعدم إمكان استئمار الميْتة أو استئذانها، ولأنه لا أثر لانتشار الحرمة الرضاعية إليها في تحريم النكاح منها باعتبار خروجها من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية تمهيدًا للحياة الآخرة.
فيما قد صرح بعض الفقهاء بأن عدم رضى زوج المرضعة الذي ثاب اللبن بوطئه لا يعد صارفًا لحكم التحريم الرضاعي؛ قال النووي ت 676 هـ فيمن: "طلق زوجته، أو مات عنها، ولها لبن منه، فأرضعت به طفلا قبل أن تنكح؛ فالرضيع ابن المطلق والميت، ولا تنقطع نسبة اللبن بموته وطلاقه؛ سواء ارتضع في العدة أو بعدها، وسواء قصرت المدة أم طالت كعشر سنين وأكثر، وسواء انقطع اللبن ثم عاد، أم لم ينقطع؛ لأنه لم يحدث ما يحال اللبن عليه، فهو على استمراره منسوب إليه"
(3)
، فحيث انتشرت المحرمية من رضاع الميتة، واعتبر به؛ فليعتبر به أيضًا من دون اشتراط رضى زوج المرضعة أو أبي الطفل الأجنبي الرضيع؛ بحيث لا يكون هناك أثر لعدم إذن زوج المرضعة في صرف انتشار المحرمية.
غير أنه يقال في الزوج الميت ما قيل في المرضعة الميتة، وأما إن كان مطلِّقًا، فأرضعت من اللبن الثائب منه؛ ثبت التحريم إليه بأصوله وفروعه وحواشيه ما لم يكن داعي الرضاع الإضرار به؛ فلا يحرم الرضاع شيئًا حينئذ؛ معاملةً لمن أراد ذلك بنقيض قصده
(4)
؛ كما لو كان لزوج امرأتان، فأرادت كبراهما أن ترضع الصغرى؛ لإفساد نكاحها عليه ونكاح المرتضعة منه.
(5)
(1)
الحجاوي: المصدر السابق، (4/ 124).
(2)
ينظر: ابن حزم المصدر السابق، (10/ 3).
(3)
ينظر: النووي: روضة الطالبين (9/ 18).
(4)
ينظر: القرافي: المصدر السابق، (7/ 3162).
(5)
الجصاص: المصدر السابق، (5/ 271). ابن حزم: المصدر السابق، (10/ 8 - 9).