الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: الأحكام المتعلقة بوسائل الإثبات والتقاضي
.
المبحث الأول
أثر وسائل الإثبات على الرضاع في الزمن المعاصر
المطلب الأول
وسائل الإثبات التقليدية
دلت الشريعة الإسلامية على وسائل إثبات الرضاعة، وهي:
الوسيلة الأولى: الشهادة
.
- تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أن شهادة النساء تجوز فيما لا يحل للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمدوا أن يروه لغير شهادة
(1)
، كما اتفقوا على قبول شهادة النساء المنفردات - يعني: عن الرجال - في الجملة
(2)
، واتسع اختلافهم فيما سوى ذلك؛ على ما يأتي:
القول الأول: يثبت بشهادة رجلين عدلين أو مستورين، أو عدل وعدلتين كذلك، ولو كانت إحداهما المرضعة.
(1)
ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (6/ 94).
(2)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (14/ 134). ابن القيم: الطرق الحكمية (1/ 411).
فلا يثبت الرضاع بخبر الواحد؛ امرأة كان أو رجلًا، قبل العقد أو بعده؛ إلا أن يصدقه الزوج.
فلا تستقل النساء بالشهادة عندهم.
وهو مروي عن عمر
(1)
، وبه قال الحنفية
(2)
، وهو المعتمد عندهم
(3)
.
القول الثاني: إن كان قبل العقد، وشهد عدل ثقة؛ فلا يجوز النكاح وإن كان المخبر واحدًا.
وإن بعده، وهما كبيران؛ فالأحوط التنزه.
وبه قال بعض الحنفية
(4)
، وحكاه بعضهم إحدى الروايتين
(5)
.
القول الثالث: يقبل خبر الواحد في الرضاع الطارئ؛ بأن يكون تحت رجل صغيرة، فشهدت واحدة بأن أمه أو أخته أرضعتها بعد العقد، وعليه؛ فلا يتوجه هذا القول إذا كان الزوجان كبيرين.
وبه قال بعض الحنفية.
(6)
القول الرابع: يثبت برجلين، وبرجل وامرأة، وبامرأتين؛ إن فشا قبل العقد من قولهما حتى يكون بشهادة سماع، مع اشتراط العدالة، ولو مع الفشو، ويندب التنزه مطلقًا.
وبه قال المالكية.
(7)
القول الخامس: هو كقول المالكية الرابع؛ إلا أنهم لا يشترطون العدالة مع الفشو. وبه قال بعض المالكية
(8)
.
(1)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (8/ 332). ابن أبي شيبة: المصدر السابق، (9/ 151). البيهقي: المصدر السابق، (16/ 41). ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273). ويأتي تخريجه ضمن مناقشات الأدلة إن شاء الله تعالى.
(2)
ينظر: الجصاص: المصدر السابق، (5/ 274). ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 420). الميداني: المصدر السابق، (4/ 88 - 89).
(3)
لكن حمل بعض الحنفية هذا القول على ما إذا لم تعلم عدالة المخبر؛ توفيقًا بين قولهم هذا والقول الثاني الآتي، وجعله آخرون منهم روايتين. ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 420).
(4)
ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 420).
(5)
ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 420).
(6)
ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 420).
(7)
ينظر: القرافي: الذخيرة (4/ 278). الحطاب: المصدر السابق، (4/ 577).
(8)
ينظر: الحطاب: المصدر السابق، (4/ 577).
القول السادس: يثبت الرضاع بشهادة أربع نسوة في غير الشهادة على إقرار الرجل أو المرأة بالرضاع، وبشهادة رجلين، وبشهادة رجل وامرأتين.
وهو مذهب عطاء
(1)
، والشافعي
(2)
.
القول السابع: يثبت الرضاع بشهادة رجلين، وبرجل وامرأتين، وبأربع نسوة، ولا يثبت بدون أربع نسوة.
فإذا لم يتم نصاب الشهادة؛ بأن شهدت المرضعة وحدها، أو امرأة أجنبية، أو امرأتان، أو ثلاث؛ فالورع أن يترك نكاحها، وأن يطلقها إن كان ذلك بعد النكاح؛ ورعًا لا حكمًا.
وهو قول قتادة
(3)
، والشعبي
(4)
والنخعي - في رواية عنهما - وابن شبرمة
(5)
، والجارود
(6)
، ومذهب الشافعية
(7)
.
القول الثامن: يثبت بشهادة امرأة واحدة مرضية، بلا يمين.
وبهذا قال طاوس
(8)
، والزهري
(9)
، والحسن
(10)
،
(1)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 483)؛ بسنده إلى عطاء، قال: تجوز شهادة النساء على كل شيء لا ينظر إليه إلا هن، ولا تجوز منهن دون أربع نسوة ا. هـ البيهقي: المصدر السابق، (16/ 42). ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 411).
(2)
ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (6/ 99).
(3)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 483)؛ بسنده إلى قتادة، قال: لا تجوز شهادتهنَّ إلا أن يكنَّ أربعًا ا. هـ ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340)؛ غير أنه - أي: قتادة - لم ينص إلا على النسوة الأربع. ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 411).
(4)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 484 - 485). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 411).
(5)
ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 411).
(6)
ينظر: الترمذي: المصدر السابق، (2/ 446)؛ غير أنه لم ينص إلا على أنه لا تجوز شهادة الواحدة في الحكم، ويفارقها في الورع، ولم يذكر القدر المجزئ، ولذلك؛ لم يمكن إفراده بقول لعدم اكتماله.
(7)
ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (6/ 94، 96). النووي: المصدر السابق، (9/ 36، 37).
(8)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 483)؛ بسنده إلى طاوس، قال: تجوز شهادة المرأة الواحدة في الرضاع وإن كانت سوداء ا. هـ ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273).
(9)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 483، 8/ 334)؛ بسنده إلى الزهري، قال: تجوز شهادة الواحدة المرضية في الرضاع والنفاس ا. هـ ابن أبي شيبة: المصدر السابق، (9/ 151)، ولفظ الزهري عنده: شهادة المرأة العاقلة تجوز في الرضاعة ا. هـ ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273). ونسب إليه ابن القيم القول بامرأتين. ينظر: ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 411).
(10)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 483، 484، 485، 8/ 334، 338)؛ بسنده إلى الحسن، قال: تجوز شهادة الواحدة المرضية في الرضاع والنفاس ا. هـ، وقال: تجوز شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال ا. هـ، وقال: واحدة ا. هـ، وقال: لا تجوز في الرضاع شهادة امرأة واحدة ا. هـ، ويحتمل أن لا في اللفظ الأخير تصحيف.
والشعبي
(1)
، ومالك
(2)
، والأوزاعي
(3)
، وحماد
(4)
، وابن أبي ذئب
(5)
، وسعيد بن عبد العزيز
(6)
، والظاهرية
(7)
، وهو الرواية الأشهر عند الحنابلة عن أبي عبد الله أحمد والأظهر
(8)
، وزاد بعض الحنابلة: أو رجل واحد، والمتبرعة وغيرها سواء، وغير المرضية لا يقبل، أو كانت الشهادة على فعل الغير اكتفي فيها بشهادة واحد رجلًا أو امرأة بلا يمين أيضًا.
(9)
ونص ابن قدامة على استثناء الشهادة على الإقرار بالرضاع من هذا القول دون الشهادة على الرضاع، فقال بأنه لا تقبل فيها شهادة النساء منفردات، وهي ما يدعي فيها أحد الزوجين على الآخر؛ أنه أقر أنه أخو صاحبه من الرضاع، فأنكر؛ فلا تقبل حينئذ شهادة النساء المنفردات
(10)
.
القول التاسع: لا يقبل إلا شهادة امرأتين.
(1)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 484)؛ بسنده إلى الشعبي، قال: تجوز شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه الرجال ا. هـ
(2)
ينظر: ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 410).
(3)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273).
(4)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 485)، ولم يصرح بكونها مرضية.
(5)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273).
(6)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273).
(7)
ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (9/ 512). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 411).
(8)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 272). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 201 - 202، 205 - 206، 429، 431). المرداوي: المصدر السابق، (24/ 273). البهوتي: المصدر السابق، (13/ 103).
(9)
ينظر: البهوتي: المصدر السابق، (13/ 103، 104).
(10)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 345). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 284). البهوتي: المصدر السابق، (13/ 109).
وهو ظاهر ما روي عن علي وابن عباس
(1)
، وقول الحكم بن عتيبة
(2)
، وابن أبي ليلى
(3)
، ونسب إلى مالك وأبي عبيد
(4)
، وهو الرواية الثانية عن أحمد
(5)
.
القول العاشر: يثبت بشهادة امرأة واحدة مرضية؛ إن استحلفت.
وهو قول ابن عباس
(6)
، وإسحاق
(7)
، ورواية ثالثة عن أحمد
(8)
.
(1)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (8/ 336)، برقم (15439)؛ من طريق معمر، عن قتادة، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس؛ قال: شهادة المرأة الواحدة جائزة في الرضاع إذا كانت مرضية، وتستحلف بشهادتها ا. هـ، ثم أردف: وكان يصل بهذا الحديث، فلا أدري؛ أهو من حديث قتادة، أم لا: وجاء ابنَ عباس رجلٌ فقال: زعمت فلانة أنها أرضعتني وامرأتي وهي كاذبة، فقال ابن عباس: انظروا، فإن كانت كاذبة؛ فسيصيبها بلاء ا. هـ، فلم يحل الحول حتى برصت ثدياها. ابن أبي شيبة: المصدر السابق، (9/ 150)، برقم (16687)؛ من طريق حفص، عن حلام - وجاء في بعض النسخ: خلاس - بن صالح، عن بكر - وفي بعض النسخ: بكير - بن فائدٍ - وفي بعض النسخ: قائد -؛ أن امرأة جاءت إلى رجل تزوج امرأة، فزعمت أنها قد أرضعتهما، فأتى عليًّا فسأله، فقال: هي امرأتك؛ ليس أحد يحرمها عليك، وإن تنزهت فهو أفضل ا. هـ، وسأل ابن عباس فقال مثل ذلك ا. هـ
(2)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 484، 485). ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 412).
(3)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 484، 8/ 332). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 412).
(4)
ينظر: ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 412).
(5)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 431). المرداوي: المصدر السابق، (24/ 273).
(6)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 482 - 483)، برقم (13971)؛ من طريق معمر، عن قتادة، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس؛ قال: شهادة المرأة الواحدة جائزة في الرضاع؛ إذا كانت مرضية، وتستحلف مع شهادتها ا. هـ، قال: وجاء ابنَ عباس رجلٌ، فقال: زعمت فلانة أنها أرضعتني وامرأتي - وهي كاذبة -، فقال ابن عباس: انظروا، فإن كانت كاذبة؛ فسيصيبها بلاء ا. هـ، قال: فلم يحل الحول حتى برص ثديها. ابن أبي شيبة: المصدر السابق، (9/ 150)، برقم (16685)؛ من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس؛ قال: إذا كانت المرأة مرضية؛ جازت شهادتها في الرضاعة، ويؤخذ بيمينها ا. هـ الترمذي: المصدر السابق، (2/ 446)؛ معلقًا. ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 272). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 379، 506).
(7)
ينظر: الترمذي: المصدر السابق، (2/ 446). ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 272).
(8)
ينظر: الترمذي: المصدر السابق، (2/ 446). ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 379، 506). المرداوي: المصدر السابق، (24/ 272 - 273).
القول الحادي عشر: تجوز شهادة المرأة الواحدة؛ إذا كانت مرضية، وسمع منها ذلك قبل النكاح.
وبه قال أبو الزناد، ويحيى بن ربيعة
(1)
، ومفهوم قول أبي عبيد
(2)
.
القول الثاني عشر: لا يقبل إلا ثلاث نسوة؛ لا أقل من ذلك.
وبه قال عثمان البتي.
(3)
ليلى الزهري الحكم
- الأدلة: استدل بعض أصحاب الأقوال بأدلة، هي:
أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
1 -
قول الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [سورة البقرة: 282].
(4)
2 -
إن شهادة النساء ضرورية فيما لا اطلاع للرجال عليه، والرضاع ليس كذلك، بل هو معنى يشهده الرجال.
(5)
3 -
قياسًا على سائر الحقوق التي لا تسقط بالشبهة.
(6)
4 -
ما فيه من إبطال الملك، وهو لا يثبت إلا بحجة؛ فإذا قامت الحجة فرق بينهما.
(7)
5 -
قياساً على ما يثبت به المال؛ رجلان، أو رجل وامرأتان.
(8)
أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
(1)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 485).
(2)
ينظر: ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 415).
(3)
ينظر: ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 411).
(4)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340).
(5)
ينظر: الجصاص: المصدر السابق، (5/ 274). الميداني: المصدر السابق، (4/ 88).
(6)
ينظر: الجصاص: المصدر السابق، (5/ 274).
(7)
ينظر: الميداني: المصدر السابق، (4/ 88).
(8)
ينظر: الميداني: المصدر السابق، (4/ 88).
1 -
إن الشك في الأول - أي: قبل العقد - وقع في الجواز، وفي الثاني في البطلان، والدفع أسهل من الرفع.
(1)
أدلة القول الرابع: استدل أصحاب القول الرابع على عدم ثبوت الرضاع بشهادة النساء منفردات بما يأتي:
1 -
إنها من أحكام الأبدان التي لا تقبل فيها شهادة النساء.
(2)
أدلة القول السادس: استدل أصحاب القول السادس بما يأتي:
أولًا: الاستدلال على اعتبار شهادة النسوة في إثبات الرضاع:
1 -
قول الشافعي ت 204 هـ: لم أعلم أحدًا ممن ينسبه العامة إلى العلم مخالفًا في أن شهادة النساء تجوز فيما لا يحل للرجال غير ذوي المحارم أن يتعمدوا أن يروه لغير شهادة ا. هـ
(3)
، ولا يحل للرجال الأجانب أن يطلعوا على ثدي المرأة حال الرضاع.
(4)
2 -
كالولادة، فإن الرضاعة مثلها؛ لا يحل لغير محرم، أو زوج؛ أن يعمد أن ينظر إلى ثديها، ولا يمكنه أن يشهد على رضاعها بغير رؤية ثديها؛ لأنه لو رأى صبيًّا يرضع وثديها مغطى؛ أمكن أن يكون يرضع من وطب
(5)
عمل كخلقة الثدي، وله طرف كطرف الثدي، ثم أدخل في كمها؛ فتجوز شهادة النساء في الرضاع كما تجوز شهادتهن في الولادة.
(6)
ثانيًا: الاستدلال على اشتراط العدد أربعًا في شهادة النسوة على الرضاع:
1 -
إن الله تعالى أجاز شهادتهن في الدين، وجعل امرأتين تقومان مقام رجل بعينه، قال الشافعي ت 204 هـ: وقول أكثر من لقيت من أهل الفتيا: إن شهادة الرجلين تامة في كل شيء؛ ما عدا الزنا. فامرأتان أبدًا تقومان مقام رجل إذا جازتا.
(7)
ونوقش بما يأتي: أ- إنه معنى يقبل فيه قول النساء منفردات، فيقبل فيه شهادة امرأة منفردة؛ كالخبر.
(8)
2 -
ما روي عن عطاء أنه قال: لا يجوز من النساء أقل من أربع.
(9)
ثالثًا: الاستدلال على عدم إجازة شهادة النساء على من أقر بالرضاع:
1 -
إن هذا مما يشهد عليه الرجال، وإنما تجوز شهادة النساء منفردات عن الرجال فيما لا ينبغي للرجال أن يعمدوا النظر إليه لغير الشهادة.
(10)
أدلة القول السابع: استدل أصحاب القول السابع بما يأتي:
1 -
إن كل امرأتين كرجل.
(11)
أدلة القول الثامن: استدل أصحاب القول الثامن بما يأتي:
1 -
ما روى عقبة بن الحارث؛ قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال:"وكيف، وقد زعمت ذلك" متفق عليه
(12)
، وفي لفظ رواه النسائي، قال: فأتيته من قبل وجهه، فقلت: إنها كاذبة. قال: "كيف، وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، خل سبيلها"، وهذا يدل
(1)
ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 420).
(2)
ينظر: القرافي: الذخيرة (4/ 278).
(3)
الشافعي: المصدر السابق، (6/ 94).
(4)
ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (6/ 94).
(5)
الوطب: سقاء اللبن من جلد الجذع فما فوقها. ينظر: ابن فارس: المصدر السابق، (ص 959).
(6)
ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (6/ 94). النووي: المصدر السابق، (9/ 36). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 211 - 212).
(7)
الشافعي: المصدر السابق، (6/ 94).
(8)
ينظر: شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 274).
(9)
ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (6/ 95). عبدالرزاق: المصدر السابق، (7/ 483)، ولفظه: تجوز شهادة كل شيء لا ينظر إليه إلا هن، ولا يجوز منهن دون أربع نسوة ا. هـ البيهقي: المصدر السابق، (16/ 42).
(10)
ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (6/ 99).
(11)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340).
(12)
تقدم تخريجه عند الضابط العاشر من ضوابط المبحث الثالث في التمهيد.
على الاكتفاء بالمرأة الواحدة
(1)
، وفي رواية للبخاري:"دعها عنك"
(2)
، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم تحريمٌ
(3)
مبني على شهادة امرأة وهي أمة
(4)
.
ونوقش بما يأتي: أ- إعراضه عليه السلام يشبه أن يكون لم ير هذا شهادةً تلزمه، وغاية ما في قوله صلى الله عليه وسلم:"وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما"؟ ما يشبه أن يكون كره له أن يقيم معها وقد قيل - يعني: فيما بين الناس - إنها أخته من الرضاعة، وهذا معنى ما قلنا من أن يتركها ورعًا لا حكمًا.
(5)
ب - لقد روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، ولم يذكروا فيه: عن عبيد بن أبي مريم، ولم يذكروا:"دعها عنك".
(6)
2 -
ما روى محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أمه عن ابن عمر، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما يجوز في الرضاع من الشهود؟ فقال: "رجل أو امرأة" رواه أحمد، وقال البيهقي: إسناده ضعيف، وقد اختلف في متنه.
(7)
(1)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340 - 341). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273 - 274). البهوتي: المصدر السابق، (13/ 103). ولم أجد هذا اللفظ مسندًا في كتب النسائي، ولا في غيرها.
(2)
تقدم تخريجه عند الضابط العاشر من ضوابط المبحث الثالث في التمهيد. البهوتي: المصدر السابق، (13/ 103).
(3)
ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (9/ 522).
(4)
ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 207).
(5)
ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (6/ 96).
(6)
ينظر: الترمذي: المصدر السابق، (2/ 445).
(7)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (كتاب الشهادات - باب شهادة المرأة في الرضاع والنفاس - 7/ 484، 8/ 335)، برقم (13982، 15437)؛ من طريق شيخ من أهل نجران - لم يرو عبد الرزاق في مصنفه عن راو أطلق عليه: شيخًا من أهل نجران في غير هذين الموضعين، وقد سماه ابن أبي شيبة وأبو الفضل الزهري والطبراني كما سيأتي -، عن ابن البيلماني - هو محمد الكوفي النحوي مولى عمر بن الخطاب؛ ضعيفٌ واهٍ متهم، منكر الحديث ويروي عن أبيه المعضلات -، عن أبيه - هو عبد الرحمن ابن البيلماني المدني مولى عمر بن الخطاب؛ ضعيف منكر الحديث عن ابن عمر، لا يعتبر بشيء من حديثه إذا كان من رواية ابنه محمد؛ لأنه يضع على أبيه العجائب، توفي في ولاية الوليد بن عبد الملك -، عن ابن عمر؛ قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي يجوز في الرضاع من الشهود؟ فقال: "رجل أو امرأة"، ومن الطريق نفسه رواه في الموضع الآخر:"رجل وامرأة". ومن طريقه: أحمد: المصدر السابق، (4/ 448)، برقم (4910)؛ من طريق عبد الرزاق؛ به. ابن أبي شيبة: المصدر السابق، (كتاب النكاح - باب في الرجل يتزوج المرأة فتجيء المرأة فتقول: قد أرضعتهما - 9/ 149، كتاب الرد على أبي حنيفة - باب شهود الرضاعة - 20/ 86)، برقم (16683، 37292)؛ من طريق معتمر، عن محمد بن عُثَيم، عن محمد بن عبد الرحمن السلماني - وفي الموضع الآخر نسبه إلى البيلماني بعدما قال: عن محمد بن عبد الرحمن -، عن أبيه، عن ابن عمر؛ به مرفوعًا. ومن طريقه: أحمد: المصدر السابق، (4/ 449)، برقم (4911، 4912، 5876)؛ من طريق ابن أبي شيبة؛ به، ثم رواه ابنه عبد الله بن أحمد عن ابن أبي شيبة أيضًا؛ به، بلفظ:"رجل وامرأة"، ومن طريق عبد الله بن محمد، عن معتمر؛ به مرفوعًا، بلفظ المتن. أبو الفضل الزهري: حديث الزهري (ص 534)، برقم (569)؛ من طريق محمد، عن يعقوب، عن المعتمر، عن محمد بن عثيم؛ بسنده عند ابن أبي شيبة، ولفظِه. الطبراني: المعجم الكبير بتحقيق الحميد (13/ 336)، برقم (14145)؛ من طريق معاذ بن المثنى، عن مسدد، عن معتمر بن سليمان؛ بسنده عند ابن أبي شيبة، ولفظه:"رجل وامرأته". ابن عدي: المصدر السابق، (7/ 169)؛ من طريق علي بن خلف بن علي البغدادي بمصر، عن محمد بن عمرو بن أبي مذعور، عن معتمر؛ بسنده عند أبي شيبة، ولفظه:"رجل وامرأة". البيهقي: المصدر السابق، (كتاب الرضاع - باب شهادة النساء في الرضاع- 16/ 42 - 43)، برقم (15774)؛ من طريق أبي الحسين بن الفضل القطان، عن أبي سهل بن زياد القطان، عن إسحاق بن الحسن الحربي، عن عفان، عن معتمر بن سليمان؛ بسنده عند ابن أبي شيبة؛ إلا أنه ذكر أبا عبيد مكان ابن عمر في بعض نسخ المخطوط، والظاهر أنه تصحيف، ومن طريق أبي الحسن علي بن محمد المقرئ، عن الحسن بن محمد بن إسحاق، عن يوسف بن يعقوب، عن عبد الله بن عبد الوهاب، عن المعتمر بن سليمان؛ به مرفوعًا، ولفظه:"رجل أو امرأة"، ثم أردف: فهذا إسناد ضعيف لا تقوم بمثله الحجة؛ محمد بن عثيم يرمى بالكذب، وابن البيلماني ضعيف، وقد اختلف عليه في متنه؛ فقيل: هكذا، وقيل: رجل وامرأة، وقيل: رجل وامرأتان ، والله أعلم ا. هـ
وقد أعل الحديث بأبي ذر محمد بن عثيم الحضرمي؛ إن كان هو الشيخ النجراني؛ لأنه متروك متهم، ويحتمل أن يكون الشيخ من أهل نجران عبيد الله بن العباس بن الربيع الحارثي النجراني - وضُبِطَ: البحراني -؛ فالله أعلم.
كما أعل بمولى عمر محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني المدني، وبأبيه؛ ضعيفين، ويزداد ضعف رواية الابن إذا كانت عن أبيه؛ حيث اتهم بوضع العجائب في روايته عنه؛ قال ابن عدي: وكل ما روي عن ابن البيلماني فالبلاء فيه من ابن البيلماني، وإذا روى عن ابن البيلماني محمد بن الحارث؛ فجميعًا ضعيفان؛ محمد بن الحارث، وابن البيلماني، والضعف على حديثهما بيِّن ا. هـ
والعلة الأخيرة أنه مضطرب في متنه اضطرابًا مخلًّا بالمعنى.
ولما تقدم؛ فهذا الحديث المرفوع منكر لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن مداره على متهم بالكذب أو مجهول، ومتهم بالوضع، وضعيف، ويشبه أن يكون موضوعًا؛ قال ابن عبد الهادي: لم يخرِّج هذا الحديث أحدٌ من أصحاب الكتب الستَّة، وهو حديثٌ ضعيفٌ ا. هـ، وقال ابن القيم عن هذا الحديث: لا يعرف إسناده ا. هـ
ينظر: البخاري: التاريخ الكبير (1/ 204). ابن عدي: المصدر السابق، (7/ 166، 169). البيهقي: المصدر السابق، (16/ 43). ابن عبد الهادي: تنقيح التحقيق (5/ 79). الهيثمي: المصدر السابق، (4/ 201). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 341).
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن بعض النسخ جاء المتن فيها: "رجل وامرأة"
(1)
، وهذا ما يدل على عدم إجزاء شهادة المرأة الواحدة في الرضاع.
2 -
قول الزهري: فُرق بين أهل أبيات في زمن عثمان رضي الله عنه بشهادة امرأة في الرضاع.
(2)
4 -
قول الأوزاعي: فرق عثمان رضي الله عنه بين أربعة وبين نسائهم؛ بشهادة امرأة في الرضاع.
(3)
5 -
إن هذا ما كان عليه العمل في القرون المفضلة؛ قال الشعبي: كانت القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة؛ بشهادة امرأة واحدة في الرضاع.
(4)
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن المقصود جنس المرأة لا عددٌ معين منهن.
6 -
إن هذا شهادة على عورة، فيقبل فيه شهادة النساء المنفردات؛ كالولادة، والأخبار.
(5)
ويمكن أن يناقش بما يأتي: أ- إن عمر رضي الله عنه رد شهادة امرأة في رضاع.
(6)
(1)
ينظر مثلًا: عبد الرزاق: المصدر السابق، (8/ 335). أحمد: المصدر السابق، (4/ 449)، برقم (4912)، وقد تقدم تخريجه قريبًا.
(2)
ينظر: عبدالرزاق: المصدر السابق، (7/ 482، 8/ 334)؛ من طريق ابن جريج ومعمر، عن الزهري؛ أن عثمان فرق بين أهل أبيات بشهادة امرأة ا. هـ ابن أبي شيبة: المصدر السابق، (9/ 151)، برقم (16688)؛ من طريق معن بن عيسى، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريق؛ قال: نبئت أن امرأة في زمان عثمان جاءت إلى أهل بيت، فقالت: قد أرضعتكم؛ ففرق بينهما ا. هـ ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 341). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 274). البهوتي: المصدر السابق، (13/ 103).
(3)
ينظر: عبد الرزاق: المصدرالسابق، (7/ 482)، برقم (13970)؛ من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب؛ قال: جاءت امرأة سوداء في إمارة عثمان إلى أهل ثلاثة أبيات قد تناكحوا، فقالت: أنتم بني، وبناتي ففرق بينهم ا. هـ ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 341).
(4)
ينظر: عبدالرزاق: المصدر السابق، (7/ 484، 8/ 336)، برقم (13977، 15438)؛ من طريق الثوري، عن جابر، عن الشعبي؛ به، ولم يذكر الرجل والمرأة. ابن أبي شيبة: المصدر السابق، (9/ 151)، برقم (16689)؛ من طريق وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر؛ به. ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 341). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 274).
(5)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 341). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 274). البهوتي: المصدر السابق، (13/ 103).
(6)
ينظر: عبد الرزاق: المصدر السابق، (7/ 484، 8/ 332)، برقم (13981، 15418)؛ من طريق الثوري، عن زيد بن أسلم؛ أن عمر لم يأخذ بشهادة امرأة في رضاع ا. هـ ابن أبي شيبة: المصدر السابق، (9/ 150 - 151)، برقم (16686)؛ من طريق حفص، عن ابن أبي ليلى، عن عكرمة بن خالد؛ به. البيهقي: المصدر السابق، (16/ 41 - 42)، برقم (15771، 15772)؛ من طريق أبي بكر الأردستاني، عن أبي نصر العراقي، عن سفيان الجوهري، عن علي بن الحسن، عن عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن زيد بن أسلم؛ أن رجلًا وامرأته أتيا عمر بن الخطاب، وجاءت امرأة، فقالت: إني أرضعتكما. فأبى عمر، فقال: دونك امرأتك ا. هـ، ثم أردف: هذا مرسل، وروي من وجه آخر ا. هـ، ومن طريق أبي حازم الحافظ، عن أبي الفضل بن خميرويه، عن أحمد بن نجدة، عن سعيد بن منصور، عن هشيم، عن ابن أبي ليلى، والحجاج؛ عن عكرمة بن خالد المخزومي؛ أن عمر بن الخطاب أتي في امرأة شهدت على رجل وامرأته أنها أرضعتهما، فقال: لا، حتى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان ا. هـ
ويجاب: بأن ذلك يحتمل أن لا تكون هذه المرأة مرضية عنده، أو أن تقصد الضرار، وقد روي عنه القول بعدم قبول شهادة الضرار في الرضاع
(1)
، ومع الاحتمال يضعف الاستدلال.
7 -
إنه معنى يقبل فيه قول النساء منفردات، فيقبل فيه شهادة المرأة.
(2)
ثانيًا: الاستدلال على عدم قبول شهادة النساء منفردات في الشهادة على الإقرار بالرضاع لا على الرضاع نفسه:
1 -
إنها شهادة على الإقرار، والإقرار مما يطلع عليه الرجال غالبًا؛ فلم يحتج فيه إلى شهادة النساء المنفردات، فلم يقبل ذلك إذ كان لا بد فيه من رجلين؛ كالنكاح، والقذف؛ بخلاف الرضاع نفسه.
(3)
أدلة القول التاسع: استدل أصحاب القول التاسع بما يأتي:
1 -
إن الرجال أكمل من النساء، ولا يقبل إلا شهادة رجلين؛ فالنساء أولى.
(4)
أدلة القول العاشر: استدل أصحاب القول العاشر بما يأتي:
1 -
ما روي ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في امرأة زعمت أنها أرضعت رجلًا وأهله، فقال: إن كانت مرضية، استحلفت، وفارق امرأته. وقال: إن كانت كاذبة، لم يحل
(1)
تقدم تخريجه في المطلب السادس من مطالب المبحث الثالث في الفصل الأول.
(2)
ينظر: البهوتي: المصدر السابق، (13/ 103 - 104).
(3)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 345 - 346). البهوتي: المصدر السابق، (13/ 109).
(4)
ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 345). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 284).
الحول حتى يبيض ثدياها. يعني: يصيبها فيها برص، عقوبة على كذبها. وهذا لا يقتضيه قياس، ولا يهتدي إليه رأي، فالظاهر أنه لا يقوله إلا توقيفًا.
(1)
2 -
هذا الموضع قبل فيه شهادة المرأة وحدها للضرورة؛ فتستحلف.
(2)
3 -
إذا كان للحاكم أن يفرق الشهود إذا ارتاب بهم؛ فأولى أن يحلفهم إذا ارتاب بهم.
(3)
ونوقش بما يأتي: أ- ثمة فرق بين هذا الباب وباب الشاهد واليمين - حيث اعتبرت اليمين هناك -، وهو أن المغلب في هذا الباب هو الإخبار عن الأمور الغائبة التي لا يطلع عليها الرجال؛ فاكتفى بشهادة النساء، وفي باب الشاهد واليمين: الشهادة على أمور ظاهرة، يطلع عليها الرجال في الغالب؛ فإذا انفرد بها الشاهد الواحد احتيج إلى تقويته باليمين.
(4)
- الترجيح: يتوجه رجحان القول بعدم قبول شهادة المرأة الواحد في إثبات الرضاع ولو كانت هي المرضع، مع ندب من شهدت عليه امرأة واحدة بالقرابة الرضاعية بينه وبين امرأته إلى مفارقة زوجته ورعًا؛ لحث النبي صلى الله عليه وسلم عقبةَ على ترك المشتبه الذي يتطرق إليه كلام الناس، وهو الذي عليه فهم طائفة من فقهاء الصحابة؛ كالمروي عن عمر رضي الله عنه، وتبعه من أعلام الفقهاء الشافعي وغيره.
ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "دعها عنك" تشعر بالندب والحث ولا تقتضي في فهم العربي الإلزام والإيجاب؛ بخلاف لو قال: خل سبيلها، أو فارقها، ونحو ذلك مما يحتف به مادة الجزم، هذا إذا كان الضمير يعود على امرأته كما يفهم من تبويب البخاري، ويحتمل أن يكون الأمور بالموادعة منصرفًا نحو الشاهدة؛ لأنها أقرب ضمير، كما أن أكثر الطرق في الصحيح لم يأت فيها الأمر بوداعتها، بل اقتُصِر فيها على "كيف وقد قيل"؟ ، أو "وقد زعمت"؟
(5)
، والمعنى: ما حالك إذا تناقل الناس هذا القيل مما يدَّعى بينكما من الرضاع؛
(1)
تقدم تخريج الأثر عند سياق أصحاب القول. ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 340). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (24/ 273).
(2)
ينظر: ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 379 - 380).
(3)
ينظر: ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 380).
(4)
ينظر: ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 432).
(5)
روى هذا الحديث البخاري بألفاظ وطرق متعددة تقدمت عند إيراد الضابط العاشر من ضوابط المبحث الثالث في التمهيد.
فالأسلم لك موادعتها، وخصوصًا أن السائل جاء مسترشدًا مستفهمًا بعدما أرسل إلى أهل امرأته، فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبنا، ولذلك كان من مواضع إيراد هذا الحديث من صحيح البخاري في باب تفسير المشبَّهات
(1)
، وباب إذا شهد شاهد أو شهود بشيء، فقال آخرون: ما علمنا بذلك؛ يحكم بقول من شهد
(2)
.
فإن قيل: إن البخاري روى في إحدى طرقه لحديث عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عقبة عن زوجته التي شُهِد عليه أنه ارتضع معها.
أجيب: بأن ذلك جاء جوابًا على سؤال، وهذا ما يضعف الدلالة الحتمية إذا كانت صريحة، علاوةً على كون هذه العبارة تعبر عن فهم أحد الرواة، وليست مرفوعًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على أنها من فهم راوٍ دون الصحابي أنها لم ترد في الطرق الأخرى المروية في صحيح البخاري، وهذا ما يفسر إيراد البخاري لهذا الحديث في باب تفسير المشبَّهات
(3)
.
وبأن المعنى: فزجره عنها، كما زجر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يأكل بشماله، وجماهير العلماء على كراهة الأكل بالشمال من دون تحريم.
(4)
فإن قيل: إن الأصل في المطاعم وآدابها الإباحة، وفي المناكحات التحريم، فيحتاط لها في التفريق بين الزوجين بشهادة امرأة أن بينهما قرابة رضاعية.
أجيب: بأن الاحتياط في جانب الأخت الرضاعية بعدم استدامة نكاحها يقابله الاحتياط في الخلوة بالأم الرضاعية وأصولها وأصول زوجها الذي ثاب اللبن منه وفروعهما وحواشيهما وفروع الرضيع والنظر إليهم، كما يقابله تحريم ما الأصل في الشروع فيه الإباحة إلا ما دل الدليل على المنع منه، وهو النكاح، ولا دليل.
وأما ما روي من أقضية الصحابة والتابعين في الأخذ بشهادة المرأة الواحدة والتفريق بين الزوجين بناء عليها؛ فلا يعول عليها؛ لما يأتي:
أولًا: إنها مخالفة لعامة أقضية الخلفاء الراشدين من الصحابة؛ قال ابن حجر العسقلاني ت 852 هـ: أخرج أبو عبيد من طريق عمر، والمغيرة بن شعبة، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس؛ أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك، فقال عمر: فرق بينهما إن جاءت بينة وإلا فخل بين الرجل وامرأته إلا أن يتنزها، ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين الزوجين إلا فعلت ا. هـ
(5)
ثانيًا: إنها مخالفة لأقضية أخرى مماثلة في عصرهم، وتقابُلُها يفضي إلى تعارضها، ومن ثم تساقطها، والرجوع إلى الأصل، وهو عدم الرضاع.
ثالثًا: إن دلالتها غير صريحة؛ فيحتمل أن يكون المقصود من ذكر المرأة جنسها وأنه كافٍ في إثبات مثل هذا الحكم الذي لا يطلع عليه غير النساء في الأصل دون الحاجة إلى الجنس الآخر وهو جنس الرجال، أو أن يكون التفريق مبنيًّا على موافقة الزوجين، أو عدم اعتراضهما وتفضيلهما الأخذ بالورع والاحتياط، أو إقرار زوج المرضع، وهذا مقتضى الجمع بين ما يظهر منه التعارض.
رابعًا: إن أسانيدها لا تخلو من مقال، والأصل المتيقن منه هو استدامة عقد النكاح؛ فلا ينتقل عنه بغير يقين.
ويتأكد الأخذ بهذا القول إذا ترتب على الشهادة فسخ نكاح منعقد، ومن دواعي عدم الأخذ بقول من يقول بإجزاء شهادة المرأة الواحدة في الرضاع الذي يترتب عليه فسخ النكاح فساد أهل الأزمنة المتأخرة، ولا أدل على ذلك من فشو الأسئلة حول من يدعي الرضاع بين الزوجين بعد مضي دهر على الزواج مع علم الشاهد بالعقد مذ إنشائه
(6)
، وتعليل الأحكام بفساد الأزمان فرع عن تغير الأحكام بتغير الصورة الحادثة واختلافها
(7)
، وإلى جانبه؛
(1)
ينظر: البخاري: المصدر السابق، (3/ 165).
(2)
ينظر: البخاري: المصدر السابق، (3/ 495).
(3)
المصدر السابق.
(4)
ينظر: النووي: شرح مسلم (13/ 204).
(5)
ابن حجر: المصدر السابق، (6/ 528). وبمعناه أُثِر عن عمر، غير أن ابن حزم ناقش ذلك إلى جانب جهالة راويه قائلًا: بضرورة العقل يدري كل أحد أنه لا فرق بين امرأة وبين رجل، وبين رجلين، وبين امرأتين، وبين أربعة رجال، وبين أربع نسوة؛ في جواز تعمد الكذب والتواطؤ عليه، وكذلك الغفلة ولو حينًا ا. هـ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (9/ 523). ابن القيم: المصدر السابق، (1/ 415).
(6)
ينظر مثلًا: فتاوى نور على الدرب لابن باز (23/ 203، وما بعدها).
(7)
وأهل العلم عند تعليلهم في تغيُّر الأحكام بفساد الزمان؛ إنما يبحثون عن مراد الله ورسوله من دون أن يكون لأهواء النفوس ومصالحها مدخل؛ حمايةً للشريعة وطلبًا لبقائها خالدة وحاكمة أمام من يبتغي ضعف صلاحيتها في الواقع أو يتنصل من أحكامها. ينظر: ابن القيم: الطرق الحكمية (1/ 379). أ. د. عبد الله السلمي: تعليل الأحكام بفساد الزمان (ص 39، 44، 60).
فتأخر الشهادة إلى ما بعد العقد مظنة كذبها، لا سيما وأن أمر الرضاعة ظاهر لا يخفى؛ بل يطلع عليه من يعاشر المرضعة ويسكن معها؛ فيعلم بقدوم الصبي وذهابه، أو يعلم بمستلزمات حضانته إذا كان الرضيع مقيمًا عند المرضعة، وما هذا شأنه؛ فمظنة أن يكون الشهود على ذلك كُثُر.
وأما تقييد الشهود بأوصاف يذكرها بعض أصحاب؛ كأن تكون الشهاة ممن يتوافر فيه شرط العدالة والرضى؛ فهو أمر مسلم به؛ لعموم قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [سورة الحجرات: 6]، ويشبه أن يشترط أحد أصحاب الأقوال أن تكون الشاهدة عاقلة لا مجنونة، ولذلك؛ لا ينبغي أن تكون هذه المسألة موضعًا لهذه الشروط؛ قال تقي الدين ابن تيمية ت 728 هـ: مِن فصيح الكلامِ وجيِّدِه الإطلاقُ والتعميمُ عند ظهور قصد التخصيص والتقييد، وعلى هذه الطريقة الخطابُ الواردُ في الكتاب والسنة وكلام العلماء؛ بل وكلِّ كلامٍ فصيح، بل وجميع كلام الأمم؛ فإن التعرُّضَ عند كلِّ مسألةٍ لقيودها وشروطها تَعَجْرُف وتكلُّف، وخروج عن سَنَن البيان، وإضاعةٌ للمقصود، وهو يُعَكِّر على مقصود البيان بالعكس؛ فإنه إذا قيل: تجب الزكاة في الحُليِّ، فقال: إن كان لامرأةٍ مسلمة ليس عليها دين حالٌّ لآدمي يُنْقِصُ زكاةَ المال عن أن يكون نصابًا، وحالَ عليه حولٌ لم يخرج عن ملكها ويدُها ثابتةٌ عليه؛ وجَبَتْ فيه الزكاة = كان ذلك لُكْنَةً وعِيًّا ا. هـ
(1)
وإذا تقرر ذلك؛ فهل يكفي في إثبات الرضاع امرأتان أو لا بد أربع نساء؛ هذا محل اجتهاد وبحث، ويمكن أن يكون لاجتهاد الحاكم فيه مدخل باختلاف كل قضية وما يحتف بها من القرائن والأحوال، وفق ما تقتضيه السياسة الشرعية، ولو قيل بأنه يجزئ لشهادة الرضاع إلى جانب شهادة المرضع شهادةُ زوجها الذي تنشر الحرمة إليه فروعًا وحواشيَ وأصولًا؛ كان وجيهًا، ومما يستأنس به لذلك حديثُ ابن البيلماني المتقدم قريبًا، والذي جاء في بعض ألفاظه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يجزئ من الشهود على الرضاع:"رجل وامرأته".
(1)
تقي الدين ابن تيمية: تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (332 - 333).
ولا يعني عدم تأثير شهادة الواحدة على غيرها في إثبات الرضاع أنه لا يلزمها أثر إقرارها على نفسها إذا كانت مرضعًا؛ لأنها أقرت على نفسها مختارةً.
وفي الختام ثمَّ مسألة مهمة، وهي: هل الأفضل لمن علم أن ثم رضاعًا بين زوجين المبادرة في الإدلاء بالشهادة للتفريق بينهما؟
الجواب: الأفضل أن لا يبادر بهذه الشهادة؛ لأن عقبة رضي الله عنه لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ناقلًا شهادة المرضعة كما في إحدى الروايات المخرجة في صحيح البخاري
(1)
أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال عقبة: فتنحيت فذكرت ذلك له. . . الحديث.
- ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف الآنف ثمار في فروع، منها:
1 -
إذا شهدت امرأة واحدة على رجل بالرضاع بينه وبين امرأة قبْل نكاحه منها؛ فهو في سعة من تكذيبها
(2)
، وهذا وفق المعتمد عند الحنفية من الأقوال، ولا يجوز له نكاحها في قول طائفة من السلف وقول أحمد في رواية منصوصة، خلافًا للمشهور في المذاهب الثلاثة الأخرى.
2 -
إذا شهد بالرضاع على زوجين رجل وامرأة؛ لم يفسد النكاح؛ إلا إن صدقهما الرجل
(3)
، وهذا وفق المعتمد عند الحنفية، ولا يفسد مطلقًا في قول الشافعية وغيرهم، ويفسد في قول المالكية والحنابلة وغيرهم.
3 -
إذا قضى القاضي المجتهد أو المقلد بالتفريق برضاع بشهادة امرأتين؛ لم ينفذ، وهذا وفق المعتمد من قول الحنفية، وقالوا: ولو كان مالكيًّا؛ لأنه من المسائل التي لا يسوغ فيها الاجتهاد.
(4)
4 -
إذا شهد أربع نسوة أن امرأة أرضعت امرأة خمس رضعات، وأرضعت زوجها خمسًا؛ فرق بينه وبين امرأته، فإن أصابها؛ فلها مهر مثلها، وإن لم يصبها؛ فلا نصف مهر لها، ولا
(1)
برقم (2676)، وقد تقدم تخريجه في الضابط العاشر من ضوابط المبحث الثالث في التمهيد.
(2)
ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 420).
(3)
ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 420).
(4)
ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (4/ 421).