المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(29) (أول كتاب الفتن والملاحم) - بذل المجهود في حل سنن أبي داود - جـ ١٢

[خليل أحمد السهارنفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(24) أَوَّلُ كتَابِ الْحُرُوفِ وَالْقِرَاءَاتِ

- ‌(25) أَوَّلُ كِتَابِ الْحَمَّامِ

- ‌(1) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّعَرِّي

- ‌(2) (بَابٌ: في التَّعَرِّي)

- ‌(26) أَوَّلُ كتَابِ اللِّبَاسِ

- ‌(1) بَابٌ: في مَا يُدْعَى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا

- ‌(2) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقَمِيصِ

- ‌(3) بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَقْبِيَةِ

- ‌(4) بَابٌ: في لُبْسِ الشُّهْرَةِ

- ‌(5) (بَابٌ: في لُبْسِ الصَّوفِ وَالشَّعْرِ)

- ‌(6) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخَزِّ

- ‌(7) بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ

- ‌(8) بَابُ مَنْ كَرِهَهُ

- ‌(9) بَابُ الرُّخْصَةِ في الْعَلَمِ وَخَيْطِ الْحَرِيرِ

- ‌(10) بَابٌ: في لُبْسِ الْحَرِيرِ لِعُذْرٍ

- ‌(11) بَابٌ: في الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ

- ‌(12) بَابٌ: في لُبْسِ الْحِبَرَةِ

- ‌(13) بَابٌ: في الْبَيَاضِ

- ‌(15) بَابٌ: في الْمَصْبُوغِ

- ‌(16) بَابٌ: في الْخُضْرَةِ

- ‌(17) بَابٌ: في الْحُمْرَةِ

- ‌(18) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ

- ‌(19) بَابٌ: في السَّوادِ

- ‌(20) بَابٌ: في الْهُدْبِ

- ‌(21) بَابٌ: في الْعَمَائِمِ

- ‌(22) بَابٌ: في لِبْسَةِ الصَمَّاءِ

- ‌(23) بَابٌ: في حَلِّ الأَزْرَارِ

- ‌(24) بَابٌ: في التَّقَنُّعِ

- ‌(25) بَابُ مَا جَاءَ في إسْبَالِ الإزَارِ

- ‌(26) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكِبْرِ

- ‌(27) بَابٌ: في قَدْرِ مَوضِعِ الإزَارِ

- ‌(28) بَابٌ في لِبَاسِ النِّسَاءِ

- ‌(29) بَابُ مَا جَاءَ في قَوْلِ الله تَعَالَى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}

- ‌(30) بَابٌ: في قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}

- ‌(32) (بَابٌ: في الْعَبْدِ يَنْظُرُ إلى شَعْرِ مَوْلَاتِهِ)

- ‌(33) بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ}

- ‌(34) بَابٌ: في قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}

- ‌(35) بَابٌ: كَيْفَ الاخْتِمَارُ

- ‌(36) بَابٌ: في لُبْسِ الْقَبَاطِيِّ لِلنِّسَاءِ

- ‌(37) (بَابُ مَا جَاءَ في الذَّيْلِ)

- ‌(38) بَابٌ: في أُهُبِ الْمَيْتَةِ

- ‌(40) بَابٌ: في جُلُودِ النُّمُورِ

- ‌(41) بَابٌ: في الانْتِعَالِ

- ‌(42) بَابٌ: في الْفُرُشِ

- ‌(43) بَابٌ: في اتِّخَاذِ السُّتُورِ

- ‌(44) بَابٌ: فِي الصَّليبِ في الثَّوبِ

- ‌(45) بَابٌ: في الصُّوَرِ

- ‌(27) أَوَّلُ كِتَابِ التَّرَجُّلِ

- ‌(1) بَابُ مَا جَاءَ في اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ

- ‌(2) بَابُ مَا جَاءَ في إصْلَاحِ الشَّعْرِ

- ‌(3) بَابٌ: في الْخِضَابِ لِلنِّسَاءِ

- ‌(4) بَابٌ: في صِلَةِ الشَّعْرِ

- ‌(5) بَابُ مَا جَاءَ فِي رَدِّ الطِّيبِ

- ‌(6) (بَابٌ: في طِيبِ الْمَرْأَةِ لِلْخُرُوجِ)

- ‌(7) بَابٌ: في الْخَلُوقِ لِلرِّجَالِ

- ‌(8) بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّعْرِ

- ‌(9) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْفَرْقِ

- ‌(10) بَابٌ: في تَطْوِيلِ الْجُمَّةِ

- ‌(11) بَابٌ: في الرَّجُلِ يُضَفِّرُ شَعْرَهُ

- ‌(12) بَابٌ: في حَلْقِ الرَّأْسِ

- ‌(13) بَابٌ: في الصَّبيِّ لَهُ ذُؤَابةٌ

- ‌(14) بَابُ مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ

- ‌(15) بَابٌ: في أَخْذِ الشَّارِبِ

- ‌(16) بَابٌ: في نَتْفِ الشَّيْبِ

- ‌(17) بَابٌ: في الْخِضَابِ

- ‌(18) بَابٌ: في خِضَابِ الصُّفْرَةِ

- ‌(19) بَابُ مَا جَاءَ في خِضَابِ السَّوَادِ

- ‌(20) بَابُ مَا جَاءَ في الانْتِفَاعِ بِالْعَاجِ

- ‌(28) أَوَّلُ كِتَابِ الْخَاتَمِ

- ‌(1) بَابُ مَا جَاءَ في اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ

- ‌(2) بَابُ مَا جَاءَ في تَرْكِ الْخَاتَمِ

- ‌(3) بَابُ مَا جَاءَ في خَاتَمِ الذَّهَبِ

- ‌(4) بَابُ مَا جَاءَ في خَاتَمِ الْحَدِيدِ

- ‌(5) بَابُ مَا جَاءَ في التَّخَتُّمِ في الْيَمِينِ أَوِ الْيَسَارِ

- ‌(6) بَابُ مَا جَاءَ فِي الْجَلَاجِلِ

- ‌(7) بَابُ مَا جَاءَ في رَبْطِ الأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ

- ‌(8) بَابُ مَا جَاءَ فِي الذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ

- ‌(29) (أَوَّلُ كِتَابِ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ)

- ‌(1) بَابُ النَّهْيِ عَنِ السَّعْيِ في الْفِتْنَةِ

- ‌(2) بَابٌ: في كَفِّ اللِّسَانِ

- ‌(3) (بَابُ الرُّخْصَةِ في التَّبَدِّي في الفِتْنَةِ)

- ‌(4) بَابٌ: في النَّهْيِ عَنِ الْقِتَالِ في الْفِتْنَةِ

- ‌(5) بَابٌ: في تَعْظِيمِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ

- ‌(6) بَابُ مَا يُرْجَى في الْقَتْلِ

- ‌(30) أَوَّلُ كِتَابِ الْمَهْدِيِّ

- ‌(1) (بَابُ الْمَلَاحِمِ)

- ‌(2) بَابٌ: في ذِكْرِ الْمَهْدِيِّ

- ‌(31) أَوَّلُ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ

- ‌(2) (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ مَلَاحِمِ الرُّومِ)

- ‌(3) بَابٌ: في أَمَارَاتِ الْمَلَاحِمِ

- ‌(4) بَابٌ: في تَوَاتُرِ الْمَلَاحِمِ

- ‌(5) (بَابٌ: في تَدَاعِي الأُمَمِ عَلَى الإسْلَامِ)

- ‌(6) بَابٌ: في الْمَعْقِلِ مِنَ الْمَلَاحِمِ

- ‌(7) بَابُ ارْتِفَاعِ الْفِتْنَةِ في الْمَلَاحِمِ

- ‌(8) بَابٌ: في النَّهْيِ عن تَهْيِيجِ التُّرْكِ وَالْحَبَشَةِ

- ‌(9) بَابٌ: في قِتَالِ التُّرْكِ

- ‌(10) بَابٌ: في ذِكْرِ الْبَصْرَةِ

- ‌(11) (بَابُ ذِكْرِ الْحَبْشَةِ)

- ‌(12) (بَابُ أَمَارَاتِ السَّاعَةِ)

- ‌(13) بَابُ حَسْرِ الْفُرَاتِ عن كَنْزٍ

- ‌(14) بَابُ خُرُوجِ الدَّجَّالِ

- ‌(15) بَابٌ: في خَبَرِ الْجَسَّاسَةِ

- ‌(16) بَابُ خَبَرِ ابْنِ الصَّائِدِ

- ‌(17) بَابٌ: في الأَمْرِ وَالنَّهْيِ

- ‌(18) بَابُ قِيَامِ السَّاعَةِ

- ‌(32) أَوَّلُ كِتَابِ الْحُدُودِ

- ‌(1) بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنِ ارْتَدَّ

- ‌(2) بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(3) بَابُ مَا جَاءَ في الْمُحَارَبَةِ

- ‌(4) بَابٌ في الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ

- ‌(6) بَابُ السَّتْرِ عَلَى أَهْلِ الْحُدُودِ

- ‌(5) (بَابٌ: يُعْفَى عَنِ الْحُدُودِ مَا لَمْ تَبْلُغِ السُّلْطَانَ)

- ‌(7) بَابٌ: في صَاحِبِ الْحَدِّ يَجِيءُ فَيُقِرُّ

- ‌(8) بَابٌ: في التَّلْقِينِ في الْحَدِّ

- ‌(9) بَابٌ في الرَّجُلِ يَعْتَرِفُ بِحَدٍّ وَلَا يُسَمِّيهِ

- ‌(10) بَابٌ في الامْتِحَانِ بِالضَّرْبِ

- ‌(11) بَابُ مَا يُقَطَعُ فِيهِ السَّارِقُ

- ‌(12) بَابُ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ

- ‌(13) بَابُ الْقَطْعِ في الْخُلْسَةِ وَالْخِيَانَةِ

- ‌(14) بابٌ مَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ

- ‌(15) بابٌ فِى الْقَطْعِ فِى الْعَارِيَةِ إِذَا جُحِدَتْ

- ‌(16) بابٌ فِى الْمَجْنُونِ يَسْرِقُ أَوْ يُصِيبُ حَدًّا

- ‌(17) بَابٌ فِى الْغُلَامِ يُصِيبُ الْحَدَّ

- ‌(18) بَابُ السَّارِقِ يَسْرِقُ في الْغَزْوِ، أَيُقْطَعُ

- ‌(19) بَابٌ في قَطْعِ النَّبَّاشِ

- ‌(20) بَابُ السَّارِقِ يَسْرِقُ مِرَارًا

- ‌(21) بَابٌ في السَّارِقِ تُعَلَّقُ يَدُهُ في عُنُقِهِ

- ‌(22) بَابُ بَيْعِ الْمَمْلُوكِ إذَا سَرَقَ

- ‌(23) بَابٌ: في الرَّجْمِ

- ‌(24) بَابٌ في الْمَرْأَةِ التِي أَمَرَ النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِهَا مِنْ جُهَيْنَةَ

- ‌(25) بَابٌ في رَجْمِ الْيَهُودِيينِ

- ‌(26) بَابٌ في الرَّجُلِ يَزْنِي بِحَرِيمِهِ

- ‌(27) بَابٌ في الرَّجُلِ يَزْني بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ

- ‌(28) بَابٌ فِيمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ

- ‌(29) بَابٌ فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً

- ‌(30) بَابٌ إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِالزِّنَا وَلَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ

- ‌(31) بَابٌ في الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ مَا دُونَ الْجِمَاعِ فيَتُوبُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ الْإمَامُ

- ‌(32) بَابٌ في الأَمَةِ تَزْنن وَلَمْ تُحْصَنْ

- ‌(33) بَابٌ: في إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ

- ‌(34) بَابٌ في حَدِّ الْقَاذِفِ

- ‌(35) بابٌ في الْحَدِّ فِى الْخَمْرِ

- ‌(36) بابٌ: إِذَا تَتَابَعَ فِى شُرْبِ الْخَمْرِ

- ‌(37) بابٌ فِى إِقَامَةِ الْحَدِّ فِى الْمَسْجِدِ

- ‌(38) بابٌ: فِى ضَرْبِ الْوَجْهِ فِى الْحَدِّ

- ‌(39) بابٌ: فِى التَّعْزِيرِ

- ‌(33) أَوَّلُ كِتَابِ الدِّيَّاتِ

- ‌(1) بَابُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ

- ‌(3) بَابُ الإمَامِ يأْمُرُ بِالْعَفْوِ في الدَّمِ

- ‌(4) بابُ وَليِّ الْعَمْدِ يَأْخُذُ الدِّيَةَ

- ‌(5) بَابُ مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ

- ‌(6) بَابٌ فِيمَنْ سَقَى رَجُلًا سُمًّا أَوْ أَطْعَمَهُ فَمَاتَ، أَيُقَادُ مِنْهُ

- ‌(7) بَابُ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ أَوْ مَثَّلَ بِهِ، أَيُقَادُ مِنْهُ

- ‌(8) بَابُ الْقَسَامَةِ

- ‌(9) بَابٌ في تَرْكِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ

- ‌(10) بَابٌ: يُقَادُ مِنَ الْقَاتِلِ

- ‌(11) بَابٌ: أَيُقَادُ الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ

- ‌(12) بَابٌ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ

- ‌(13) بَابُ الْعَامِلِ يُصَابُ عَلَى يَدَيهِ خَطَأ

- ‌(14) بَابُ الْقَوَدِ بِغَيْرِ حَدِيدٍ

- ‌(15) بَابُ الْقَوَدِ مِنَ الضَّرْبَةِ، وَقَصِّ الأَمِيرِ مِنْ نَفْسِهِ

- ‌(16) بَابُ عَفْوِ النِّسَاءِ عَنِ الدَّمِ

- ‌(17) بَابٌ في الدِّيَةِ كم هِيَ

- ‌(18) بابٌ دِيَاتِ الأَعْضَاءِ

- ‌(19) بابُ دِيَةِ الْجَنِينِ

- ‌(20) بَابٌ في دِيَةِ الْمُكَاتَبِ

- ‌(21) بَابٌ في دِيَةِ الذِّمِّيِّ

- ‌(22) بَابٌ في الرَّجُلِ يُقَاتِلُ الرَّجُلَ فيَدْفَعُهُ عن نَفْسِهِ

- ‌(23) (بَابٌ فِيمَنْ تَطَبَّبَ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ طِبٌّ فأَعْنَتَ)

- ‌(24) بَابُ الْقِصَاصِ مِنَ السِّنِّ

- ‌(25) بَابٌ في الدَّابَّةِ تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا

- ‌(26) بَابٌ في النَّارِ تَعَدَّى

- ‌(27) بَابُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ

- ‌(28) بَابٌ فِيمَنْ قُتِلَ في عِمِّيَّا بَيْنَ قَوْمٍ

الفصل: ‌(29) (أول كتاب الفتن والملاحم)

بسم الله الرحمن الرحيم

(29)

أَوَّلُ (1) كِتَابِ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ

4240 -

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي وَائِلٍ، عن حُذَيْفَةَ قَالَ: "قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا، فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ في مَقَامِهِ ذَلِكَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ

===

بسم الله الرحمن الرحيم

(29)(أَوَّلُ كِتَابِ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ)

جمع بينهما في بعض النسخ، وفي بعضها: كتاب الفتن، والأولى أن لا يذكر الملاحم ها هنا، لأنه ذكر "كتاب الملاحم" فيما بعد:"كتاب المهدي"

4240 -

(حدثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا (2)، فما ترك شيئًا) من الفتن (يكون في مقامه ذلك) معلق بقوله: ما ترك (إلى قيام الساعة) والمعنى قام

(1) في نسخة: "أول كتاب الفتن، ذكر الفتن ودلائلها".

(2)

ولفظ مسلم (2892) عن أبي زيد يعني عمرو بن أخطب، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلَّى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبر بما كان وبما هو كائن، فأعلَمُنا أحفَظُنا، انتهى.

وأخرجه الحاكم في "المستدرك". (4/ 487)، [وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه]. (ش).

ص: 266

إلَّا حَدَّثَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي (1) هَؤُلاءِ. وَإنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيءُ فَأَذْكُرُهُ (2) كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إذَا رَآهُ عَرَفَهُ". [خ 6604، م 2890، حم 5/ 385]

4241 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أنا ابْنُ فَرُّوخٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنٌ لِقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤيبٍ، عن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَان: "والله مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْا؟ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم منْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إلى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا

===

مقامًا ما ترك شيئًا يحدث، وينبغي أن يخبر بما يظهر من الفتن من ذلك الوقت إلى قيام الساعة (إلَّا حدثه) أي ذلك الشيء الكائن، (حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون) أي يحدث (منه الشيء فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا كتاب عنه، ثم إذا رآه عرفه).

4241 -

(حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا ابن أبي مريم قال: أنا ابن فروخ قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: أخبرني ابن لقبيصةَ بنِ ذؤيب) الظاهر أنه إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب، قال أبو زرعة: كان عاملَ هِشام على الأردن، وقال ابن سميع: كان على ديوان الزمنى في أيام الوليد، وذكره ابن حبان في "الثقات".

(عن أبيه) قبيصة بن ذؤيب (قال: قال حذيفة بن اليمان: والله ما أدري أَنَسِيَ أصحابي أم تناسوا؟ ) أي: أظهروا أنهم نسوا لأجل الفتنة في الإظهار (والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة) أي: رئيسها (إلي أن تنقضي الدنيا،

(1) في نسخة: "أصحابه".

(2)

في نسخة: "فأعرفه".

ص: 267

يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَ مِئَةٍ فَصَاعِدًا إلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ، وَاسْمِ أَبِيهِ، وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ".

4242 -

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَ: نَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عن بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عن عَامِرٍ، عن رَجُل، عن عَبْدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"تكون في هَذِهِ الأُمَّةِ أَرْبَعُ فِتَنٍ فِي آخِرِهَا الْفَنَاءُ".

4243 -

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيُّ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عُتْبَةَ، عن عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: "كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ الْفِتَنَ، فَأَكْثَرَ في ذِكْرِهَا، حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلَاسِ،

===

يبلغ مَنْ مَعَه) صفة لقائد (ثلاث مئة فصاعدًا إلَّا قد سماه لنا باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته) يعني وصفًا واضحًا مفصَّلًا، لا مبهمًا مجملًا.

4242 -

(حدثنا هارون بن عبد الله قال: نا أبو داود الحفري، عن بدر بن عثمان، عن عامر، عن رجل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تكون في هذه الأمة أربع فتن) المراد به الوقائع الكبار (في آخرها) أي الفتنِ الأربع (الفناءُ) أي: فناء الدنيا، أو فناء الأمة، أي: لا يبقى بعدها مسلم.

4243 -

(حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي، نا أبو المغيرة قال: حدثني عبد الله بن سالم قال: حدثني العلاء بن عتبة، عن عمير بن هانئ العنسي قال: سمعت عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (يقول: كنا قعودًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الفتن، فأكثر) أي البيان (في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس) جمع حِلْسٍ، وهو ما يُبْسَطُ تحت حر الثياب، فلا تزال ملقاة تحتهما، وقيل: الحلس هو الكساء على ظهر البعير تحت القتب.

ص: 268

فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا فِتْنَةُ الأَحْلَاسِ؟ قَالَ: " (1) هَرَبٌ وَحَرَبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي، وَلَيْسَ مِنِّي،

===

(فقال قائل: يا رسول الله! وما فتنة الأحلاس؟ (2) قال: ) هي (هَرَب)

بفتحتين، أي: يفر بعضهم من بعض؛ لما بينهم من العداوة والمحاربة (وحرب (3)) بفتحتين، أي: أخذ مالٍ وأهلٍ بغير استحقاق.

والذي أظن أنها فتنة حدثت في آخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وثارت بين المسلمين حتى تمادت، وبقيت إلى زمان خلافة معاوية رضي الله عنه، واتفاق الناس عليه بعد صلح الإِمام حسن بن علي رضي الله عنهما.

(ثم فتنة السراء) والمراد بالسراء النعماء التي تسر الناس من الصحة، والرخاء، والعافية من النبلاء، والوباء، وأضيفت إلى السراء؛ لأن السبب في وقوعها ارتكابُ المعاصي بسبب كثرة التنعم، أو لأنها تسر العدو.

(دَخَنُها (4) بفتحتين، أي إثارتها، وهيجانها، وإنما قال:(من تحت قدمي رجل من أهل بيتي) تنبيهًا على أنه هو الذي يسعى في إثارتها (يزعم أنه مني، وليس مني) في الفعل، وإن كان مني في النسب.

والحاصل: أن تلك الفتنة بسببه، وليس مني، أي من أخلَّائي، أو من

(1) زاد في نسخة: "هي".

(2)

المشهور في وجه تسميتها بذلك: أن المأمور به فيها أن تكون حلس بيتك، وقال الدمنتي: أضيفت إليها لطولِ لبثها ودوامها، أو سوادِ لونها وظلمتها. [انظر أيضًا:"معالم السنن"(4/ 337)]. (ش).

(3)

قال ابن الأثير في "جامع الأصول" ح (7477): الحرب بفتح الراء: ذهاب المال والأهل، يقال: حَرَبَ الرجلُ، فهو حريب: إذا سُلِبَ أهله وماله.

(4)

قال ابن الأثير: شَبَّهَها بالدخان الذي يرتفع، أي: أن يكون أصل ظهورها من هذا الرجل.

ص: 269

وَإنَّمَا أَوْليَائِي الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ،

===

أهلي في الفعل؛ لأنه لو كان من أهلي لم يهيج الفتنة كما في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} (1).

(وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل) أي يجتمعون على بيعة رجل (كَوَرِكٍ) بفتح وكسر (على ضِلَع) بكسر ففتح، وهذا مثل، والمراد أنه لا يكون على ثبات؛ لأن الورك لثقله لا يثبت على الضلع لدقته، والمعنى أنه يكون غير أهل الولاية لقلة علمه، وخفة رأيه، وحلمه، أي يصطلحون على رجل لا نظام له، ولا استقامة لأمره؛ وحاصله أنه لا يستعد، ولا يستبد لذلك فلا يقع عند الأمر موقعه.

والذي يظهر لي أنها هي الفتنة التي حدثت في رمضان سنة ألف وثلثمائة وأربع وثلاثين (2)، ومنشأها أن الشريف حسين بن علي كان في زمن حكومة الأتراك شريفًا تابعًا لحكومتهم، ثم راسل إحدى سلطنة من النصارى في زمان الحرب الكبير، وكان الحرب بين سلطنة الأتراك وحكومة النصرانية، فلحق بالحكومة النصرانية سرًّا، ووافق معهم على حرب الأتراك، فقتل الأتراك الذين كانوا في مكة المكرمة من جند الأتراك، وسبى نساءهم، ثم تولى الحكومة بنفسه، وسمى نفسه ملك الحجاز، وبقيت حكومته قريبًا من عشر سنين، ثم اضمحل أمره، واصطلح الناس على حكومة ابنه علي بن الحسين، ولم ينتظم له أمر فبقي كوركٍ على ضلع.

وإنما سميت هذه الفتنة فتنة السراء؛ لأن مبناها وأسباب حديثها (3) كانت في السرِّ؛ فإن الحكومة النصرانية أماله إليها سرًّا، وأرسل إليها (4) من الجنيهات

(1) سورة هود: الآية 46.

(2)

انظر: "انهيار الدولة العثمانية"(1/ 246).

(3)

وفي الأصل: وأسباب حديثها، والظاهر: وأسباب حدوثها.

(4)

كذا في الأصل، والظاهر: أمالَته إليها سرًّا وأرسلت إليه.

ص: 270

ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذ الأُمَّةِ إلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً، فَإذَا قِيلَ: انْقَضَتْ تَمَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا

===

ألوفًا في السرِّ ليبغي على حكومة الإِسلام، وينحرف عنها، فقسم من هذه الجنيهات في أهل البدو، وتوافق معهم على قتال الأتراك المسلمين، وكل ذلك في السر، واتفق أن قائد الأتراك الذي كان بمكة أخبر بشيء من هذه الفتنة، فسأل الشريف عنها، فحلف عند الكعبة أنه لا أصل له، حتى اطمأن قائد الأتراك، ثم وقع ما وقع من قتلِ المسلمين، وسبي نسائهم، وإرسالِهم إلى الكفار، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.

ويحتمل أن يكون السراء من السرور؛ لأن في ذلك الزمان بعد الحصار والمضايقةِ الشديدة نُثِرَتْ على العرب الجنيهاتُ، والحبوبُ، وسائرُ الأطعمة بعد الفقر الشديد، حتى إن أحدهم من أفقر العربان لا يملك جنيهتين مَلَكَ ثمانية وأربعين ألف جنيهة، وهو عبيد الله بن هويمل الحازمي، وكذلك غيره، سمعت هذا من أحد علماء المدينة كان عندي موصوفًا بالثقة والإتقان.

(ثم فتنة الدهيماء) وهي بضم ففتح، والدهماء السوداء، والتصغير للذم، أي الفتنة العظماء، والطامة العمياء (1)(لا تدع) أي لا تترك تلك الفتنة (أحدًا من هذه الأمة إلَّا لطمته لطمة) أي أصابته بمحنة، ومسته ببلية، وأصل اللطم هو الضرب على الوجه ببطن الكف، والمراد أن أثر تلك الفتنة يعم الناس، ويصل لكل أحد من ضررها.

(فإذا قيل: انقضت) أي توهموا أن تلك الفتنة انتهت (تمادت) أي استطالت واستمرت (يصبح الرجل فيها مؤمنًا) لتحريم دم أخيه وعرضه وماله

(1) قال ابن الأثير في "جامع الأصول"(7477): وقيل: أراد بالدهيماء: الداهية يذهب بها إلى الدُّهيم، وهي في زعم العرب: اسم ناقة، قالوا: كان من قصتها: أنه غزا عليها سبعة إخوة فقُتِلوا عن آخرهم، وحملوا على الدهيم، حتى رجعت بهم، فصارت مثلًا في كل داهية.

ص: 271

وُيمْسِي (1) كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إيْمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إيْمَانَ فِيهِ، فَإذَا كَانَ ذَاكُمْ (2) فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ" (3). [حم 2/ 133، ك 4/ 466]

4244 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (4) قَالَ: نَا أَبُو عَوَانَةَ، عن قَتَادَةَ،

===

(ويمسي كافرًا) لتحليله ما ذُكِرَ، ويستمر ذلك (حتى يصير الناس إلى فسطاطين (5)) أي فرقتين، وأصل الفسطاط الخيمة، فهو من باب ذكر المحل، وإرادة الحال (فسطاط إيمان) أي خالص (لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه) أصلًا أو كمالًا، لما فيه من أعمال المنافقين من الكذب، والخيانةِ، ونقضِ العهد، وأمثالِ ذلك.

(فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال) أي ظهوره (من يومه أو من غَدِه) وهذا يؤيد أن المراد بالفسطاطين المدينتان، فإن المهدي يكون في بيت المقدس فيحاصره الدجال، فينزل عيسى عليه الصلاة والسلام فيذوب الملعون كالملح ينماع في الماء، فيطعنه بحربة له فيقتله، فيحصل الفرج العام، والفرح التام، وهذه الفتنة بعد وستكون قبيل ظهور المهدي، ويمتد إلى نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.

4244 -

(حدثنا مسدد قال: نا أبو عوانة، عن قتادة،

(1) زاد في نسخة: "فيها".

(2)

في نسخة: "ذلكم".

(3)

في نسخة: "غد".

(4)

في نسخة: "حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد، دخل حديث أحدهما في الآخر، قالا: حدثنا أبو عوانة".

(5)

قال ابن الأثير في "جامع الأصول"(7477): الفسطاط: الخيمة الكبيرة، وتسمى مدينة مصر: الفسطاط، والمراد به في هذا الحديث: الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى، تشبيهًا بانفراد الخيمة عن الأخرى، أو تشبيهًا بانفراد المدينة عن الأخرى، حملًا على تسمية مصر بالفسطاط. وقال أيضًا: ويروى بضم الفاء وكسرها.

ص: 272

عن نَصرِ بْنِ عَاصِمٍ، عن سُبَيْعِ بْن خَالِدٍ قَالَ: "أَتَيْتُ الْكُوفَةَ في زَمَنِ فُتِحَتْ تُسْتَرُ أَجْلِبُ مِنْهَا بِغَالًا، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإذَا صَدْعٌ مِنَ الرِّجَالِ، وَإذَا رَجُلٌ جَالِسٌ تَعْرِفُ إذَا رَأَيْتَهُ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْحِجَازِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَتَجَهَّمَنِي الْقَوْمُ وَقَالُوا: أَمَا تَعْرِفُ هَذَا؟ هَذَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

===

عن نصر بن عاصم) الليثي، (عن سبيع) مصغرًا (ابن خالد) ويقال: خالد بن خالد، ويقال: خالد بن سبع، وقيل فيه: سبيعة بن خالد، ولا يصح، اليشكري البصري، روى عن حذيفة، ذكره ابنُ حبان في "الثقات" والعجليّ.

(قال: أتيت الكوفة في زمن فُتِحَتْ تُسْتَرْ)(1) بالضم، ثم السكون، وفتح التاء الأخرى، وراء؛ أعظم مدينة بخوزستان اليوم، وهو تعريب شوستَر، وَفُتِحَتْ في زمن خلافة عمر رضي الله عنه، فتحها أبو موسى الأشعري (أجلب منها بغالًا، فدخلتُ المسجد) أي مسجد كوفة (فإذا صَدَعٌ من الرجال) قال في "المجمع"(2): أي رجل بين رجلين، هو بسكون قال، وربما حرك، هو من الرجال الشاب المعتدل، ومن الوعول الفتي الفارسي، أي جماعة في موضع من المسجد، كذا في "المجمع". وقال في "القاموس": والصدع (3) بالكسر: الجماعة من الناس. قلت: وهذا المعنى أولى.

(وإذا رجل جالس تعرِفُ) بزيه وهيئته (إذا رأيتَه) أي رأيتَ زيَّه وهيئَتَه (أنه من رجال أهل الحجاز، قال: قلت: من هذا؟ فتجهَّمَني القوم) أي أظهروا لي آثار الكراهة في وجوههم (وقالوا: أما تعرف هذا؟ هذا حذيفة بن اليمان صاحبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم).

(1) انظر: "تاريخ الخلفاء"(ص 151).

(2)

"مجمع بحار الأنوار"(3/ 304).

(3)

قال ابن الأثير في "جامع الأصول" ح (7509): الصدع بسكون الدال، وربما حُرِّك، وأما في الوعول فلا يقال إلا بالتحريك، والخطابي لم يفرق بينهما في التحريك، وقال - أي الخطابي -: هو من الرجال: الشاب المعتدل القناة، ومن الوعول: الفتي.

ص: 273

فَقَالَ حُذَيْفَةُ: إنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عن الشَّرِّ؛ فَأَحْدَقَهُ الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقَالَ: إنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي تُنْكِرُونَ، إنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ هَذَا الْخَيْرَ الَّذِي أَعْطَانَا اللَّهُ تَعَالَى، أَيَكُونُ بَعْدَهُ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ؟ قَالَ:"نَعَمْ". قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: "السَّيْفُ"(1).

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ مَاذَا يَكُونُ؟ قَالَ: "إنْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى خَلِيفَةٌ في الأَرْضِ، فَضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَأَطِعْهُ، وَإلَّا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ

===

(فقال حذيفة: إن الناس كانوا يسألون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الخير) الذي يصل أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم في المستقبَلِ (وكنت أسأله عن الشر) أي عن الفتن التي تقوم في أمته صلى الله عليه وسلم فيما بعد؛ مخافةَ أن يدركني (فأحدقه) أي أحاطه (القوم بأبصارهم) وانتظروا سماع ما يقول، وتوجهوا إليه.

(فقال) حذيفة: (إني قد أرى الذي تنكرون، إني قلت: يا رسول الله! أرأيتَ) أخبرني (هذا الخير الذي أعطانا الله تعالى) أي من النعماء والسرور (أيكون بعده شَرٌّ كما كان قبله؟ قال: نعم) أي يكون بعده الشر وهي الفتنة.

(قلت: فما العصمة من ذلك؟ ) أي فما طريق الاجتناب عن الفتنة؟ (قال: السيف) تقاتلهم به، قالوا: هي فتنة الردة (2) التي كانت في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه (قلت: يا رسول الله! ثم ماذا يكون؟ قال: إن كان لله تعالى خليفة في الأرض، فَضَرَبَ ظهرَك، وأخذ مالَكَ فَأَطِعْه، وإلَّا فمت وأنت عاضٌّ

(1) زاد في نسخة: "قال قتيبة في حديثه: فقلت: وهل للسيف - يعني من بقية - قال: نعم، قلت: ماذا؟ قال: هدنة على دخن، قال: ".

(2)

وعليها حمله صاحب "إزالة الخفاء"، وحكى برواية البغوي وغيره عن أنس رضي الله عنه: كره الصحابة قتالهم، وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر السيفَ، وخرج وحده، فلم يجدوا بدًّا من الخروج، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كرهنا ذلك في الابتداء، ثم حمدناه عليه في الانتهاء. (ش).

ص: 274

بِجِذْلِ شَجَرَةٍ"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ في نَارِهِ وَجَبَ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ، وَمَنْ وَقَعَ في نَهْرِهِ وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطَّ أَجْرُهُ"، قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "ثُمَّ هِيَ قِيَامُ السَّاعَةِ". [حم 5/ 386]

4245 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،

===

بجِذْلِ شجرةٍ) أي وإن لم يكن في الأرض خليفة لله، فينبغي لك أن تموت في حالة تعضُّ بأسنانك جذل شجرة، يعني تكون في عزلة من الناس على مضض الزمان وتحمل مشاقه، لا تدخل في الفتنة، ولا تشترك في القتال.

(قلت: ثم ماذا؟ قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم يخرج الدجال)، وهذا (1) يدل على أنه وقع في رواية حذيفة اختصار منه؛ لأنه أخبر أولًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الفتن، ولم يترك فتنة تحدث إلى قيام الساعة إلَّا نبَّه عليها وأخبر بها، وظاهر أن الذي ذكر أولًا من الفتن في هذا الحديث هو محمول على الردة التي وقعت في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم وقع بعدها فتن كثيرة ولم تُذْكَرْ، فَعُلِمَ بها أنها حُذِفَتْ.

(معه نهر ونار) أي نهر ماء، ونهر نار أو خندقه (فمن وقع في ناره وجب) أي ثبت (أجره) عند الله (وحط) أي عنه (وزره) أي إثمه (ومن وقع في نهره وجب) أي ثبت (وزره، وحط) أي حبط وسقط (أجره) أي ثواب أعماله؛ لأنه ارتد.

(قال: قلت: ثم ماذا؟ قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم هي) أي الفتنة العظمى (قيام الساعة) أي تظهر علامتها وآياتها الكبار.

4245 -

(حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: نا عبد الرزاق،

(1) وحمل صاحب "المجمع" الشرَّ على مقتل عثمان رضي الله عنه، والخيرَ بعده على زمان علي رضي الله عنه، والدخنَ على الخوارج. [انظر:"المجمع"(2/ 163)]. (ش).

ص: 275

عن مَعْمَرٍ، عن قَتَادَةَ، عن نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عن خَالِدِ بْن خَالِدٍ الْيَشْكُرِيِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: قُلْتُ: بَعْدَ السَّيْفِ؟ قَالَ: "بَقِيَّةٌ (1) عَلَى أَقْذَاءٍ، وَهُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ". ثُمّ سَاقَ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَكَانَ قَتَادَةُ يَضَعُهُ عَلَى الرِّدَّةِ الَّتِي في زَمَنِ أَبِى بَكْرٍ "عَلَى أَقْذَاءٍ" يَقُولُ: قَذًى، "وَهُدْنَةٌ" يَقُولُ: صُلْحٌ، "عَلَى دَخَنٍ": عَلَى ضَغَائِنَ.

===

عن معمر، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن خالد بن خالد اليشكري، بهذا الحديث) المتقدم (قال: قلت: بعد السيف) أي ماذا بعده؟ (قال: بقية على أقذاء)(2) جمع قَذَى، وهو ما يقع في العين من غبار، أي يبقى الناس بقية على فساد في قلوبهم (وهُدْنَة (3) على دَخن) أي صلح على بقايا من الضغن.

(ثم ساق) أي معمر (الحديث، قال) معمر: (وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر) رضي الله عنه. (على أقذاء، يقول: قذى) أي واحد الأقذاء القذى، (وهدنة يقول: صلح على دخن) ومعنى قوله: على دخن (على ضغائن)(4).

(1) في نسخة: "تَقِيَّةٌ".

(2)

قال ابن الأثير ح (7509): أقذاء جمع القَذَى، والقذاء جمع القذاة، وهو ما يقع في العين من الأذى، وفي الشراب والطعام من تراب أو تبن، أو غير ذلك، والمراد به في الحديث: الفساد الذي يكون في القلوب، أي: إنهم يتقون بعضهم بعضًا، ويظهرون الصلح والاتفاق؛ ولكن في باطنهم خلاف ذلك.

(3)

قال في "جامع الأصول"(7479): الهدنة: الصلح الذي ينعقد بين الكفار والمسلمين، وهو في الأصل: السكون، كأنهم سكنوا عن القتال، وقد يكون بين كل طائفتين، اقتتلتا إذا تركتا القتال عن صلح.

(4)

قال في "جامع الأصول"(10/ 49) ح (7509): وقد جاء في الحديث تفسير الدخن، قال:"لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه"، وأصل الدخن: أن يكون في لون الدابة كدُورة إلى سواد، ووجه الحديث: أن تكون القلوب كهذا اللون، لا يصفو بعضها لبعض.

ص: 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه رحمه الله: قوله: "بقية على أقذاء" يعني أنها تبقى بقية من الخير إلَّا أنها ليست في صفاء الأول، بل فيها كدر وأقذاء، وهذا ظاهره لا يصدق على وقعة الردة إذ لم يكن بعدها كدر، وإنما كانت الكدورات بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"وهدنة على دخن"، إلَّا أن تحمل البعدية على غير المتصلة منها، أو يقال على بعد: إن الأمر لم يكن من صفاء القلوب بعد أبي بكر مثله في زمنه صلى الله عليه وسلم، وإن لم يظهر في أمر الدين إلا قوة وشدة، كما وقعت في أيام عمر رضي الله عنه.

وبالجملة فحمل قوله ها هنا بالسيف على المقاتلة بقتلة عثمان أوفق بالعبارة، وليس في أخذ السيف ها هنا سعي في الفتنة حتى تلزم مخالفة قوله صلى الله عليه وسلم في الفتن وشدة توكيده في التحرز عنها، وذلك لما قلنا: إن الفتنة إنما هي فتنة ما لم يظهر خطؤها من الصواب.

وأما إذا عرفت الحقَّ وجب عليك تأييد صاحب الحق على مخالفه، وبذلك ينحل وجه اختلاف الصحابة رضي الله عنهم فيما بينهم، حيث أعانوا طائفة طائفة، ومنهم من فَرَّ بدينه، وصار بمعزل منهما جميعًا، كما في قصة علي رضي الله عنه يوم الجمل، فليس على أحد منهم اعتراض، وذلك لأن من أعان أحدًا منهم فإنما أعان لما رآه على الحق عنده، ومن رأى ذلك فتنة، ولم يظهر الصواب عنده، لم يشارك أحدًا منهما، انتهى.

قلت: قوله: "بقية على أقذاء، وهدنة على ضغن"، والذي أظن في معناه هذه إشارة إلى ما وقع بين علي ومعاولة رضي الله عنهما من الصلح والتحكيم، فهذه إشارة إليه، وأما قوله: قال: "السيف"، ، فحمله عندي على الفتنة التي في آخر زمن عثمان رضي الله عنه، كما قال شيخنا رحمه الله أولى مما قال قتادة.

ص: 277

4246 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، نَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ -، عن حُمَيْدٍ، عن نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ الَّليْثِيِّ قَالَ: "أَتَيْنَا الْيَشْكُرِيَّ في رَهْطٍ مِنَ بَنِيِ لَيْثٍ فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقُلْنَا (1): أَتَيْنَاكَ نَسْأَلُكَ عن حَدِيثِ حُذيْفَةَ

فذكر الحديث (2).

===

4246 -

(حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا سليمان - يعني ابن المغيرة -، عن حميد، عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكريَّ في رهط من بني ليث فقال: من القوم؟ ) قلنا: بنو ليث (فقلنا: أتيناك نسألك عن حديث حذيفة، فذكر الحديث) يعني قال: أقبلنا مع أبي موسى قافلين، وغارت الدواب بالكوفة، قال: فاستأذنت أبا موسى أنا وصاحب لي، قال: فأذن لنا، فقدمنا الكوفة، فقلت لصاحبي: أنا داخلٌ المسجدَ، فإذا قامت السوق خرجتُ إليك، قال: فدخلتُ المسجد فإذا فيه حلقة كأنما قُطِعَت رؤوسهم يستمعون إلى حديثِ رجُل قال: فقصت عليهم، فجاء رجل فقام إلى جنبي، قال: فقلتُ من هذا؟ قال: أبصريٌّ أنت؟ قال: قلت: نعم؛ قال: قد عرفتُ، ولو كنتَ كوفيًّا لم تسأل عن هذا [هذا حذيفة بن اليمان] قال: فدنوت منه فسمعته يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وعرفت أن الخير لن يسبقني، فقلت: يا رسول الله! أبعد هذا الخير شر؟ فقال: "يا حذيفة!

(1) زاد في نسخة: "بنو ليث".

(2)

زاد في نسخة: قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ أَبِي مُوسَى قَافِلِينَ، وَغَارَتِ الدَّوابُّ بِالكُوفَةِ. قَالَ: فَسَأَلْتُ أَبَا مُوسَى أَنَا وَصَاحِبٌ لي، فَأَذِنَ لَنَا فَقَدِمْنَا الكُوفَةَ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أَنَا دَاخِلٌ المَسْجِدَ، فَإذَا قَامَتِ السُّوقُ خَرَجْتُ إلَيْكَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإذَا فِيهِ حَلْقَةٌ كَأَنَّمَا قُطِعَتْ رُؤوسُهُمْ يَسْتَمِعُونَ إلَى حَدِيثِ رَجُلٍ. قَالَ: فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ رَجَلٌ فَقَامَ إلى جَنْبِي، قَالَ: فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبَصْرِيٌّ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَم. قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ، وَلَوْ كُنْتَ كُوفِيًّا لَمْ تَسْأَلْ عن هذا. قَالَ: فَدَنَوتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُ حُذِيفةَ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنِ الخَيرِ، وَكُنْتُ اسْأَلُهُ عن الشَّرِّ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الخَيرَ لنْ يَسْبِقَنِي.

ص: 278

قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "فِتْنَةٌ وَشَرٌّ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! (1) بَعْدَ هَذَا الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "يَا حُذَيْفَةُ! تَعَلَّمْ كِتَابَ اللَّهِ وَاتَّبِعْ مَا فِيهِ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَعْدَ هَذَا الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ:"هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ، وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ فِيهَا - أَوْ فِيهِمْ -".

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! "الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ " قَالَ: "لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "فِتْنَة عَمْيَاءُ صَمَّاءُ،

===

تعلَّم كتاب الله، واتبع ما فيه" ثلاث مرات، قال: فقلت: يا رسول الله: أبعد هذا الشر خير (2)؟

(قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة وشر)، لعله إشارة إلى الفتنة التي حدثت في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه (قال: قلت: يا رسول الله! بعد هذا الشر خير؟ قال: يا حذيفة! تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه) أي أَعْرِضْ عن هذا السؤال (ثلاث مرات) ثم سأل، فقال:(قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الشر خير؟ قال: هدنة على دخن) أي صلح على خيانة ونفاق (وجماعة) أي اجتماع بين الفريقين (على أقذاء) أي كدورات (فيها، أو) للشك من الراوي (فيهم)، ولعل هذا محمول على ما وقع من الصلح والتحكيم بين معاوية وعلي رضي الله عنهما.

(قلت: يا رسول الله! الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه) بل يكون في قلوبهم ضغينة (قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة عمياء صماء،

(1) زاد في نسخة: "وهل".

(2)

أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده"(5/ 386 - 387، 403) رقم (23274).

ص: 279

عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ. فَإنْ تَمُتْ يَا حُذَيْفَةُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تتَّبعَ أَحَدًا مِنْهُمْ".

4247 -

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، نَا أَبُو التَّيَّاح، عن صَخْرِ بْنِ بَدْرٍ الْعِجْلِيِّ، عن سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ، عن حُذَيْفةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَإنْ لَمْ تَجِدْ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةً فَاهْرُبْ حَتَّى تَمُوتَ، فَإنْ تَمُتْ (1) وَأَنْتَ عَاضٌّ، وَقَالَ في آخِرِهِ قَالَ: قُلْتُ: فَمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "لَؤ أَنَّ رَجُلًا نَتَجَ فَرَسًا لَمْ تُنْتَجْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". [خ 7084، م 1847]

===

عليها دعاة على أبواب النار) ولا يبعد أن يُحْمَلَ هذا على ما وقع في أيام يزيد بن معاوية من قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما وجماعته، أو على ما وقع في أيام الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك حيث قتل ابن الزبير رضي الله عنه (فإن تَمُت يا حذيفة وأنت عاض على جذل) أي أصل شجر (خير لك من أن تتبع أحدًا منهم) أي إن أدركْتَ تلكَ الفتنةَ.

4247 -

(حدثنا مسدد، نا عبد الوارث، نا أبو التياح، عن صخر بن بدر العجلي) البصري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود حديثًا واحدًا.

(عن سبيع بن خالد بهذا الحديث، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب حتى تموت، فإن تمت وأنت عاض) وجزاؤه مقدر، وهي قوله: خير لك (وقال في آخره، قال: قلت: فما يكون بعد ذلك؟ قال: لو أن رجلًا نتج فرسًا) أي طلب نتاجه، وسعى في تحصيل ولده بمباشرة الأسباب (لم تنتج) أي ما يجيء لها ولد (حتى تقوم الساعة)، وهذا يدل على أن هذه الفتنة التي أشار إليها في الحديث المتقدم- وهي العمياء والصماء - تكون قربَ القيامة.

(1) في نسخة بدله: "فأن تموت".

ص: 280

4248 -

حَدَّثنَا مُسَدَّدٌ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نَا الأَعْمَشُ، عن زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ (1) صلى الله عليه وسلم قالَ:"مَنْ بَايَعَ إمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الآخَرِ". قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي. قُلْتُ: هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَفْعَلَ وَنَفْعَلَ. قَالَ: "أَطِعْهُ في طَاعَةِ اللهِ، وَاعْصِهِ في مَعْصِيَةِ اللهِ"(2). [م 1844، ن 4191، جه 3956، حم 2/ 161]

===

4248 -

(حدثنا مسدد، نا عيسى بن يونس، نا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من بايع إمامًا فأعطاه صفقةَ يده) أي عقد بيعته بيده (وثمرة قلبه) أي أعطاه الإخلاص الذي في القلب في الإطاعة (فَلْيُطِعْه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر، قلت) قائل هذا الكلام هو عبد الرحمن: (أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال) عبد الله بن عمرو، (سمعته أذناي) أي من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم (ووعاه قلبي، قلت: هذا ابنُ عمك معاويةُ يأمرنا أن نفعل، ونفعل) أي يأمرنا بمنازَعَةِ علي رضي الله عنه ومقاتَلَتِه مع أن عليًا رضي الله عنه هو الأول، ومعاوية هو الآخر الذي قام منازعًا.

(قال) ابن عمرو: (أطِعْه في طاعة الله، واعصه في معصية الله).

كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه رحمه الله: قوله: "أطعه في طاعة الله"، استشكل عليه الجواب عما سأله السائل، إذ لا شك أن عليًّا رضي الله عنه كان هو الأول بيعة، وأحقّ منه بالخلافة، وكان معاوية رضي الله عنه في أول ما حارب معه علي رضي الله عنه على خلاف الحق، إلا أنه كان قد أخطأ في اجتهاده، حيث تواترت إليه الأخبار بما أورثت

(1) في نسخة: "رسول الله".

(2)

زاد في نسخة: "قال أبو داود: وهذا الحديث مثل الحديث الذي قبل هذين الحديثين".

ص: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

له علم يقين بأن قتل عثمان رضي الله عنه إنما هو بإشارة علي رضي الله عنه، وعِلْمِه بذاك، وصار وجود الحسنين على الباب قرينةً لذاك وحجةً للمعاندين الذين كانوا مُتَصَدِّيْن لإفساد ما بينهم، وكذلك نقول فيمن لم يبايع يزيدَ منهم، ومن بايعه منهم، فإن معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"اقتلوا الآخر" ليس على إطلاقه، كيف: ولو كان الأمر بقتل الآخر مطلقًا عن كل تقييد لأدى ذلك إلى تكليف بما لا يطاق، كيف وإنه أمر لكل من يأتي منه القتل ويتيسر، لا لمن لم يتأت منه ذلك أيضًا، وإذا كان أمر القتل للمتمكن منه لا مطلقًا كان ذلك إجازة لانقياد المتغلب إذا لم يتيسر قتله، وإلَّا لكان إلقاء لنفسه في التهلكة بمخالفته.

وإذا تحققت هذا فاعلم أن الصحابة كلهم اتفقوا بعد علي رضي الله عنه على معاوية رضي الله عنه، ولما وصلت النوبة إلى يزيد بن معاوية، تفرقت منهم فرق، فمن جَوَّز خلافته نَظَرَ إلى النصوص الواردة في إطاعة أئمة الجور، ومن لم يجوِّزْها افتقر إلى خليفة آخر يقوم به أمرهم.

فمن هذا الأخير: ابن الزبير رضي الله عنه، فإنه رأى نفسه أحق بالخلافة، فأخذ البيعة، ولعله أخذ البيعة قبل بيعة يزيد أو معه، فعلى الوجهين جميعًا فلا يلزم أن يكون من خالف يزيد ولم يبايعه باغيًا، كيف وأنه لم يَصرْ خليفة حتى يلزم من مخالفته البغاوةُ، نعم يشكل على ذلك بيعة ابن عمر رضي الله عنه فنقول: إنه إنما بايع يزيدَ لما رأى من تغلبه، وخاف الفتنة لو أنكره، فكان ذلك من الذين أشرنا إليه قريبًا.

وأما ابن الزبير فقد رأى من نفسه أن يقاومه فلم يطاوعه، ولم يقو على ذلك ابن عمر رضي الله عنه، وذلك لأنه لم يَعُدَّ قوة ابن الزبير بحيث يقدر على مقاومة يزيد ومقابلته، وإن زعم ابن الزبير من نفسه ذلك.

بقي ها هنا شيء وهو أن حسين بن علي رضي الله عنه كيف أحجم عن بيعة الرجلين جميعًا، فنقول:

أما يزيد لم يتعاقد الحسين البيعة معه؛ لما لم يره متأهلًا لها، مع أن أهل الحل والعقد لم يكونوا اتفقوا بعد على أحد حتى يلزم بمخالفته البغي.

ص: 282

4249 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِس، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عن شَيْبَانَ، عن الأَعْمَشِ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"ويلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ". [حم 2/ 441]

4250 -

قَالَ أَبُو دَاوُدَ، حُدِّثْتُ عن ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ

===

وأما ابن الزبير فلعله لم يبلغه أمرُ خلافته، أو بلغه فرأى أن يبايعه إذا وصل إلى المدينة، فلم يتفق له ذلك؛ لما ابتلي به من الوقائع، أو يكون هذا الإمهال منه؛ لأنه لم ير ابنُ الزبير يقوى على مقاومة يزيد، وإن كان خليفةَ حقٍ عنده، فأحب أن يُجْمِعَ أهلَ الكوفة وغيرهم على بيعته، فذهب إليه لذلك، فلم يتيسر له ما أراد، وكان من أمره ما كان، وأيًّا ما كان فلا يلزم بغاوة أحد من هؤلاء الأعيان، انتهى.

4249 -

(حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة) رضي الله عنه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ويل للعرب) الويل: حلول الشر، وهو تفجيع، أو "ويل" كلمة عذاب، أو واد في جهنم، وخص العرب بذلك؛ لأنهم كانوا حينئذ مُعْظَمَ مَن أسلم (من شر قد اقترب).

قال الطيبي (1): أشار به إلى قتل عثمان وما جرى بعده بين علي ومعاوية. أو أراد به قضية يزيد مع الحسين رضي الله عنه، وهو في المعنى أقرب؛ لأن شره ظاهر عند كل أحد من العرب والعجم (أفلح من كَفَّ يَدَه) أي عن القتال.

4250 -

(قال أبو داود: حُدِّثْتُ عن ابن وهب قال: نا جرير بن حازم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك

(1) انظر: "شرح الطيبي على المشكاة"(10/ 27)، "المرقاة"(90/ 288).

ص: 283

الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا إلى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلَاحٌ". [ك 4/ 511، طس 6428]

4251 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عن عَنْبَسَةَ، عن يُونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، قَالَ:"وَسَلَاحٌ قَرِيبٌ مِنْ خيْبَرَ".

4252 -

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: نَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عن أَيُّوبَ، عن أَبِي قِلَابَةَ، عن أَبِي أَسْمَاءَ، عن ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله تَعَالَى زَوَى لِيَ الأَرْضَ،

===

المسلمون أن يحاصَرُوا إلى المدينة) أي يحاصرهم العدو فيضطروا بذلك إلى المدينة، فيجتمعوا فيها (حتى يكون أبعد مسالحهم)(1) أي ثغورهم (سلاح) ضبطه السيوطي بضم السين، وقال في "القاموس" (2): كَسَحابٍ، أو قَطام: موضع (3) أسفل خيبر، وقال في "المعجم": سَلاح، كأنه بوزن قطام: موضع أسفل من خيبر، وقال في "الدرجات": سُلاح كغراب: موضع بقرب خيبر.

4251 -

(حدثنا أحمد بن صالح، عن عنبسة) بن خالد بن يزيد الأموي، (عن يونس، عن الزهري قال) أي الزهري: (وسلاح) موضع (قريب (4) من خيبر).

4252 -

(حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى قالا: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى زَوَى) أي جمع (لي الأرضَ) أي حقيقةً،

(1) قال ابن الأثير في "جامع الأصول"(10/ 30) ح (7484): المسالح جمع مَسْلحة، وهم قوم ذوو سلاح، والمسلحة أيضًا كالثغرِ والمرقَب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يتطرقهم، فإذا رأوه أعلموا أصحابَهم ليتأهبوا له.

(2)

"ترتيب القاموس المحيط"(3/ 592).

(3)

ماء ملح لبني كلاب، كذا في "عمدة الأخبار". (ش).

(4)

كذا ذكره في "مجمع بحار الأنوار"(3/ 100).

ص: 284

أَوْ قَالَ: إنَّ رَبِّي زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَأُرِيتُ (1) مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا. وَإنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لي مِنْهَا، وَأُعْطِيْتُ الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ، وَالأَبْيَضَ. وَإنِّي سَأَلْتُ رَبِّي تَعَالَى لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ (2)، وَلَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، إنِّي إذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَلَا أُهْلِكُهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ،

===

أو في الإدرك (أو قال) شك من الراوي: (إن ربي زوى لي الأرضَ، فأريت مشارقَها ومغاربَها، وإن مُلْكَ أمتي سيبلغ ما زوي لي (3) منها، وأُعطِيْتُ الكنزين: الأحمر) الذهب، (والأبيض) الفضة، ولعل المراد بالكنزين: كنزا كسرى وقيصر مَلِكَي العراق والشام، كذا قال النووي (4).

(وإني سألت ربي تعالى لأمتي أن لا يهلكها بسنة) أي قحط (بعامَّةٍ) أي: تعم وتشمل جميعَ الأمة فتهلكها (ولا يُسَلِّطَ عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم) أي: كافرًا (فيستَبِيْحَ بَيْضَتَهم) قال في "النهاية"(5): بَيضة الدار: وسطها ومعظمها، أراد عدوًا يستأصِلُهم ويُهْلِكُهم جميعًا.

(وإن ربي قال لي: يا محمد) صلى الله عليه وسلم (إني إذا قضيتُ قضاء فإنه لا يُرَدُّ، ولا أهلكهم) أي: قضيت قضاءً في أمتك أني لا أهلكهم (بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضَتَهم،

(1) في نسخة: "فرأيت".

(2)

في نسخة: "عامة".

(3)

قال صاحب "الدرجات"(ص 176): توهم بعضهم أن "مِنْ" تبعيضية، فكيف في أول الكلام استيعاب، ويرد آخره للنبعيض، وليس كذلك؛ فإن الآخر تفصيل للإجمال، أي: زُوِيتْ لي الأرضُ كلُّها، ثم تفتَحُ شيئًا فشيئًا منها حتى تُفتَح كلُّها، وهذا معنى تبعيضها، انتهى. (ش).

(4)

انظر: "شرح صحيح مسلم"(9/ 241).

(5)

"النهاية"(1/ 172).

ص: 285

وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا، أَوْ قَالَ: بَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَ (1) يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا. وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإذَا (2) وُضِعَ السَّيْفُ في أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أمَّتِي الأَوْثَانَ

===

ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، أو) للشك من الراوي (قال: بأقطارها) أي جميع من في الأرض من غير المسلمين (حتى يكون بعضُهم) أي بعضُ المسلمين (يُهلِك بعضًا، ويكون بعضهم يَسبي بعضًا) فلا أخاف عليهم من الكفار أن يهلكوا جميعًا.

(وإنما أخاف على أمتي الأئمةَ المضلين) أي الداعين إلى الباع، كما وقعت فتنة القرآن في زمن الإِمام أحمد - رحمه الله تعالى-، وقُتِلَ فيها من علماء الحق بقدر لا يحصى عددهم.

(وإذا وُضِعَ السيف في أمتي) يقتل بعضُهم بعضًا (لم يُرْفَعْ عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحَقَ قبائلُ من أمتي بالمشركين)، ولعله إشارة إلى ما وقع من الردة في خلافة الصديق رضي الله عنه، أو في الحكومة المغربية "تونس" تسلط عليها النصارى، فخرج من خرج منها من المسلمين، وبعضهم صاروا نصارى.

(وحتى تعبد قبائلُ من أمتي الأوثانَ)، ولعله إما إشارة إلى ما يعبده المبتدعون من القبور وغيرها، أو إشارة إلى ما يقع في آخر الزمان ما أشار

(1) زاد في نسخة: "حتى".

(2)

في نسخة: "فإذا".

ص: 286

وَإنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي. وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ"- قَالَ ابْنُ عِيسَى:"ظَاهِرِينَ" ثُمَّ اتَّفَقَا- "لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى". [م 2889، ت 2202، م 1920، جه 3952، حم 5/ 278]

===

إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "حتى تضطرب (1) أليات نساء دوس حول ذي (2) الخلصة".

(وإنه سيكون في أمتي كذَّابون) دجالون (ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي).

وقد خرج إلى هذا الزمان كثيرون منهم، كما أن في هذا الزمان خرج في الهند المسيحُ القادياني في نواحي بنجاب في بلدة قاديان من مضافات أمر تسر، فادَّعى أنه المهدي، وأنه المسيح، وأنكر نزول المسيح، وادَّعى أن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام توفي، وقبره في كشمير، ولعله بقي منهم بعضهم ولو زادوا على ثلاثين لا يكون مخالفًا للحديث؛ لأن مفهوم العدد لا يُعتَبَرُ (3).

(ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، قال) محمد (بن عيسى) شيخ المصنف: (ظاهرين) أي غالبين بالحجة (ثم اتفقا، لا يضرهم من خالفهم) وهم طائفة أهل السنَّة والجماعة (حتى يأتي أمر الله تعالى) أي بموت كل مؤمن ومؤمنة.

وهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة، وقد وقعت كلها بحمد الله تعالى، كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، فصلاة الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلَّا وحي يُوْحى.

(1) وبسط الحافظ في أن الاضطراب يكون قبل فناء المؤمنين أو بعده. [انظر: "فتح الباري" (13/ 76، 77) ح (7116)]. (ش).

(2)

وذو الخلصة: طاغية دوسٍ التي كانوا يَعْبُدونها في الجاهلية، قاله البخاري.

(3)

انظر: كتاب "القادياني والقاديانية" لسماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي.

ص: 287

4253 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي أَبِي - قَالَ ابْنُ عَوْفٍ: وَقَرَأَتُ في أَصْلِ إسْمَاعِيلَ - قَالَ: حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عن شُرَيْحٍ، عن أَبِي مَالِكٍ - يَعْنِي الأَشْعَرِيَّ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ: أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا جَمِيعًا، وَأَنْ لَا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَنْ لَا تَجَتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ". [طب 3440]

4254 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عن سُفْيَانَ، عن مَنْصُورٍ، عن رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عن الْبَرَاءِ بْنِ نَاجِيَةَ،

===

4253 -

(حدثنا محمد بن عوف الطائي، نا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، قال ابن عوف: وقرأت في أصل إسماعيل) أي حصل لي هذا الحديث عن محمد بن إسماعيل بطريقين: بأنه حدثني به، وأيضًا قرأته في أصل، وهو الكتاب الذي كُتِبَ فيه هذا الحديث وغيره.

(قال: حدثني ضمضم، عن شريح، عن أبي مالك - يعني الأشعري - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أجاركم) أي آمنكم (من ثلاث خلال) أي خصال (أن لا يدعو عليكم نبيُّكم فَتَهْلِكوا) أي تموتوا (جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق) أي فيفنيهم (وأن لا تجتمعوا على ضلالة) بل لا تزال طائفة من أمتي على الحق، كما تقدم من الحديث.

4254 -

(حدثنا محمد بن سليمان الأنباري قال: نا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن البراء بن ناجية) بنون، وكسر جيم، وخفة مثناة تحت، الكاهلي، ويقال: المحاربي الكوفي، روى عن ابن مسعود حديث "تدور رحى الإِسلام"، قلت: في "تاريخ البخاري" لم يذكر سماعًا من ابن مسعود، قال العجلي: البراء بن ناجية من أصحاب ابن مسعود، كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج هو والحاكم حديثَه في

ص: 288

عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (1) قَالَ: "تَدُورُ (2) رَحَى الإسْلَامِ بِخَمْسٍ (3) وَثَلاثينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلاثَينَ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلاثينَ،

===

"صحيحيهما"، وقرأت بخط الذهبي في "الميزان" (4): فيه جهالة لا يُعْرَف، قلت: قد عَرَّفه العجلي وابن حبان، فيكفي.

(عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تدور رحى الإِسلام) أي تستقر وتستمر دائرة رحى الإِسلام، ويستقيم دورانها على وجه النظام، قلت: وهذا أحد المعنيين لهذا الكلام، أو يبتدأ دوران (5) دائرة الحرب وتزلزله وحركاته وسكناته في الإِسلام.

(بخمس وثلاثين) أي لوقت خمس وثلاثين من ابتداء ظهور دولة الإِسلام، وهي زمن هجرة خير الأنام، وبانتهاء المدة تنقضي خلافة الخلفاء الثلاثة بلا خلاف بين الخاص والعام، إذ بعدها مقتل عثمان رضي الله عنه.

(أو ست وثلاثين) فيه قضية المجمل (أو سبع وثلاثين) وفيه وقعة صفين و"أو" فيها للتنويع (6)، أو بمعنى "بل"؛ فإن الأمر فيها أهون مما بعدها لا سيما أمر الإِسلام، ونظام الأحكام، وظهور الصحابة، والعلماء الأعلام، ولذا قال:

(1) زاد في نسخة: "أنه".

(2)

في نسخه: "يدور".

(3)

في نسخة: "لخمس".

(4)

"ميزان الاعتدال"(1/ 302) رقم (1142).

(5)

وبه جزم صاحب "الدرجات"(ص 176) إذ قال: دوران الرحى كناية عن حرب وقتال، فشبهها برحى دوَّارة تطحن حبًا

إلخ. (ش).

(6)

وحاصل ما في "إزالة الخفاء" بمواضع (1/ 61، 154، 227) أن "أو" شك من الراوي، قال: لا يخالف هذا حديث "الخلافة ثلاثون"، لأن عليًّا رضي الله عنه إذا نظر إلى سوابقه وفضله، فهو من الخلفاء، لكن إذا نظر إلى أن أمر الخلافة لم ينتظم في زمانه، فانقطعت الخلافة الخاصة إلى زمان عثمان رضي الله عنه، وهذا محمل حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ولذا ترى ذكر الثلاثة في أكثر الروايات بدون ذكر علي رضي الله عنه. (ش).

ص: 289

فَإنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا.

===

(فإن يهلكوا) أي إن اختلفوا بعد ذلك، واستهانوا في أمر الدين، واقترفوا المعاصي (فسبيل من هلك) أي سبيلهم سبيل من هلك من الأمم الماضية الذين زاغوا عن الحق في اختلافهم وزيغِهم عن الحق، ووهنِهم في الدين، وسمى أسبابَ الهلاك، والاشتغالَ بما يؤدي إليه هلاكًا.

وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه رحمه الله: قوله: "بخمس وثلاثين إلى آخره"، الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قال قبل وفاته بسنين، ثم في ترديده بين ثلاثة سنين إشارة إلى زيادة مراتب النقصان، ففي خمس وثلاثين يكون الإضرار بالإِسلام أقلَّ ما يكون، ثم يزيد عليه، ثم كذلك، فإذا تمت هذه المدة، فإن هلكوا لم يكونوا على ضلال، بل سبيلهم سبيل من هلك من الصحابة الكبار والخلفاء الراشدين الأخيار، وإن لم يهلكوا بل قام لهم دينهم يقيم سبعين عامًا، وليس المراد به التحديد بل التكثير، أو المعنى لا يكون أقل من ذلك وإن زاد، أو يقال: إن مفهوم العدد غير معتبر، انتهى.

(وإن يَقُمْ لهم دينُهم) أي ملكهم (يقم لهم سبعين عامًا)(1).

قال الخطابي (2): ويشبه أن يكون أراد به مدة ملك بني أمية، وانتقالَه إلى بني العباس؛ فإنه كان بين استقرار الملك لبني أمية إلى أن ظهرت دعاة الدولة العباسية بخراسان نحوًا (3) من سبعين سنة.

(1) وفي "حجة الله البالغة"(2/ 583): قوله: "سبعين" ابتداؤها من بدء الهجرة، وانتهاؤها موت معاوية رضي الله عنه، وفيه أنه مات في رجب سنة 60 هـ، ويخالفه ما في "إزالة الخفاء" (1/ 481): أن خمسًا وثلاثين مقتل عثمان، ثم انتشر أمر الخلافة، ثم انتظم الأمر في زمان معاوية، من هذا اليوم إلى انتشار الدولة الأموية سبعون سنة، وبه جزم في موضع آخر. (ش).

(2)

"معالم السنن"(4/ 341).

(3)

وأورد عليه بأن ملك بني أمية بقي إلى نحو تسعين سنة، ولا كان الدين بها قائمًا، وأجيب عن الأول بأنها وإن امتدَّت إلى نحو تسعين إلَّا أنه وقع الوهن في آخره، وعن الثاني بأنه ليس المراد من الدين إحكامه

إلخ. (ش).

ص: 290