الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(137) بَابُ: فِى الْغُلُولِ إِذَا كَانَ يَسِيرًا يَتْرُكُهُ الإِمَامُ وَلَا يُحَرِّقُ رَحْلَهُ
2712 -
حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: ثَنِى عَامِرٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ -، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً أَمَرَ بِلَالًا، فَنَادَى فِى النَّاسِ، فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيُخَمِّسُهُ وَيُقَسِمُهُ،
===
(137)
(بَابٌ: فِى الْغُلُولِ إِذَا كَانَ يَسِيرًا يَتْرُكُهُ الإِمَامُ وَلَا يُحَرِّقُ (1) رَحْلَهُ)
2712 -
(حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى قال: أنا أبو إسحاق الفزاري، عن عبد الله بن شوذب) الخراساني، أبو عبد الرحمن البلخي، سكن البصرة، ثم بيت المقدس، قال أبو طالب عن أحمد: ابن شوذب كان من الثقات، وكذا قال سفيان، وقال ابن معين وابن عمار والنسائي: ثقة، وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد: لا أعلم به بأسًا، وقال مرة: لا أعلم إلَّا خيرًا، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ووثقه العجلي، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وأما أبو محمد بن الحزم فقال: إنه مجهول.
(قال: ثني عامر -يعني ابن عبد الواحد-، عن ابن بريدة، عن عبد الله بن عمرو قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة، أمر بلالًا، فنادى في الناس) بإحضار الغنائم (فيجيئون بغنائمهم) عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيخمسه (2) ويقسمه) أي ما بقي بعد التخميس على الغانمين، ففعل ذلك مرة.
(1) وسيأتي بيان المذاهب وتوجيه حديث الباب في الباب الآتي. (ش).
(2)
قال البجيرمي في "حاشية الإقناع"(4/ 265): هذا ما استقر عليه الإِسلام، وكانت في صدر الإِسلام أربعة أخماسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يأخذ مع ذلك خمس الخمس، فجملة ما كان يأخذه أحد وعشرون، لكن هذا على سبيل الجواز، ولكن لم يقع منه صلى الله عليه وسلم، بل كان يقسم الأربعة أخماس على الغانمين تأليفًا لهم، وأما خمس الخمس فكان يصرف منه على نفسه، وما فضل يصرفه في مصالح المسلمين، انتهى. =
فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَقَالَ:«أَسَمِعْتَ بِلَالًا يُنَادِى (1) ثَلَاثًا؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِئَ بِهِ؟ » ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ:«كُنْ أَنْتَ تَجِئُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ عَنْكَ» . [حم 2/ 213، ق 9/ 102، ك 2/ 127]
===
(فجاء رجل بعد ذلك) أي بعد التخميس والتقسيم (بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تجيء به) أي: بالزمام (فاعتذر إليه) أي: اعتذر ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم للتأخير عذرًا غير مسموع.
(فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كن أنت تجيء به يوم القيامة) على ما قال الله تعالى في كتابه: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (2)(فلن أقبله عنك)، وهذا أيضًا من باب التغليظ والتشديد في باب الغلول، وقد اتفقت الأمة على أن الغلول كبيرة وحرام سواء قلَّ أو كثر.
فإن قلت: لما لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الزمام ورده عليه، فماذا يفعل الغال بذلك إذا تاب وندم؟ .
قلت: قال الشوكاني (3): قال الثوري والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإِمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى ذلك ويقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه فليس له التصدق بمال غيره، قال: والواجب أن يدفع إلى الإِمام كالأموال الضائعة (4).
= واستدل له النووي بما سيأتي في باب في النفل من قوله تعالى: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1]، ثم تسخ بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ
…
} الآية [الأنفال: 41]. [انظر: "شرح صحيح مسلم" (6/ 299)]. (ش).
(1)
في نسخة: "نادى".
(2)
سورة آل عمران: الآية 161.
(3)
"نيل الأوطار"(5/ 61).
(4)
قال الموفق: إذا تاب قبل القسمة ردَّ ما أخذه في المقسم بلا خلاف، وإن تاب بعده =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما قول الحنفية في ذلك فما قال في "السير الكبير"(1): ولو أن رجلًا غلَّ شيئًا من الغنائم، ثم ندم، فأتى به الإِمام بعد القسمة وتفرق الجيش، فللإمام في ذلك رأيٌ، إن شاء كذبه فيما قال، وقال: أنا لا أعرف صدقك، وقد التزمت وبالًا بزعمك، وأنت أبصر بما التزمته حتى توصل الحق إلى المستحق، وإن شاء أخذ ذلك منه، وجعل خمسه لمن سمَّى الله تعالى، لأنه وجد المال في يده، وصاحب المال مصدق شرعًا فيما يخبر به من حال ما في يده، وباعتبار صدقه خمسه لأرباب الخمس فيصرف إليهم، والباقي يكون بمنزلة اللقطة في يده إن طمع أن يقدر على أهله، فالحكم فيه ما ذكرنا، وإن لم يطمع في ذلك قسمه بين المساكين إن أحب، والَّا جعله موقوفًا في بيت المال، وكتب عليه أمره وشأنه.
ولو أن صاحب الغلول لم يأت به الإِمام، ولكنه تاب من الغلول، وهو في يده، فإن لم يطمع في أن يقدر على أهله، فالمستحب له أن يتصدق به هو، وإن طمع في ذلك فالحكم فيه ما هو الحكم في اللقطة في جميع ما ذكرنا.
ورفعه ذلك للإمام أحب إلى كما هو الحكم في اللقطة أيضًا، وبعد ما رفعه إليه فالإمام بالخيار في تصدقه إلَّا أنه ينبغي له أن لا يدع الخمس في يده، لأنه قد أقر أن خمس ما في يده لمن سمَّى الله تعالى في كتابه، وإقراره فيما في يده
= فمقتضى المذهب أن يؤدي خمسه إلى الإِمام، ويتصدق بما بقي، وبه قال مالك والثوري وغيرهما، وقال الشافعي: لا أعرف للصدقة وجهًا، واستدل بذلك، والعجب من الموفق استدل على خلاف ذلك بآثار الصحابة. [انظر:"المغني"(13/ 171)]. (ش).
(1)
قلت: لكنهم قالوا: ما فضل من الطعام والعلف وغيرهما إن أتى به قبل القسمة رده في المغنم، وبعد القسمة تصدقوا به إن كانوا أغنياء، وانتفعوا به إن كانوا محاويج، كذا في "فتح القدير"(5/ 479)، فما الفارق؟ وهكذا حكم صاحب "السير"(2/ 269) فيمن ملك أسيرًا ومعه مال إن تفرق الغانمون، وذلك لا يحتمل القسمة لقلته، فليتصدق به، ويظهر الفرق من كلامه في موضع آخر بين التخميس وغيره (3/ 21). (ش).