الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(58) بَابٌ: فِي الْجَنَائِبِ
2568 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عن سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ
===
ظهور دوابكم منابر؛ إن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغوا إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلَّا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجاتكم".
قال الخطابي (1): قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم خطب على راحلته واقفًا عليها، فدل ذلك على أن الوقوف على ظهورها إن كان لأرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول مباح، وإن النهي إنما انصرف إلى الوقوف عليها، لا لمعنى يوجبه بأن يستوطنه الإنسان ويتخذه مقعدًا، فيتعب الدابة ويضر بها من غير طائل.
(58)
(بَابٌ: فِي الْجَنَائِبِ)
جمع جنيبة بمعنى: مجنوبة، وهي المستتبعة، كما في قول الشاعر:
هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمَانِينَ مُصْعِدُ
…
جَنِيْبٌ، وَجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ
2568 -
(حدثنا محمد بن رافع، نا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن أبي يحيى) هو عبد الله بن محمد بن أبي يحيى، واسمه سمعان، الأسلمي مولاهم، المدني، المعروف بسحبل، وقد ينسب إلى جده، عن أحمد: ليس به بأس، وعنه: ثقة، وكذا قال ابن معين، وعن أبي داود: ثقة، وقال أبو حاتم: هو أوثق من أخيه إبراهيم، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن سعيد بن أبي هند) الفزاري، مولى سمرة بن جندب، قال ابن سعد: له أحاديث صالحة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال العجلي: ثقة، قال أبو حاتم الرازي: لم يسمع من أبي هريرة، كذا في "الخلاصة"، وقال في "التقريب": أرسل عن أبي موسى.
(1)"معالم السنن"(2/ 253).
قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَكُونُ إِبِلٌ لِلشَّيَاطِينِ، وَبُيُوتٌ لِلشَّيَاطِينِ، فَأَمَّا إِبِلُ الشَّيَاطِينِ، فَقَدْ رَأَيْتُهَا، يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ بِجَنِيبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أَسْمَنَهَا، فَلَا يَعْلُو بَعِيرًا مِنْهَا، وَيمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ اُنْقُطِعَ بِهِ فَلَا يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ أَرَهَا"، كَانَ (1) سَعِيدٌ يَقُولُ: لَا أُرَاهَا إِلَّا هَذِهِ الأَقْفَاصُ الَّتِي يَسْتُرُ النَّاسُ بِالدِّيبَاجِ. [ق 5/ 255]
===
(قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون إبل للشياطين، وبيوت للشياطين) أي: إذا كانت زائدة على قدر الحاجة، أو مبنية من مال الحرام، أو للرياء والسمعة (فأما إبل الشياطين فقد رأيتها) أي في زماني، هذا من كلام الراوي، وهو أبو هريرة.
(يخرج أحدكم بجنيبات) جمع جنيبة، وهي التي تقاد، وليس عليها راكب، وفي نسخة:"بنجيبات"، جمع نجيب، يريد بها ما يُعَدُّ للتفاخر يسوقها الرجل في سفره، فلا يعلوها، أي لا يركبها لعدم الحاجة، ولا يعين أخاه الذي يمر به (معه قد أسمنها، فلا يعلو) أي لا يركب (بعيرًا منها) أي النجيبات (ويمر بأخيه قد انقطع) على بناء المفعول (به، فلا يحمله).
قال في "المجمع"(2): انقطع ببناء مجهول، أي: انقطع بأخيه عن الرفقة لضعفه وعجزه فلا يركبه.
(وأما بيوت الشياطين فلم أرها) إلى هنا كلام الصحابي (كان سعيد يقول) وهذا قول عبد الله بن أبي يحيى: (لا أراها) أي بيوت الشياطين (إلَّا هذه الأقفاص) أي الهوادج التي يتخذها المترفهون (التي يسترها الناس بالديباج) تفاخرًا وترفهًا، قال في "المجمع": فعيَّن الصحابي إبل الشياطين، وعيَّن التابعي بيوتها بالأقفاص، يريد بها المحامل، أي: الهوادج التي يتخذها المترفون.
قال القاري (3): قال القاضي: عيَّن الصحابي من أصناف هذا النوع
(1) في نسخة: "قال".
(2)
(5/ 590).
(3)
انظر: "مرقاة المفاتيح"(7/ 462).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من الإبل صنفًا، وهو نجيبات سمان يسوقها الرجل معه في سفره، فلا يركبها ولا يحتاج إليها في حمل متاعه، ثم إنه يمر بأخيه المسلم قد انقطع به من الضعف والعجز فلا يحمله، وعين التابعي صنفًا من البيوت وهو الأقفاص المحلاة بالديباج، يريد بها المحامل التي يتخذها المترفون في الأسفار.
قال الأشرف: وليس في الحديث ما يدل عليه، بل نظم الحديث دليل على أن جميعه إلى قوله:"فلم أرها" من متن الحديث ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا فمعناه أنه صلى الله عليه وسلم قال: فأما إبل الشياطين فقد رأيتها إلى قوله: "فلا يحمله"، وأما بيوت الشياطين فلم أرها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير من الهوادج المستورة بالديباج، والمحامل التي يأخذها المترفون في الأسفار، ومما يدل على ما ذكرنا قول الراوي بعد قوله:"فلم أرها": كان سعيد يقول
…
إلخ.
قال الطيبي (1): هذا توجيه غير موجه يعرف بأدنى تأمل، والتوجيه ما عليه كلام القاضي، انتهى.
ولا يخفى أن ظاهر العبارة مع الأشرف، ويحتاج إلى العدول عنه إلى نقل صريح أو دليل صحيح، وليس للتأمل فيه مدخل إلَّا مع وجود أحدهما فتأمل، فإنه موضع زلل، اللَّهُمَّ إلَّا أن يثبت بقوله:"يكون" فإن الظاهر منه أنه للاستقبال، كما أشرنا إليه أولًا، فحينئذ لا يلائمه أن يكون قوله:"فأما الإبل فقد رأيتها" من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل يتعين أن يكون قول غيره، فلما نسب آخر الحديث إلى التابعي تبين أن تفصيل أوله راجع إلى الصحابي، فيصح الاستدلال، ويزول الإشكال، والله أعلم بالحال.
(1) انظر: "شرح الطيبي"(7/ 344).