الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال البيهقي
(1)
: وهذا بخلاف رواية الجماعة.
وليس هذا بخلاف روايتهم، وإنما هي زيادة مستقلة رواها أحمد في «مسنده»
(2)
، واحتج بها أهل المدينة في أن العبد إذا أعتق فماله له إلا أن يشترطه سيده، كقول مالك.
ولكن علة الحديث أنه ضعيف، قال الإمام أحمد: يرويه عبيد الله بن أبي جعفر من أهل مصر، وهو ضعيف في الحديث، كان صاحب فقه، فأما في الحديث فليس هو فيه بالقوي
(3)
.
وقال أبو الوليد
(4)
: هذا الحديث خطأ.
وكان ابن عمر إذا أعتق عبدًا لم يعرض لماله. قيل للإمام أحمد
(5)
: هذا عندك على التفضُّل؟ قال: إي لعَمْري، على التفضُّل. قيل له: فكأنه عندك للسيد؟ فقال: نعم للسيد، مثل البيع سواء.
12 -
باب النهي عن العِينة
397/ 3317 - عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تَبايعتم
(1)
«الكبرى» (5/ 325)، و «معرفة السنن والآثار» (8/ 127).
(2)
كذا، ولم أجدها فيه.
(3)
قول أحمد هذا ذكره في «المغني» (14/ 398). وقال في رواية ابنه عبد الله: كان يتفقّه، ليس به بأس. «الجرح والتعديل» (5/ 311).
(4)
كما في «المغني» (14/ 398)، وأبو الوليد هذا لعله الأستاذ الفقيه حسان بن محمد القرشي، إمام أهل الحديث بخراسان في زمانه (ت 349). انظر:«تاريخ الإسلام» (7/ 874).
(5)
كما في «المغني» (14/ 398)، وانظر «مسائل أحمد» برواية الكوسج (1/ 503، 2/ 482) ورواية أبي الفضل صالح (1/ 260).
بالعِينة، وأخذتم أذنابَ البقر، ورَضِيتم بالزرع، وتركتم الجهادَ، سَلَّطَ الله عليكم ذُلًّا لا يَنزِعُه حتى ترجعوا إلى دينكم»
(1)
.
قال ابن القيم رحمه الله: وفي الباب حديث أبي إسحاق السَّبِيعي عن امرأته: أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت: يا أم المؤمنين، إني بعتُ غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئةً، وإني ابتعتُه منه بستمائة نقدًا، فقالت لها عائشة: «بئسما اشتريتِ، وبئسما شريتِ، أخبري
(2)
زيدًا أن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل إلا أن يتوب».
هذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني
(3)
. وذكره الشافعي
(4)
وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق، وقال: لو ثبت فإنما عابت عليها بيعًا إلى العطاء، لأنه أجل غير معلوم. ثم قال: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا.
قال البيهقي: ورواه يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أَيْفَعَ: أنها دخلت على عائشة مع أم مُحِبَّة
(5)
.
وقال غيره: هذا الحديث حسن ويُحتج بمثله، لأنه قد رواه عن العالية
(1)
«سنن أبي داود» (3462). في إسناده لين، ولكن له طرق يتقوى بها كما سيأتي في كلام المؤلف مفصّلًا.
(2)
في الأصل: «أخبرني» ، سبق قلم.
(3)
البيهقي (5/ 330) والدارقطني (3003)، وكذا أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (10/ 365)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/ 545 - 546)، من طرق عن أبي إسحاق به.
(4)
«الأم» (4/ 74 - 160)، والمؤلف صادر عن «معرفة السنن» (8/ 135 - 137).
(5)
أخرجه الدارقطني (3002)، وقال:«أم محبة والعالية مجهولتان لا يُحتجّ بهما» .
ثقتان ثَبْتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها؛ ولم يُعلَم فيها جرح، والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك. ثم إن هذا مما ضبَطَت فيه القصة ومن دخل معها على عائشة، وقد صدَّقها زوجُها وابنُها وهما مَن هما، فالحديث محفوظ.
وقوله في الحديث المتقدم
(1)
: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكَسُهما أو الربا» هو مُنزَّل على العِينة بعينها، قاله شيخنا
(2)
؛ لأنه بيعان في مبيع واحد، فأوكسهما: الثمن الحالّ، وإن أخذ بالأكثر ــ وهو المؤجل ــ أخذ بالربا. فالمعنَيان لا تنفك
(3)
من أحد الأمرين: إما الأخذ بأوكس الثمنَين، أو الربا، وهذا لا يتنزَّل إلا على العِينة.
فصل
قال المُحرِّمون للعينة: الدليل على تحريمها من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى حرَّم الربا، والعِينةُ وسيلة إلى الربا، بل هي من
(1)
«السنن» (3461) و «مختصره» (3316)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (4974)، والحاكم (2/ 45)، كلهم من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا. رجاله ثقات إلا أن ابن أبي زائدة خولف في لفظه، خالفه يحيى القطان ويزيد بن هارون وغيرهما من الأثبات، فروَوه عن محمد بن عمرو بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة. أخرجه أحمد (9584، 10535)، والترمذي (1231) وقال: حسن صحيح.
(2)
انظر: «مجموع الفتاوى» (29/ 432)، و «بيان الدليل على إبطال التحليل» (ص 83 - 85).
(3)
كذا في الأصل و (هـ) على عادة المؤلف، وقد سبق نظيره، وفي الطبعتين:«ينفكّان» .
أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام. فهنا مقامان:
أحدهما: بيان كونها وسيلة.
والثاني: أن الوسيلة إلى الحرام حرام.
فأما الأول: فيشهد به النقل والعرف والنية والقصد، وحال المتعاقدَين.
فأما النقل: فما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرةً بمائة، ثم اشتراها بخمسين؟ فقال: «دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينهما
(1)
حريرة»
(2)
.
وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بِمُطَيَّن
(3)
، عن ابن عباس: أنه قال: «اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة» .
وفي كتاب أبي محمد النَخْشَبي الحافظ
(4)
عن ابن [ق 181] عباس أنه
(1)
في الطبعتين: «بينها» خلافًا للأصل ولمصادر التخريج.
(2)
أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (10/ 364) بإسناد صحيح. والمؤلف صادر عن «بيان الدليل» لشيخ الإسلام (ص 76).
(3)
عزاه إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 76)، وذكر أنه من رواية ابن سيرين، عن ابن عباس. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (20527) بإسناده عن ابن سيرين قال: نُبِّئتُ أن ابن عباس كان يقول: (بنحوه).
(4)
وإليه عزاه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 76)، وصححه المؤلف في «أعلام الموقعين» (4/ 47).
وأبو محمد النَخْشَبي هو الحافظ الكبير: عبد العزيز بن محمد بن محمد النخشبي، ونخشب هي نَسَف. صاحَبَ الحافظ جعفر بن محمد المستغفري وأكثر عنه، وسمع جماعةً كثيرة بدمشق وبغداد وخراسان. توفي كهلًا سنة 456 أو 457، ولم يروِ إلا اليسير. انظر:«السير» (18/ 267)، و «تاريخ الإسلام» (10/ 72).
سئل عن العينة يعني بيع الحريرة؟ فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله» .
وفي كتاب الحافظ مُطيَّن
(1)
عن أنس أنه سئل عن العينة ــ يعني بيع الحريرة ــ، فقال:«إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله» .
وقول الصحابي: «حرم رسول الله كذا، وأمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا» في حكم المرفوع اتفاقًا من أهل العلم، إلا خلافًا شاذًّا لا يُعتد به، ولا يؤبه له.
وشبهة المخالف: أنه لعله رواه بالمعنى، فظن ما ليس بأمرٍ ولا تحريمٍ، كذلك.
وهذا فاسد جدًّا، فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقَّوها مِن فِيْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فلا يُظَنّ بأحدٍ منهم أن يُقدِم على قوله:«أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حرّم، أو فرض» إلا بعد جَزمه بذلك
(2)
، ودلالةِ اللفظ عليه. واحتمالُ خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية، بل دونه. فإنْ رُدَّ قوله «أمر» ونحوه بهذا الاحتمال وجب رَدُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته وجب قبول الآخر.
وأما شهادة العرف بذلك: فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله وعبادُه مِن ذلك، مِن قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدًا يُقصَد به
(1)
كما في «بيان الدليل» (ص 75)، وصححه المؤلف في «الأعلام» (4/ 47).
(2)
الأصل: «ذلك» ، والمثبت من (هـ).
تملُّكها، ولا غرضَ لهما فيها بحال. وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول: مائة بمائة وعشرين، وإدخالُ تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه، بل جِيء به لمعنًى في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمنِ أو أقلَّ جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها مورِدًا للعقد، لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهلُ العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا.
وأما النية والقصد، فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وأن القصد الأول: مائةٌ بمائةٍ وثلاثين
(1)
، فضلًا عن علم المتعاقدَين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثم يُحضران تلك السلعة محلِّلًا لما حرم الله ورسوله.
وأما المقام الثاني ــ وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام ــ فثابت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردةً وخنازير لمّا توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحةً.
وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك مخادعة، كما تقدم. وقال أيوب السختياني:«يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمرَ على وجهه كان أسهل»
(2)
. والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين، سواء كانت لغويةً أو شرعية، والخداع حرام.
(1)
كذا في الأصل و (هـ)، وفي ط. الفقي:«وعشرين» موافقًا لما سبق.
(2)
علَّقه البخاري بنحوه مجزومًا به في «الحيل» ، باب ما يُنهى من الخداع في البيوع. ووصله وكيع بن الجرّاح في «مصنّفه» ــ كما في «تغليق التعليق» (5/ 264) ــ عن ابن عيينة، عنه.
وأيضًا: فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة، وإضمارَ ما هو من أكبر الكبائر، فلا تنقلب الكبيرة مباحةً بإخراجها في صورة البيع الذي لم يُقصَد نقل الملك فيه أصلًا، وإنما قُصِد حقيقة الربا.
وأيضًا: فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام، فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلًا، لأن إباحتها وتحريمَ الغاية جمعٌ بين النقيضين، فلا يتصور أن تُباح
(1)
ويُحرَّم ما تُفضِي إليه، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما، والثاني باطل قطعًا فيتعيّن الأول.
وأيضًا: فإن الشارع إنما حرَّم الربا، وجعله من الكبائر، وتوعَّد آكِلَه بمحاربة الله ورسوله، لما فيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يُتصوَّر مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيءٍ يكون من الحِيَل؟! فيالله العجب! أتُرى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة، وقلبتها مصلحةً بعد أن كانت مفسدة؟
وأيضًا: فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليَصرِمُنَّها مُصبِحين
(2)
، وكان مقصودهم منع حق الفقراء من المتساقط وقت الجِذاذ، فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة. ولا يقال: فالعقوبة إنما كانت على ترك الاستثناء وحده
(3)
، لوجهين:
(1)
أي الطريقُ المفضية إلى الحرام. وفي الطبعتين: «يُباح» ، وزاد الفقي بعده:«شيءٌ» !
(2)
كما قصَّ الله خبرهم في سورة القلم (17 - 33).
(3)
على قول من فسّر: {وَلَا يَسْتَثْنُونَ} بأنهم لم يقولوا: إن شاء الله. انظر: «زاد المسير» (8/ 335 - 336).
أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وتركُ الاستثناء عقوبته أن يُعوَّق ويُنَسَّى، لا إهلاكُ ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحِرمان فإنها حرمان كالذنب.
الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: {أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ} ، ورتّب
(1)
العقوبة على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة، فإن لم يكن هو العلةَ التّامة كان جزءًا من العلة.
وعلى التقديرين يحصل المقصود.
وأيضًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمال بالنيات» ، والمتوسِّل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرَّم إنما نيته المحرَّم، ونيته أولى به من ظاهر عمله.
وأيضًا: فقد روى ابن بطة
(2)
وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلُّوا محارمَ الله بِأَدنى الحيل» وإسناده مما يصححه الترمذي.
وأيضًا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها»
(3)
.
(1)
في الأصل و ط. الفقي: «وذنب» ، تحريف.
(2)
في «إبطال الحيل» (ص 104 - 105) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 54) بعد أن ساق إسناد ابن بطة:«هذا إسناد جيّد يصحح مثله الترمذي وغيره تارةً، ويحسنّه تارة، وأحمد بن محمد بن سلْم المذكور (شيخ ابن بطة) مشهور ثقة ذكره الخطيب في «تاريخه» [(6/ 8) ط. دار الغرب] بذلك، وسائر رجال الإسناد أشهر من أن يُحتاج إلى وصفهم». وبنحوه قال ابن كثير في «تفسيره» (الأعراف: 163).
(3)
أخرجه البخاري (2223، 2224، 2236)، ومسلم (1582، 1583، 1581) من حديث عمر وأبي هريرة وجابر رضي الله عنهم ولاءً.
و «جملوها» : يعني أذابوها [ق 182] وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويَحدُث لها اسم آخر وهو الوَدَك، وذلك لا يفيد الحِلَّ، فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدَّل بتبدُّل الاسم.
وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يَزُل تحريم الشحم بتبدل الاسم بصورة الجَمْل والإذابة، وهذا واضح بحمد الله.
وأيضًا: فإن القوم
(1)
لم ينتفعوا بعَين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم مَن وقف مع صُوَر العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها أن لا يحرِّم ذلك، لأن الله تعالى لم ينصَّ على تحريم الثمن، وإنما حرَّم عليهم نفس الشحم. ولمّا لعنهم على استحلالهم الثمن، وإن لم ينص على تحريمه، دل على أن الواجبَ النظرُ إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يُقصد الانتفاعُ بالعَين ولا ببدلها.
ونظير هذا أن يُقال: «لا تقرب مال اليتيم» ، فتبيعه وتأكل عِوَضه؛ وأن يقال:«لا تشرب الخمرَ» ، فتغير اسمه وتشربه؛ وأن يقال:«لا تَزْنِ بهذه المرأة» ، فتعقدَ عليها عقدَ إجارةٍ وتقول: إنما أستوفي منافعها! وأمثال ذلك.
قالوا: ولهذا الأصل ــ وهو تحريم الحِيَل المتضمنة إباحةَ ما حرم الله، أو إسقاطَ ما أوجبه الله عليه ــ أكثر من مائة دليل.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلِّل والمحلَّل له
(2)
، مع أنه أتى بصورة
(1)
ط. الفقي: «اليهود» تغييرًا لما في الأصل.
(2)
أخرجه أحمد (4283)، والترمذي (1120)، والنسائي (3416)، وغيرهم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروي أيضًا من حديث علي، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عباس رضي الله عنهم، وفي أسانيدها ضعف. انظر:«بيان الدليل» (ص 318 - 322)، و «تفسير ابن كثير» (البقرة: 230)، و «التلخيص الحبير» (3/ 170 - 171).
عقد النكاح الصحيح، لمّا كان مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح. وقد ثبت عن الصحابة أنهم سَمَّوه زانيًا
(1)
، ولم ينظروا إلى صورة العقد.
الدليل الثاني على تحريم العينة ما رواه أحمد في «مسنده»
(2)
: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله= أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه عنهم حتى يُراجِعوا دينهم» .
ورواه أبو داود
(3)
بإسناد صحيح إلى حَيْوَةَ بن شُرَيحٍ المصري، عن إسحاق أبي عبد الرحمن
(4)
الخراساني، أن عطاءً الخراساني حدثه: أن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (فذكره).
وهذان إسنادان حسنان يشُدُّ أحدهما الآخر.
(1)
صحَّ عن ابن عمر أنه قال: كنا نعدُّ هذا سفاحًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه وكيع ــ كما في «بيان الدليل» (ص 397) ــ، والحاكم (2/ 199) وعنه البيهقي (7/ 208)، بإسناد على شرط الشيخين.
(2)
رقم (4825)، وسيأتي الكلام عليه.
(3)
رقم (3462)، وهو حديث الباب.
(4)
في الأصل: «أبي عبد الله» ، خطأ.
فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر
(1)
.
فالإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحَيْوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن
(2)
فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثلُ: حَيْوة، واللَّيث، ويحيى بن أيوب، وغيرهم.
وله طريق ثالث: رواه السَّرِي بن سهل
(3)
: حدثنا عبد الله بن رُشَيد،
(1)
أما الأول فلأن الأعمش مدلس ولم يصرح بالسماع، وأما الثاني فلأنه اختلف الأئمة في سماع عطاء من ابن عمر، فأثبته أبو نعيم الفضل بن دكين، كما في «التاريخ الكبير» للبخاري (6/ 464)، وأنكره أحمد فقال: رآه ولم يسمع منه، كما في «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 154).
(2)
في الأصل: «أبو عبد الله» ، خطأ.
(3)
نقله عنه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 73) فقال: «وقد رُويناه من طريق ثالث في حديث السري بن سهل الجُندَيسابوري بإسناد مشهور إليه» .
وقد أخرجه أيضًا ابن أبي الدنيا في «العقوبات» (317)، والرُّوياني في «مسنده» (1422)، وأبو يعلى (5659)، والطبراني في «الكبير» (12/ 433)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 313 - 314)، والبيهقي في «الشعب» (10373)؛ من طرق عن الليث بن أبي سليم به، إلا أن في رواية أبي يعلى والطبراني والبيهقي زيادة «عبد الملك بن أبي سليمان» في الإسناد بين الليث وعطاء. ويُشبه أن يكون هذا الاختلاف من الليث نفسه، فإنه مضطرب الحديث لسوء حفظه واختلاطه، وقد ذكر البيهقي عقب الحديث لونَين آخَرَين في الإسناد عنه.
هذا، وللحديث طريق رابع: أخرجه أحمد (5007) من طريق أبي جناب الكلبي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عمر. وهو ضعيف لعنعنة أبي جناب، فإنه كثير التدليس عن الضعفاء. وطريق خامس: أخرجه ابن أبي الدنيا في «العقوبات» (24) بإسناد حسن إلى راشد أبي محمد الحِمَّاني أنه قال: قال ابن عمر
…
بنحوه. إلا أنه مُرسَل فإن راشدًا هذا من صغار التابعين لم يُدرك ابن عمر.
حدثنا عبد الرحمن بن محمد، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر= أدخل الله عليهم ذُلًّا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم» .
وهذا يبين أن للحديث أصلًا وأنه محفوظ.
الثالث: ما تقدم من حديث أنس أنه سئل عن العينة، فقال:«إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله» . وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع.
الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله: «هذا مما حرم الله ورسوله» .
الخامس: ما رواه الإمام أحمد
(1)
: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن العالية؛ ورواه حرب
(2)
من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدّته العالية ــ يعني جدة إسرائيل، فإنها امرأة أبي إسحاق ــ
(1)
كما في «بيان الدليل» (ص 77) ــ والمؤلف صادر عنه ــ، وليست الرواية في «المسند» ، ولعلها كانت في «مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني» كما يدل عليه الإسناد الآتي. والحديث قد سبق تخريجه في أول الباب.
(2)
لعله في «مسائله» عن أحمد وإسحاق، فإنه كثيرًا ما يُسند فيها الأحاديث، كما في القدر المطبوع منه، وأكثره في عداد المفقود، والله المستعان.
قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت [ما] حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم مُحبّة، فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت نعم. قالت: فإني بعته جاريةً لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد أن يبيعها فابتعتُها بستمائة درهم نقدًا. فأقبلتْ عليها وهي غضبى، فقالت: بئسما شَرَيتِ وبئسما اشتريتِ، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. وأُفحِمتْ صاحبتنا فلم تتكلم طويلًا، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلَتْ عليها: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275].
فلولا أن عند أم المؤمنين علمًا لا تستريب فيه أن هذا محرَّم لم تستجز
(1)
أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يَحبَط بالردة، وأن استحلال الربا كفرٌ، وهذا منه، ولكن زيدٌ معذور لأنه لم يعلم أن هذا مُحرَّم، ولهذا قالت:«أبلغيه» .
ويحتمل أن تكون قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمُها ثوابَ الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنةً وسيئةً بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئًا.
وعلى التقديرين فجزمُ أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد [ق 183] والنزاعِ بين الصحابة لم تُطلِق عائشة على زيد ذلك، فإن الحسناتِ لا تَبطُل بمسائل الاجتهاد.
ولا يقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها؛ لأن زيدًا لم يقل: هذا حلال،
(1)
في الأصل و (هـ) وط. المعارف: «تستحسن» ، ولعل المُثبت من ط. الفقي هو الصواب لموافقته ما في «بيان الدليل» (ص 78) والمؤلف صادر عنه.
بل فعله، وفِعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح، لاحتمال سهوٍ أو غفلة أو تأويل أو رجوع ونحوه، وكثيرًا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نُبِّه لها انتبه. ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد، ولم يُنقَل عن زيد أنه أصرَّ على ذلك.
فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث، فإن أم ولد زيد مجهولة.
قلنا: أم ولده لم تروِ الحديث، وإنما كانت هي صاحبة القصة، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة
(1)
، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها.
وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة وتضعها، بل يغلب على الظن غلبةً قوية صِدقُها فيها وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها
(2)
ولم يتَّهِمها، ولا سيما عند من يقول رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيًا في التابعين فُشُوَّه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
هكذا جاء في أكثر الروايات عن أبي إسحاق: أن العالية دخلت مع أم ولد زيدٍ على عائشة، فأم الولد صاحبة القصة، والراوية عن عائشة هي العالية، إلا أن في رواية الثوري عنه عند عبد الرزاق (14813) ما ظاهره أن العالية لم تسمعه من أم المؤمنين مباشرة، وإنما روته عن امرأة أبي السفر، عن عائشة. والله أعلم. وانظر:«المحلَّى» (9/ 49).
(2)
بعده في الأصل: «ميمون» ، وليس في (هـ)، ولا وجه له، فزوجها هو: عمرو بن عبدالله أبو إسحاق السبيعي.
ويَحتج به.
فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم العينة: حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة، وحديث أنس وابن عباس أنها مما حرم الله ورسوله، وحديث عائشة هذا. والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به الصحابة والسلف، وهذا حجة باتفاق الفقهاء.
السادس: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا» . وللعلماء في تفسيره قولان:
أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقدًا، أو عشرين نسيئة. وهذا هو الذي رواه أحمد
(1)
عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة. قال سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو على نَساءٍ بكذا، وبنقد بكذا.
وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا
(2)
في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين.
والتفسير الثاني: أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالَّةً. وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله:«فله أوكسهما أو الربا» ، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيُرْبي، أو الثمن الأول
(1)
رقم (3783) من طريق شريك، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وشريك سيئ الحفظ، وقد خالفه سفيان الثوري وشعبة فروياه عن سماك به موقوفًا على ابن مسعود؛ لفظ الثوري:«صفقتان في صفقة ربا» ، ولفظ شعبة:«لا تحل صفقتان في صفقة» . أخرجهما ابن حبان (1053، 5025) وغيره.
(2)
(هـ): «لا مدخل للربا» .
فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة. فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهمَ مؤجّلةٍ أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا.
فتدبَّرْ مطابقة هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم وانطباقَه عليها.
ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد
(1)
عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع.
فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلًّا منهما يؤول إلى الربا، لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا.
ومما يدل على تحريم العِينة: حديث ابن مسعود يرفعه: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهِدَيه وكاتبه والمُحِلَّ والمحلَّل له»
(2)
.
(1)
رقم (6628، 6918) من حديث عبد الله بن عمرو، وليس «ابن عمر» كما هنا، ولعله سهو، وهو على الصواب في «بيان الدليل» (ص 85) والمؤلف صادر عنه.
والحديث إسناده حسن، فإنه من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. أخرجه أبو داود (3504)، والترمذي (1234)، والحاكم (2/ 17) بلفظ:«لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع» .
(2)
أخرجه أحمد (3737) والترمذي (1206) وقال: حسن صحيح، وابن حبان (5025)، كلهم دون قوله:«والمُحِلَّ والمحلَّل له» ، وصحّ ذلك عن ابن مسعود من طريق آخر، وقد سبق تخريجه.
ورويت هذه الأمور مجتمعة في حديث حارث الأعور عن علي. أخرجه أحمد (671، 980، 1364)، والبزار (281)، وأبو يعلى (402) وغيرهم.
ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد
(1)
على عقدٍ صورته جائزةُ الكتابة والشهادِة، لا يشهد بمجرد الربا، ولا يكتبه. ولهذا قرنه بالمُحِل والمحلل له، حيث أظهرا صورة النكاح، ولا نكاح؛ كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع، ولا بيع.
وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل؛ فلَعَن المعقود له، والمعينَ له على ذلك العقد، ولعن المُحِلَّ والمحلل له؛ فالمحلل له هو الذي يُعقَد التحليل لأجله، والمُحِلّ هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به؛ فصلوات الله وسلامه
(2)
على من أوتي جوامع الكلم.
السابع: ما صحَّ عن ابن عباس أنه قال: «إذا استقمت بنقدٍ فبِعتَ بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقدٍ فبعت بنسيئة فلا خير فيه، تلك وَرِق بورق» رواه سعيد وغيره
(3)
.
ومعنى كلامه: أنّك إذا قوَّمت السلعة بنقدٍ ثم بِعتَها بنَساءٍ، كان مقصود المشتري شراء دراهم معجَّلة بدراهم مؤجَّلة، وإذا قوَّمتَها بنقد ثم بعتَها به فلا بأس، فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا.
(1)
(هـ): «يشهد ويكتب» .
(2)
«وسلامه» من (هـ).
(3)
أخرجه عبد الرزاق (15028) بإسناد صحيح.
الثامن: ما رواه ابن بطة
(1)
عن الأوزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» يعني العينة.
وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو صالح للاعتضاد به، ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده.
ويشهد له أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «ليشربنَّ [ق 184] ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها»
(2)
.
وقوله أيضًا فيما رواه إبراهيم الحربي
(3)
من حديث أبي ثعلبة عن النبي
(1)
عزاه إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 67)، وليس في «إبطال الحيل» المطبوع. وأخرجه الخطابي في «غريب الحديث» (1/ 218) دون تفسيره بالعينة، والحديث معضل.
(2)
أخرجه أحمد (22900)، وأبو داود (3688)، وابن حبان (6758)، من حديث مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غَنم، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. في إسناده ضعف لجهالة مالك بن أبي مريم، ولكن للحديث شواهد كثيرة يصح بها، منها ما أخرجه أحمد (18073) والنسائي (5658) بإسناد صحيح عن رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. وانظر:«الفتح» (10/ 51 - 52)، و «السلسلة الصحيحة» (89، 90، 414).
(3)
ليس في القدر المطبوع من «غريب الحديث» له، وقد أخرجه الدارمي (2146)، والطبراني في «الكبير» (22/ 223) وفي «مسند الشاميين» (2/ 293)، والخطابي في «الغريب» (1/ 249) من طريق مكحول عن أبي ثعلبة رضي الله عنه، وزاد في رواية الدارمي والخطابي:«عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة بن الجرَّاح» .
رجاله ثقات، إلا أن مكحولًا كثيرُ الإرسال، ونص المزي في «تهذيب الكمال» (8/ 268): أنه لم يسمع من أبي ثعلبة. ولكنه توبع، تابعه عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة ومعاذ رضي الله عنهما، ولفظه:«يستحلون الحرير والخمور والفروج» . أخرجه إسحاق بن راهويه ــ كما في «المطالب العالية» (2092) ــ، وأبو يعلى (873)، والبيهقي (8/ 159)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو صدوق سيئ الحفظ، فبمجموع الطريقين يتقوى الحديث، لا سيما ويشهد له حديث أبي عامر ــ أو أبي مالك ــ الأشعري عند البخاري (5590): «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف
…
».
- صلى الله عليه وسلم: «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم مُلك ورحمة، ثم مُلك وجبرية، ثم ملك عَضُوض يُستَحَلّ فيه الحِرُ والحرير» . و «الحِرُ» بكسر الحاء وتخفيف الراء هو: الفرج.
فهذا إخبار عن استحلال المحارم، ولكنه بتغيير أسمائها، وإظهارِ صُوَرٍ تُجعَل وسيلةً إلى استباحتها، وهي الربا والخمر والزنا، فيسمَّى كل منها بغير اسمها، ويُستباح بالاسم الذي سمي به، وقد وقعت الثلاثة.
وفي قول عائشة: «بئسما شريتِ، وبئسما اشتريت» دليل على بطلان العقدَين معًا، وهذا هو الصحيح من المذهب، لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه.
وفيه قول آخر في المذهب: إن العقد الأول صحيح، لأنه تم بأركانه وشروطه، فطَرَيان الثاني عليه لا يبطله. وهذا ضعيف، فإنه لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرَّم، فكيف يُحكَم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب.
فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟
قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب
(1)
على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة، لأن هذا يُتخذ وسيلةً إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي
(1)
كما في «المغني» (6/ 263).
عكسُها صورةً.
وفي الصورتين قد ترتّب في الذمة
(1)
دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا، لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلةً ولا مواطأةً بل وقع اتفاقًا، وفرَّقَ بينها وبين الصورة الأولى بفرقين:
أحدهما: أن النص ورد فيها، فيبقى ما عداها على أصل الجواز.
والثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه.
والفرقان ضعيفان، أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تَتقيَّد به، بل النصوص مطلقة على تحريم العينة. والعِينة فِعْلَة من العَين وهو النقد، قال الشاعر
(2)
:
أنَدَّانُ أم نَعْتَانُ، أم ينبري لنا
…
فتًى مثلُ نصلِ السيف مِيزَتْ
(3)
مضاربُه
(1)
الأصل: «ذمته» ، والمثبت من (هـ).
(2)
البيت بهذه الرواية بلا نسبة في «تهذيب اللغة» (14/ 183)، ومنه في «اللسان» (دين). وهو برواية أخرى مع بيت آخر قبله في «مقاييس اللغة» (4/ 204) بلا نسبة، وفي «أساس البلاغة» (عين) منسوبًا إلى ابن مُقبل:
فكيف لنا بالشرب إن لم تكن لنا
…
دراهمُ عند الحانَويِّ ولا نقدُ
أندَّانُ أم نعتانُ أم ينبري لنا
…
فتًى مثلُ نصل السيف أبرزه الغِمْدُ
وأنشدهما ابن برِّي (اللسان ــ عون) لذي الرُّمَّة برواية «شيمته الحمد» مكان «أبرزه الغمد» . وهما لذي الرمة أيضًا في «قطب السرور» (ص 637) مع بيت ثالث.
وقوله: «أندَّان أم نعتانُ» أي أنتداين أم نأخذ العِينَة.
(3)
كذا في الأصل، والرواية:«هُزَّت» ، ولعلّ المؤلف صادر عن «المغني» (6/ 262).
قال الجوزجاني
(1)
: أنا أظن أن العينة إنما اشتُقَّت من حاجة الرجل إلى العَين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعَين الذي احتاج إليه، وليست به إلى السلعة حاجة.
وأما الفرق الثاني فكذلك، لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق بين الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه.
فإن قيل: فما تقولون إذا لم تَعُد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عِينة؟
قيل: هذه مسألة التَوَرُّق، لأن المقصود منها الوَرِق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود
(2)
على أنها من العِينة، وأطلق عليها اسمها.
وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول:«التورق آخِيَّة الربا»
(3)
، ورخص فيها إياس بن معاوية
(4)
.
وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنه
(1)
كما في «بيان الدليل» (ص 74).
(2)
(ص 263).
(3)
ذكره شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص 82)، ولم أجده مسندًا إليه بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن أبي شيبة (20528) بإسناد صحيح أنه كتب إلى عبد الحميد ــ وهو ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، والِيه على الكوفة ــ:«انْهَ مَن قِبَلك عن العِينة فإنها أخت الربا» . «آخية الربا» فسّره شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (29/ 431) فقال: «أي: أصل الربا» . والذي يظهر من رواية ابن أبي شيبة أن ضبطَه: «أُخيَّة الربا» تصغير الأخت.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة (20525).
بيع مُضطَرّ.
وقد روى أبو داود
(1)
عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر.
وفي «المسند»
(2)
عن علي: «سيأتي على الناس زمان عضوض يَعَضُّ المُوسِر
(3)
على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال تعالى:{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237] ويبايع المضطَرّون، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر» وذكر الحديث.
فأحمد رحمه الله أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطَر إلى نفقة، يَضِنُّ عليه الموسِرُ بالقرض، فيُضطَرّ إلى أن يشتري منه سلعةً ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعُها كانت عِينةً، وإن باعها من غيره فهي التورق. ومقصوده في الموضعين: الثمن، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجَّل مقابِلٌ لثمنٍ حالٍّ أنقصَ منه، ولا معنى للربا إلا هذا، لكنه ربا بسُلَّمٍ لم يحصل له صعوده إلا بمشقة، ولو لم يَصعَده
(4)
كان ربا بسهولة.
وللعينة صورة رابعة، وهي أخف
(5)
صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئةٍ، ونصَّ أحمد على كراهة ذلك فقال
(6)
: العِينة أن
(1)
رقم (3382) من حديث شيخ من بني تميم، عن علي رضي الله عنه. فالإسناد ضعيف لجهالة الشيخ التميمي.
(2)
رقم (937)، وإسناده كسابقه.
(3)
في الأصل وط. الفقي: «المؤمن» ، تصحيف.
(4)
ط. الفقي: «مقصوده
…
لم يقصده»، تحريف.
(5)
ط. الفقي: «أخت» ، تحريف.
(6)
كما في «مسائله» رواية الكوسج (2/ 11)، وبنحوه في «مسائله» برواية صالح (2/ 259).
يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس.
وقال أيضًا
(1)
: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كَرِه ذلك لمضارَعَته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا.
وعلله شيخُنا رضي الله عنه
(2)
بأنه يدخل في بيع المضطر، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان رِبحُه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار.
وللعينة صورة خامسة، وهي أقبحُ صورها وأشدُّها تحريمًا، وهي أن المترابيين يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع، فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حالٍّ ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي
(3)
بثمن مؤَجَّل، وهو ما اتفقا [ق 185] عليه، ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئًا. وهذه تسمى «الثُّلاثِية» لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثُّنائية.
وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محلِّلًا يزعمان أنه يحلِّل لهما ما حرم الله من الربا، وهو كمحلل النكاح؛ فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج. والله
(1)
كما في «المغني» (6/ 262). وفيه قول ابن عقيل الآتي.
(2)
انظر: «بيان الدليل» (ص 81 - 82).
(3)
في الأصل والطبعتين: «للمربي» ، خطأ؛ فقد سبق أن المحتاج قد باعه له، والآن المربي هو البائع. ثم وجدته على الصواب في (هـ) ولله الحمد.