الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والصواب أن حديث قتادة عن أنس محفوظ [من رواية] الثقتَين
(1)
الضابِطَين الثَبْتَين
(2)
: جرير بن حازم وهمام، عن
(3)
قتادة عن أنس.
والذي رواه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا هو هشام الدَّسْتُوائي؛ وهشام وإن كان مقدّمًا في أصحاب قتادة، فليس همام وجرير إذا اتفقا بدونه. والله أعلم.
9 -
باب ابن السبيل يأكل من الثمرة ويشرب من اللبن إذا مرَّ به
283/ 2506 - عن الحسن، عن سَمُرة بن جُندَب، أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال:«إذا أتى أحدُكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبُها فليستأذنْه، فإن أذن له فليحتَلِبْ وليشرب، وإن لم يكن فيها فَلْيُصَوِّت ثلاثًا، فإن أجابه فليستأذِنْه، وإلا فليحتَلِبْ وليشربْ، ولا يَحمِلْ» .
وأخرجه الترمذي
(4)
، وقال: حسن صحيح غريب. وذكر أن علي ابن المديني قال: سماع الحسن من سَمُرة صحيح، وقال: وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سَمُرة وقالوا: إنما يحدِّث عن صحيفة سمرة
(5)
.
(1)
في الأصل: «الثقات» ولعل الصواب ما أثبت، وما بين الحاصرتين زيادة من ط. الفقي ليستقيم السياق.
(2)
ط. الفقي: «المتثبتين» ، وط. المعارف:«المتقنين» ، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل.
(3)
في الأصل وط. المعارف: «على» ، خطأ.
(4)
أبو داود (2619)، والترمذي (1296)، وكلامه عقِبَ الحديث.
(5)
قوله: «وقال: إنما
…
» إلخ كلام الترمذي ساقط من مطبوعة «المختصر» ، وهو في مخطوطته (النسخة البريطانية) و (هـ).
قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى البيهقي
(1)
من حديث يزيد بن هارون، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدُكم على راعٍ فلينادِ: يا راعيَ الإبل ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فلْيَحلبْ
(2)
وليشرب ولا يحملنَّ. وإذا أتى أحدكم على حائطٍ فلينادِ ثلاثًا: يا صاحب الحائط، فإن أجابه وإلا فليأكلْ ولا يحملنّ». وهذا الإسناد على شرط مسلم. وإنما أعله البيهقي بأن سعيدًا الجُريري تفرد به، وكان قد اختلط في آخر عمره، وسماع يزيد بن هارون منه في حال اختلاطه. وأَعلَّ حديث سمرة بالاختلاف في سماع الحسن منه.
وهاتان العلتان ــ بعد صحتهما ــ لا تُخرج
(3)
الحديثين عن درجة الحسن المحتجِّ به في الأحكام عند جمهور الأمة.
وقد ذهب إلى القول بهذين الحديثين الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه
(4)
. وقال الشافعي
(5)
: وقد قيل: مَن مرّ بحائط فليأكل ولا يتخذْ خُبْنة،
(1)
«السنن الكبرى» (9/ 359 - 360). وقد أخرجه أيضًا من طريق يزيد بن هارون: أحمد (11159)، وابن حبان (5281)، والحاكم (4/ 132) وصححه على شرط مسلم. ويزيد بن هارون روى عن الجريري بعد الاختلاط، ولكن تابعه من روى عنه قبل الاختلاط، كما سيأتي.
(2)
(هـ): «فليحتلب» ، وهو كذلك في بعض نسخ «السنن البيهقي» كما في هامشه.
(3)
كذا في الأصل و (هـ)، وفي ط. الفقي:«يخرجان» ، والوجه:«تُخرجان» .
(4)
انظر: «مسائل أحمد» برواية صالح (1/ 321، 2/ 136) وبرواية أبي داود (ص 325)، و «الإنصاف» (27/ 254 - 257).
(5)
«الأم» (3/ 638).
وروي فيه حديث لو كان ثبت عندنا لم نخالفه، والكتاب والحديث الثابت: أنه لا يجوز أكلُ مال أحدٍ إلا بإذنه.
والحديث الذي أشار إليه الشافعي
(1)
: رواه الترمذي
(2)
من حديث يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خُبْنة» . قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم.
حدثنا
(3)
قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من أصاب منه من ذي حاجةٍ غيرَ متَّخذٍ خُبنةً فلا شيء عليه» . قال: هذا حديث حسن.
فاختلف الفقهاء في القول بموجَب هذه الأحاديث. فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه يسوغ الأكلُ من الثمار، وشربُ اللبن لضرورةٍ وغيرِها،
(1)
بقوله المتقدم: «فيه حديث لو كان ثبت عندنا» ، وأما «الحديث الثابت» الذي أشار إليه الشافعي فهو حديث ابن عمر:«لا يحلبنَّ أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه» وسيأتي قريبًا. وقد ذكر الشافعي الحديثين بلفظهما في «الأم» (3/ 635). واختلط الأمر على محقق ط. المعارف فخطّأ ابن القيم في جعل الحديث الآتي هو مراد الشافعي.
(2)
رقم (1287)، ولا يصحّ، فيه يحيى بن سليم وهو ضعيف إذا روى عن عبيد الله بن عمر، وقد تفرد بهذا الحديث عنه. وقال أبو زرعة:«هذا حديث منكر» . «العلل» لابن أبي حاتم (2495). وأنكره أيضًا ابن معين والبخاري، كما سيأتي في كلام المؤلف لاحقًا.
(3)
القائل هو الترمذي في «جامعه» (1289)، وإسناده «حسن» كما قال عَقِبة. وابن عجلان فيه لين، لكنه توبع، تابعه ابن إسحاق وعبد الرحمن بن الحارث بن عياش عند أحمد (6683، 6746)، والوليد بن كثير عند البيهقي (9/ 359).
ولا ضمان عليه. وهذا [المشهور عن أحمد]
(1)
.
وقالت طائفة: لا يجوز له شيء من ذلك إلا لضرورة مع ثبوت العوض في ذمته. وهذا المنقول عن مالك والشافعي وأبي حنيفة
(2)
. واحتج لهذا القول بحجج:
أحدها: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، والتراضي منتفٍ في هذه الصورة.
الثاني: أن الحائط والماشية لو كانا ليتيم فأكل منه، كان قد أكل مال اليتيم ظلمًا، فيدخل تحت الوعيد.
الثالث: ما خرَّجا في «الصحيحين»
(3)
من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم
(4)
، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا». ومثله في «صحيح مسلم»
(5)
عن جابر.
(1)
بياض في الأصل قدر ثلاث كلمات، والمثبت من ط. الفقي.
(2)
سبق قول الشافعي من «الأم» ، وانظر قول مالك في «الموطأ» (1440)، و «الذخيرة» (13/ 342)، وقول أبي حنيفة في «الموطأ» برواية الشيباني (872).
(3)
البخاري (67، 105، 1741، ومواضع أخرى)، ومسلم (1679).
(4)
في «الطبعتين» : «عليكم حرام» خلافًا للأصل، والمثبت من الأصل موافق لرواية مسلم (1679/ 29).
(5)
رقم (1218/ 147).
الرابع: ما في «الصحيح»
(1)
عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» .
الخامس: ما رواه البيهقي
(2)
بإسناد صحيح من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع، فذكر الحديث وفيه:«ولا يحل لامرئٍ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيبِ نفسٍ» .
السادس: ما رواه مسلم في «صحيحه»
(3)
: عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام فقال:«لا يحلبنَّ أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه، أَيحبُّ [ق 149] أحدكم أن تُؤتى مَشْرُبَتُه، فيكسر باب خزانته؟» الحديث.
السابع: أن هذا مال من أمواله، فكان محترمًا كسائر أمواله.
قال الأولون: ليس في شيء مما ذكرتم ما يعارِض أحاديث الجواز، إلا حديث ابن عمر، فإنه في الظاهر مخالف لحديث سمرة. وسيأتي بيان الجمع بينهما إن شاء الله.
أما قوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29]، فلا يتناول محل النزاع، فإن هذا أكل بإباحة الشارع، فكيف يكون باطلًا؟! وليس هذا من باب تخصيص العام في شيء، بل هذه الصورة لم تدخل في
(1)
«صحيح مسلم» (2564/ 32).
(2)
«السنن الكبرى» (6/ 96 - 97) عن الحاكم في «مستدركه» (1/ 93). وفي إسناده إسماعيل بن أبي أويس وأبوه، وفيهما لين، ولكن له شواهد يصحّ به. انظر:«إرواء الغليل» (1459).
(3)
رقم (1726) بلفظ قريب، وأخرجه البخاري (2435) أيضًا.
الآية، كما لم يدخل فيها أكلُ الوالد مالَ ولده.
وأيضًا: فالآية إنما تدل على تحريم الأكل بالباطل الذي لم يأذن فيه الشارع ولا المالك، فإذا وُجد الإذن الشرعي أو الإذن من المالك لم يكن باطلًا. ومعلوم أن إذن الشرع أقوى من إذن المالك، فما أذِن فيه الشرعُ أَحَلُّ مما أذن فيه المالك، ولهذا كانت الغنائم من أحل المكاسب وأطيبها
(1)
، ومالُ الولد بالنسبة إلى الأب من أطيب المكاسب، وإن لم يأذن الولد
(2)
.
وأيضًا: فإنه من المستحيل أن يأذن النبي صلى الله عليه وسلم فيما حرَّمه الله ومنع منه، فعُلم أن الآية لا تتناول محل النزاع أصلًا.
وبهذا خرج الجواب عن الدليل الثاني، وهو كونه مالَ يتيمٍ، مع أن قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء:10] يدل على أنه إنما يستحق الوعيد مَن أكلها أكلًا غيرَ مأذونٍ فيه شرعًا، فأما ما أذن فيه الشارع منها فلا يتناوله الوعيد. ولهذا كان للفقير أن يأكل منها أقل الأمرين مِن حاجته أو قَدْرِ عمله، لمَّا لم يكن ذلك ظلمًا لإذن الشارع فيه.
وهذا هو بعينه الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم
(1)
كما في الحديث المشهور المتفق عليه: «أحلت لي الغنائم» . وفي حديث آخر مُرسل بإسناد ضعيف: «أطيب كسب المسلم سهمه في سبيل الله
…
». أخرجه سعيد بن منصور (2886).
(2)
كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا وولدًا، وإن والدي يجتاح مالي. قال:«أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم» . أخرجه أحمد (6678)، وأبو داود (3530) واللفظ له، وابن ماجه (2292) من طرق عن عمرو به.
حرام»، فإن التحريم إنما يتناول
(1)
ما لم يقع فيه الإذن من الشارع ولا المالك، وأما ما أَذِن فيه منه فليس بحرام.
ولهذا يُنتزع منه الشِّقْص المشفوع بغير رضاه، لإذن الشارع. ويُنتزع منه ما تدعو إليه ضرورة من طعام أو شراب، إما مجّانًا على أحد القولين، أو بالمعاوضة على القول الآخر. ويُكرَه على إخراج ماله لأداء ما عليه من الحقوق، وغير ذلك. وهذه الصور وأمثالها ليست مستثناةً من هذه النصوص، بل النصوص لم تتناولها، ولا أريدت بها قطعًا.
وأما حديث ابن عمر: «لا يحلبنَّ أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه» ، فحديث صحيح متفق على صحته.
وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في جواز احتلاب الماشية للشرب ــ ولا خلاف في مذهبه أنه لا يجوز احتلابها لغيره وهو كالخبنة في الثمار ــ فمنعه في إحدى الروايتين أخذًا بحديث ابن عمر، وجوّزه في الأخرى أخذًا بحديث سمرة
(2)
.
ومن رجّح المنع قال: حديث ابن عمر أصح، فإن حديث سمرة من رواية الحسن عنه، وهو مختلف في سماعه منه. وأما حديث ابن عمر، فمِن رواية الليث وغيره عن نافع عنه، ولا ريب في صحته.
قالوا: والفرق بينه وبين الثمرة أن اللَّبَن مخزون في الضرع، كخَزْن الأموال في خزائنها، ولهذا شبَّهها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخبر أن استخراجها
(1)
في الأصل: «تناول» ، والمثبت من (هـ).
(2)
انظر: «المغني» (13/ 336)، و «الإنصاف» (27/ 259 - 261).
من الضروع كاستخراج الأموال من الخزائن بكسرها. وهذا بخلاف الثمرة، فإنها ظاهرة بادية في الشجرة غير مخزونة، فإذا صارت إلى الخِزانة حَرُم الأكل منها إلا بإذن المالك.
قالوا: وأيضًا، فالشهوة تشتد إلى الثمار عند طِيبها، لأن العيون تراها والنفوس شديدة الميل إليها. ولهذا جوز النبي صلى الله عليه وسلم فيها المُزابنة في خمسة أوسقٍ أو دونها في العَرايا لمَّا شَكَوا إليه شهوتهم لها، وأنه لا ثمن بأيديهم
(1)
، بخلاف اللبن فإنه لا يُرى ولا تشتد الشهوة له، كاشتدادها إلى الثمار.
قالوا: وأيضًا، فالثمار لا صنع فيها للآدمي بحال، بل هي خلق الله سبحانه، لم تتولد من كسب آدميٍّ ولا فِعله، بخلاف اللبن فإنه يتولد من عين مال المالك، وهو العَلَف. وإن كانت سائمة، فلا بد من قيامه عليها ورَعْيه إياها، ومراعاته لها كل وقت. وهذا وإن كان في الثمار، إلا أنه بالنسبة إلى الماشية قليل جدًّا، فإنه لا يحتاج أن يقوم على الشجر كل يوم، فمؤنتها أقل من مؤنة الماشية بكثير. فهي بالمباحات أشبه من ألبان المواشي، إلا أن اختصاص أربابها بأرضها وشجرها أخرجها عن حكم المباحات المشتركة التي يسوغ أكلُها ونقلها، فعَمِلَ الشَّبَهُ في الأكل الذي لا يُجحِف بالمالك دون النقل المضرِّ له.
فهذه الفروق إن صحت، بطل إلحاق الثمار بها في المنع، وكان المصير
(1)
ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في العرايا ثابت في البخاري (2189 - 2191) ومسلم (1539 - 1542) من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، ولكن اختلف في تفسير العرايا وعلة ترخيصها، وما ذكره المؤلف هنا هو أرجح القولين في ذلك. انظر كلام الترمذي عقب الحديث (1302)، و «الأموال» لأبي عبيد (2/ 153 وما بعدها).
إلى حديث المنع في اللبن أولى. وإن كانت غير مؤَثِّرة ولا فرق بين البابين، كانت الإباحة شاملةً لهما. وحينئذ فيكون حديث النهي متناولًا للمُحتَلِب غير الشارب، بل محتلبه كالمتخذ خبنةً من الثمار، وحديث الإباحة متناول للمحتلب الشارب فقط دون غيره.
ويدل على هذا التفريق قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سمرة: «فليحتلب وليشرب ولا يحمل» ، فلو احتلب للحمل كان حرامًا عليه. فهذا هو الاحتلاب المنهي عنه في حديث ابن عمر. والله أعلم.
ويدل عليه أيضًا: أن في حديث المنع ما يشعر بأن النهي إنما هو عن نقل اللبن دون شربه، [ق 150] فإنه قال:«أيحب أحدكم أن تؤتى مَشْرُبَتُه فيُكسر باب خِزانته فينتقل طعامه؟» .
ومما يدل على الجواز: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلَّق؟ فقال: «من أصاب منه من ذي حاجةٍ غيرِ متخذ خبنة، فلا شيء عليه»
(1)
. وهو من رواية محمد بن عجلان عن عمرو، ومحمد بن عجلان احتج به مسلم. والحديث حسن، خرجه أهل السنن.
فإن قيل: فهذا دليل على جواز أكل المحتاج، ونحن نقول: له أن يأكل عند الضرورة وعليه القيمة، وقوله:«لا شيء عليه» هو نفي للعقوبة لا للغُرْم.
فالجواب: أن هذا الحديث روي بوجهين:
أحدهما: «وإن أكل بفيه ولم يأخذ فيتخذ خبنة، فليس عليه شيء»
(2)
.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
هذا لفظ البيهقي (9/ 359)، وبنحوه عند ابن أبي شيبة (20678) وأحمد (6936).
وهذا صريح في أن الآكل لا شيء عليه، وإنما يجب الضمان على من اتخذ خبنة. ولهذا جعلهما قسمين.
واللفظ الثاني قوله: «ومن أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيءٍ منه فعليه غرامة مِثلَيه والعقوبة»
(1)
. وهذا صريح في أن الآكل منه لحاجة لا شيء عليه، وأن الضمان إنما يجب على المُخْرِج منه غيرَ ما أكله. والمنازعون لا يفرِّقون، بل يوجبون الضمان على الآكل والمُخْرج معًا، ولا يفرّقون فيه بين المحتاج وغيره. وهذا جمع بين ما فرق الرسول بينه، والنص صريح في إبطاله. فالحديث حجة على اللفظين معًا.
فإن قيل: فالمجوزون لا يخصّون الإباحة بحال الحاجة، بل يجوزون الأكل للمحتاج وغيره، فقد جمعوا بين ما فرَّق الشارع بينه.
قيل: الحاجة المسوِّغة للأكل أعمُّ من الضرورة، والحكم معلَّق بها، ولا ذكر للضرورة فيه، وإنما الجواز دائر مع الحاجة، وهو نظير تعليق بيع العرايا بالحاجة، فإنها الحاجة إلى أكل الرطب، ولا تُعتبَر الضرورة اتفاقًا، فكذلك هنا. وعلى هذا، فاللفظ قد خرج مخرج الغالب، وما كان كذلك فلا مفهوم له اتفاقًا.
ومما يدل على الجواز أيضًا: حديث رافع بن عمرو الذي ذكره أبو داود في الباب
(2)
، وقد صححه الترمذي. ولا يصح حمله على المضطر لثلاثة
(1)
هذا لفظ أبي داود.
(2)
في الأصل: «الكتاب» ، والتصحيح من (هـ)، والحديث برقم (2622) عن رافع بن عمرٍو الغفاري قال: كنتُ غلامًا أرمي نخل الأنصار فأتي بي النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: «يا غلامُ، لم ترمي النخل؟» قال: آكل. قال: «فلا ترمِ النخلَ، وكُلْ مما يسقط في أسفلها» ثم مسح رأسه فقال: «اللهم أشبِع بَطْنه» . ورواه الترمذي (1288) من طريق آخر وقال: «حسن صحيح غريب» . وفي كلا الإسنادين راويان غفاريان تُجهل حالهما، ولكن وروده من طريقين مختلفين رواة كليهما من عشيرة صاحب القصة يدل على أن للقصة أصلًا. والله أعلم.
أوجه:
أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق له الأكل، ولم يقل: كُلْ إذا اضطُرِرتَ، واتْرُك عند زوال الضرورة، كما قال تعالى في الميتة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله عن ركوب هَدْيه:«ارْكَبْها بالمعروف إذا أُلْجِئتَ إليها حتى تجد ظَهرًا»
(1)
.
الثاني: أنه لو كانت الإباحة إنما هي لأجل الضرورة فقط لثبت البدل في ذمته، كسائر الأموال، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره ببدل، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
الثالث: أن لفظ الحديث في كتاب أبي داود ليس فيه للضرورة ذكر، فإنه قال:«يا غلام لِمَ ترمي النخلَ؟» قال: آكل، فقال:«لا ترم النخل، وكل ما يسقط» . فأخبره أنه يرميها للأكل لا للحمل، فأباح له أكلَ المتساقط، ومنعه من الرمي لما فيه من كثرة الأذى.
ورواه الترمذي، ولفظه: قال: «يا رافع لِمَ ترمي نخلهم؟» قال: قلت: يا رسول الله الجوع، قال:«لا ترمِ، وكل ما وقع، أشبعك الله» . فهذا اللفظ ليس معارِضًا للأول. وكلاهما يدل على إباحة الأكل، وأن الإباحة عند الجوع أولى.
ومما يدل على الجواز أيضًا: حديث عبّاد بن شُرَحبِيل، وقد ذكره
(1)
أخرجه مسلم (1324) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
أبو داود في الباب
(1)
، وهو صحيح الإسناد، والاستدلال به في غاية الظهور. وقد تكلف بعض الناس رَدَّه بأنه لم يحدِّث به غيرُ
(2)
أبي بِشر جعفر بن إياس. وهذا تكلّف بارد، فإن أبا بشر هذا من الحفاظ الثقات الذين لم تُغْمَز قناتهم.
وتكلَّف آخرون ما هو أبعد من هذا فقالوا: الحديث رواه ابن ماجه والنسائي ولفظه: «فأمره النبي صلى الله عليه وسلم،فرد إليه ثوبه، وأمر له بوَسْقٍ من طعام»
(3)
. قالوا: فالمأمور له بالوَسْق هو الأنصاري صاحب الحائط، وكان هذا تعويضًا من النبي صلى الله عليه وسلم عن سنبله.
وهذا تَناكُدٌ بيِّن، فإن المأمور له بالوسق إنما هو آكل السنبل عبّاد بن شرحبيل، والسياق لا يدل إلا عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم رد إليه ثوبه وأطعمه وسقًا. ولفظ أبي داود صريح في ذلك، فإنه قال:«فرد عليَّ ثوبي وأعطاني وَسْقًا» .
(1)
برقم (2620) عن أبي بِشر (جعفر بن إياس) عن عبّاد بن شرحبيل قال: أصابتني سنة فدخلتُ حائطًا من حيطان المدينة ففركتُ سنبلًا فأكلتُ وحملتُ في ثوبي، فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:«ما علَّمتَ إذ كان جاهلًا، ولا أطعمتَ إذ كان جائعًا ــ أو قال: ساغِبًا ــ» ، وأمره فردّ عليَّ ثوبي وأعطاني وَسْقًا أو نصف وسقٍ من طعام. وأخرجه أحمد (17521)، والنسائي (5409)، وابن ماجه (2298)، والحاكم (4/ 133) وقال: صحيح الإسناد.
(2)
في الأصل: «عن» تصحيف ما أثبته، ثم وجدته على الصواب في (هـ) ولله الحمد، وفي هامش الأصل بخط مغاير:«إلا» ، وأشير إليه بخط منعطف بعد «أبي بشر» ، فصارت العبارة كما ط. الفقي:«عن أبي بشر إلا جعفر بن إياس» ، وهو خطأ محض فإن أبا بشر هو جعفر. وفي ط. المعارف:«إلا عن أبي بشر جعفر بن إياس» .
(3)
هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ النسائي:«وأمر لي» .
ومما يدل على الجواز أيضًا: ما رواه الترمذي
(1)
: حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن سُلَيم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من دخل حائطًا فليأكل، ولا يتخذ خبنة» .
وهذا الحديث وإن كان معلولًا، كما
(2)
قال الترمذي في كتاب «العلل الكبير»
(3)
له: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبيد الله يَهِم فيها. تم كلامه، وقال يحيى بن معين
(4)
: هذا الحديث غلط، وقال أبو حاتم الرازي
(5)
في
(6)
يحيى بن سليم هذا: محله الصدق وليس بالحافظ ولا يحتج به، وقال النسائي
(7)
: ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر
(8)
= ولكن لو حاكَمْنا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم، لكان هذا الحديث حجّةً على قولهم، لأن يحيى بن سليم من رجال «الصحيحين» ، وهو لو انفرد بلفظةٍ أو رفعٍ أو اتصالٍ خالفه غيرُه فيه لحكموا له ولم يلتفتوا إلى من خالفه، [ق 151] ولو كانوا
(9)
أوثق وأكثر، فكيف إذا روى ما لم يخالَف فيه، بل له أصول ونظائر؟
(1)
برقم (1287)، وقد سبق تخريجه.
(2)
«كما» سقطت من الأصل، واستدركت من (هـ).
(3)
(ص 192).
(4)
أسنده عنه البيهقي (9/ 359).
(5)
«الجرح والتعديل» (9/ 156).
(6)
«في» سقطت من الأصل، واستدركت من (هـ).
(7)
انظر: «تهذيب الكمال» (8/ 48).
(8)
في الأصل وطبعة الفقي: «عمرو» ، خطأ.
(9)
في الطبعتين: «كان» خلافًا للأصل.
ولكنا لا نرضى بهذه الطريقة، فالحديث عندنا معلول، وإنما سقناه اعتبارًا لا اعتمادًا. والله أعلم.
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه أبو عبيد القاسم في «الغريب»
(1)
عن ابن جريج عن عطاء قال: «رخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم للجائع المضطر إذا مرّ بالحائط أن يأكل منه ولا يتخذ خبنة» ، وهذا التقييد يبين المراد من سائر الأحاديث؟
قيل: هذا من المراسيل التي لا يحتج بها، فضلًا عن أن يعارَض بها المسندات الصحيحة، ثم ولو كان حجة فهو لا يخالف ما ذكرنا من الأحاديث، بل منطوقه يوافقها
(2)
، ومفهومه يدل على أن غير المضطر يخالف المضطر في ذلك، وهذا حق، والمفهوم لا عموم له، بل فيه تفصيل.
ومما يدل على الجواز: حديث أبي سعيد وقد تقدّم، وإسناده على شرط مسلم، ورواه ابن حبان في «صحيحه» . وأما تعليل البيهقي له بأن سعيدًا الجُرَيري تفرد به، وكان قد اختلط في آخر عمره، والذي رواه عنه يزيد بن هارون، وإنما روى عنه بعد
(3)
الاختلاط= فجوابه من وجهين.
أحدهما: أن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هارون على روايته
(4)
. ذكره البيهقي
(5)
أيضًا. وسماع حماد منه قديم.
(1)
(4/ 160)، ومن طريقه البيهقي (9/ 360).
(2)
في الطبعتين: «يوافقنا» خلافًا للأصل.
(3)
ط. المعارف: «بعض» تحريف سماعي.
(4)
أخرجه أحمد (11045).
(5)
«السنن الكبرى» (9/ 360).