الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأول اختيار عامة الأصحاب. والصحيح: الجواز، لما تقدم.
قال عبد الله بن زيد: قدمت على علي بن حسين فقلت له: إني أجُذُّ نخلي، وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيَقْدَمون بالحنطة وقد حلّ الأجل فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم وأُقاصّهم؟ قال:«لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك على رأي»
(1)
، يعني إذا لم يكن حيلة مقصودة. فهذا شراء للطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول، فصحَّ لأنه لا يتضمن ربا نسيئةٍ ولا تفاضل.
والذين يمنعون ذلك يجوِّزون أن يشتري منه الطعام بدراهم، ويُسلِّمها إليه، ثم يأخذها منه وفاء، أو يشتريه
(2)
منه بدراهم في ذمته، ثم يُقاصُّه بها. ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم التي له في ذمته أيسر من هذا وأقل كلفة، والله أعلم.
15 -
باب في بيع الطعام قبل أن يُستوفَى
401/ 3346 - عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعامًا فلا يَبِعْه حتى يستوفيه» .
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه
(3)
.
402/ 3347 - وعنه أنه قال: كُنَّا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام، فَيَبعَثُ علينا من يأمُرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن
(1)
ذكره في «المغني» (6/ 264)، ولم أقف عليه مسندًا.
(2)
ط. الفقي: «نسيئة» ، خطأ.
(3)
أبو داود (3492)، والبخاري (2126)، ومسلم (1526/ 32)، والنسائي (4595)، وابن ماجه (2226)، من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر.
نبيعَه ــ يعني جُزافًا ــ».
وأخرجه مسلم والنسائي
(1)
.
403/ 3348 - وعنه قال: كانوا يتبايعون الطعام جُزَافًا بأعلى السُّوق، فنهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يَنقلوه.
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه
(2)
بنحوه.
404/ 3349 - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكَيلٍ حتى يستوفيه.
وأخرجه النسائي
(3)
.
405/ 3350 - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن ابتَاعَ طَعَامًا فلا يَبيعه حتى يكتاله» .
406/ 3351 - وفي رواية: قلت لابن عباس: لِمَ؟ قال: ألا ترى أنهم يتبايعون بالذهب والطعام مُرْجَأٌ؟
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه
(4)
بنحوه.
(1)
أبو داود (3493)، ومسلم (1527/ 33)، والنسائي (4605)، من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر.
(2)
أبو داود (3494)، والبخاري (2167)، ومسلم (1526/ 34)، والنسائي (4606). وابن ماجه (2229)، من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر.
(3)
أبو داود (3495)، والنسائي (4604)، من طريق القاسم بن محمد عن ابن عمر.
(4)
أبو داود (3496)، والبخاري (2132)، ومسلم (1525/ 31)،والترمذي (1291)، والنسائي (4597)، وابن ماجه (2227).
407/ 3352 - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشترى أحدُكم طعامًا فلا يَبِعْه حتى يقبضه» .
408/ 3353 - وفي رواية: «يستوفيه» .
409/ 3354 - وفي رواية: وقال ابن عباس: وأحسب كلَّ شيء مثلَ الطعام.
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه
(1)
بنحوه.
410/ 3355 - وعن ابن عمر قال: رأيت الناس يُضرَبون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا الطعام جِزافًا أن يبيعوه حتى يُبلِّغَه إلى رَحْله.
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي
(2)
.
411/ 3356 - وعنه قال: ابتعتُ زيتًا في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به رِبحًا حسنًا، فأردتُ أن أضربَ على يده، فأخذ رجلٌ من خَلفي بذراعي فالتفتُّ فإذا زيدُ بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعْتَه حتى تَحُوزه إلى رَحْلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تُباع السِّلَعُ حيثُ تبتاع، حتى يَحُوزَها التجَّار إلى رحالهم
(3)
.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى البيهقي في «سننه»
(4)
من حديث شيبان
(1)
أبو داود (3497)، والبخاري (2135)، ومسلم (1525/ 30)،والترمذي (1291)، والنسائي (4600)، وابن ماجه (2227).
(2)
أبو داود (3498)، والبخاري (2131)، ومسلم (1527/ 37)، والنسائي (4608)، من طريق الزهري عن سالم عن أبيه.
(3)
«سنن أبي داود» (3499)، وفي إسناده لين.
(4)
(5/ 313) من طريق شيبان، عن يحيى بن أبي كثير به، ثم قال: «هذا إسناد حسن متصل، وكذلك رواه همام بن يحيى، وأبان العطار، عن يحيى بن أبي كثير، وقال أبان
…
(فذكر لفظه)، وبمعناه قال همام». قلت: رواية همام مخرجة عند ابن حبان (4983)، ورواية أبان عند الدارقطني (2820).
وهمّام وأبان العطار عن يحيى بن أبي كثير، عن يعلى بن حكيم، عن يوسف بن ماهَك، عن عبد الله بن عِصمة، عن حكيم بن حِزام قال: قلت: يا رسول الله، إني أبتاع هذه البيوع، فما يحلّ لي منها وما يحرم عليّ؟ قال:«يا ابن أخي، لا تبع شيئًا حتى تقبضه» ، [ق 189] ولفظ حديث أبان:«إذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه» . وهذا إسناد على شرطهما سوى عبد الله بن عصمة، وقد وثَّقه ابن حبان واحتج به النسائي.
وروى النسائي
(1)
من حديث عطاء بن أبي رباح عن حزام بن حكيم قال: قال حكيم بن حزام: ابتعت طعامًا من طعام الصدقة، فربحت فيه قبل أن أقبضه، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال:«لا تبِعْه حتى تقبضه» .
وفي «صحيح مسلم»
(2)
عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يبيع الرجل طعامًا حتى يستوفيه.
وفيه
(3)
من حديث أبي هريرة يرفعه: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله» .
قال ابن المنذر
(4)
: أجمع العلماء على أن من اشترى طعامًا فليس له
(1)
«المجتبى» (4603) و «الكبرى» (6152) بإسناد صحيح.
(2)
رقم (1529).
(3)
رقم (1528).
(4)
في «الأوسط» (10/ 146)، و «الإشراف» (6/ 50).
بيعه حتى يقبضه.
وحُكي ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعًا
(1)
. وأما ما حكي عن عثمان البتّي من جوازه، فإن صح لم يُعتدَّ به
(2)
.
فأما غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة:
أحدها: أنه يجوز بيعه قبل قبضه، مكيلًا كان أو موزونًا. وهذا مشهور مذهب مالك، واختاره أبو ثور وابن المنذر
(3)
.
والثاني: أنه يجوز بيع الدُّور والأرض قبل قبضها، وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف
(4)
.
والثالث: ما كان مكيلًا أو موزونًا فلا يصح بيعه قبل القبض، سواء أكان مطعومًا أم لم يكن. وهذا يروى عن عثمان رضي الله عنه
(5)
. وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق
(6)
. وهو المشهور
(1)
انظر: «الموطأ» (1870) و «شرح معاني الآثار» (4/ 36).
(2)
انظر: «التمهيد» (13/ 334)، و «المغني» (6/ 188 - 189).
(3)
انظر: «المدونة» (9/ 87)، و «الإشراف» (6/ 51)، و «الأوسط» (10/ 149).
(4)
انظر: «المبسوط» (13/ 9)، و «بدائع الصنائع» (5/ 180 - 181).
(5)
أخرجه عنه ابن أبي شيبة (22919)، وابن المنذر في «الأوسط» (10/ 149).
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة (22920، 22921، 22926) عن ابن المسيب والحكم وحماد بن أبي سليمان. وقول إسحاق في «مسائله» برواية الكوسج (2/ 6، 21، 22، 77). وانظر: «الإشراف» (6/ 51)، و «الأوسط» (10/ 149)، و «التمهيد» (13/ 330).
من مذهب أحمد بن حنبل
(1)
.
والرابع: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال. وهذا مذهب ابن عباس
(2)
والشافعي
(3)
ومحمد بن الحسن
(4)
. وهو إحدى الروايات عن أحمد. وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره.
وقد اختلف أصحاب أحمد في منعه من بيع المكيل والموزون قبل قبضه على ثلاثة طرق:
أحدها: أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن، كرَطْلٍ من زُبْرَةٍ، أو قفيز من صُبْرَة. وهذه طريقة القاضي، وصاحب «المحرر» وغيرهما. وعلى هذا: فمنعوا بيع ما تعلق به حقُّ توفية وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، كمن اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع أو قطيعًا كلُّ شاةٍ بدرهم.
والطريقة الثانية: أن المراد به ما كان مكيل الجنس وموزونَه، وإن اشتراه جُزافًا كالصُّبْرة، وزُبْرة الحديد، ونحوهما.
والطريقة الثالثة: أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب نصَّ عليه في رواية مُهنّا، فقال: كل شيء يباع قبل قبضه، إلا ما كان يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب.
(1)
نصّ عليه الإمام في «مسائله» برواية أبي داود (ص 275). وانظر: «الإنصاف» (11/ 493 وما بعده).
(2)
كما سبق قوله في أحاديث الباب: «وأحسب كل شيء مثل الطعام» .
(3)
«والشافعي» ساقط من ط. الفقي. وقوله في «الأم» (4/ 144).
(4)
انظر: «الموطأ» بروايته (ص 270).
فصار في مذهبه أربع روايات:
إحداها
(1)
: أن المنع مختص بما يتعلق به حق التوفية.
الثانية: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوم.
الثالثة: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعومًا كان أو غيره.
الرابعة: أنه عام في كل مبيع.
والصحيح هو هذه الرواية لوجوه:
أحدها: حديث حكيم بن حزام: قلت: يا رسول الله إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: «يا ابن أخي لا تبع شيئا حتى تقبضه» . وقد ذكرنا الكلام عليه.
الثاني: ما ذكره أبو داود في الباب من حديث زيد بن ثابت: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع» . وإن كان فيه محمد بن إسحاق، فهو الثقة الصدوق، وقد استوفينا الكلام عليه في الرد على الجهمية من هذا الكتاب
(2)
.
فإن قيل: الأحاديث كلها مقيدة بالطعام سوى هذين الحديثين، فإنهما مطلَقان أو عامّان، وعلى التقديرين فنقيّدهما بأحاديث الطعام أو نخصهما بمفهومها
(3)
جمعًا بين الأدلة، وإلا لزم إلغاء وصف الحكم، وقد عُلِّقَ به
(1)
في الأصل: «أحدها» ، والمثبت موافق للطبعتين.
(2)
(3/ 229 - 234).
(3)
في الأصل و (هـ) وط. المعارف: «بمفهومهما» ، ولعل المثبت من ط. الفقي هو الصواب، إذ المراد: نخص الحديثين العامَّين بمفهوم أحاديث الطعام، أي بمفهوم المخالفة لها.
الحكم.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن ثبوت المنع في الطعام بالنص، وفي غيره إما بقياس النظير، كما صح عن ابن عباس أنه قال:«ولا أحسب كلَّ شيء إلا بمنزلة الطعام» ؛ أو بقياس الأولى، لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى. وهذا مسلك الشافعي ومن تبعه.
الجواب الثاني: أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هو مستفاد من مفهوم اللقب، وهو لو تجرد لم يكن حجةً، فكيف وقد عارضه عمومُ الأحاديث المصرِّحة بالمنع مطلقًا، والقياسُ المذكور؟ حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلًا على المنع، والقياس في هذا يمكن تقديره من طريقين:
أحدهما: قياس بإبداء الجامع، ثم للمتكلمين فيه طريقان، أحدهما: أنه قياس تسوية، والثاني: أنه قياس أولويّة.
والثاني من الطريقين الأولين: قياس بإلغاء الفارق، فإنه لا فارق بين الطعام وغيره في ذلك، إلا ما لا يقتضي الحكم وجودًا ولا عدمًا، فافتراق المجلس فيها عديم التأثير. يوضحه: أن المسالك التي اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه موجودةٌ بعينها في غيره، كما سيأتي بيانه.
قال المخصِّصون للمنع: تعليق النهي عن ذلك بالطعام يدل على أنه هو
العلة، لأن الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخصُّ عديمَ التأثير، فكيف يكون المنع عامًّا، فيعلِّقه الشارع بالخاص؟
قال المُعمِّمون: لا تنافي بين الأمرين، [ق 190] فإن تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فيثبت التعارض، ويحتمل أن يكون لغرضٍ دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به؛ إما لحاجة المخاطَب، وإمّا لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فخرج ذِكْرُ الطعام مخرَجَ الغالب فلا مفهوم له. وهذا هو الأظهر، فإن غالب تجاراتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملًا، فقد تعارض الاحتمالان، والأحاديث العامة لا معارض لها فتعيَّن القول بموجَبها.
قال المخصصون: لا يمكنكم القول بعموم المنع، فإنه قد ثبت بالسنة جوازُ التصرف في غير الطعام قبل قبضه بالبيع، وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه والمصارفة عليه.
قال المعممون: الجواب من وجهين.
أحدهما: الفرق بين الثمن في الذمة والمبيع المتعيّن من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن الثمن مستقرّ في الذمة لا يتصور تلفه، والمبيع
(1)
ليس كذلك، نعم لو كان الثمن معيّنًا لكان بمنزلة المبيع المتعين.
(1)
في الأصل و (هـ) والطبعتين: «والبيع» ، ولعل الصواب ما أثبت.
الثاني: أن بيع الثمن هاهنا إنما هو ممن في ذمته ليس بيعًا
(1)
لغيره، فلو باع الثمن قبل القبض لغير من هو في ذمته لم يَجُزْ في أحد قولي الشافعي، وهو الذي رجحه الرافعي
(2)
وغيره من أصحابه.
الثالث: أن العلل التي لأجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتفية في الثمن بأسرها، فإن المآخذ ثلاثة:
إما عدم استقرار المبيع، وكونه عرضةً للتلف وانفساخ العقد، وهذه العلة مأمونة بكون الثمن في الذمة.
وإما أن عُلَقَ البائع لم تنقطع عن المبيع، وهذه العلة أيضًا منتفية هاهنا.
وإما أنه عرضةٌ للربح وهو مضمون على البائع، فيؤدي إلى ربح ما لم يضمن. وهذه العلة أيضًا منتفية في الثمن، فإنه إنما يجوز له الاستبدال به بسعر يومه، كما شرطه النبيُّ صلى الله عليه وسلم لئلا يربح فيما لم يضمن. ولا يمكن أن يقال مثل هذا في السِّلَع، لأنه إنما اشتراها للربح، فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن لم يكن في الشراء فائدة، بخلاف الأثمان فإنها لم توضع للربح، وإنما وضعت رؤوسًا للأموال، لا مَورِدًا للكسب والتجارة.
قال المخصِّصون: قد سلمتم نفوذ العتق قبل القبض، وهو تصرُّف يزيل الملك، فما الفرق بينه وبين البيع الناقل للملك؟
قال المعمِّمُون: الفرق بينهما أن الشارع جعل للعتق من القوة والسِّراية والنفوذ ما لم يجعل لغيره، حتى أدخل الشِّقْص الذي للشريك في ملك
المُعتِق قهرًا وأعتقه عليه قهرًا، وحتى أعتق عليه ما لم يُعتقه لقوّته ونفوذه، فلا يصح إلحاق غيره من التصرفات به.
قال المخصصون: قد جوَّزتم بيع الملك قبل قبضه في صور: إحداها
(1)
: بيع الميراث قبل قبض الوارث له.
الثانية: إذا أخرج السلطان رزق رجل فباعه قبل أن يقبضه.
الثالثة: إذا عُزِل سهمُه من الغنيمة
(2)
فباعه قبل أن يقبضه.
الرابعة: ما ملكه بالوصية، فله أن يبيعه بعد القبول وقبل القبض.
الخامسة: غَلَّة ما وُقِف عليه، له أن يبيعها قبل أن يقبضها.
السادسة: الموهوب للولد إذا قبضه ثم استرجعه الوالد، فله أن يبيعه قبل قبضه.
السابعة: إذا أثبت صيدًا ثم باعه قبل القبض جاز.
الثامنة: الاستبدال بالدَّين من غير جنسه، هو بيع قبل القبض.
نصَّ الشافعي
(3)
على الميراث والرزق يخرجه السلطان، وخُرِّج الباقي على نصه.
التاسعة: بيع المهر قبل قبضه جائز، وقد نص أحمد
(4)
على جواز هبة
(1)
في الأصل وط. المعارف: «أحدها» .
(2)
«من الغنيمة» من (هـ).
(3)
في «الأم» (4/ 146).
(4)
كما في «المستوعب» (1/ 621)، والمؤلف صادر عنه.
المرأة صداقها من زوجها قبل قبضه.
العاشرة: إذا خالعها على عوضٍ جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب «المستوعب»
(1)
وغيره. وقال أبو البركات في «المحرر»
(2)
: هو كالبيع، يعني في عدم جواز التصرف فيه قبل القبض.
الحادية عشرة: إذا أعتقه على مالٍ جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب «المستوعب»
(3)
.
الثانية عشرة: إذا صالحه عن دم العمد بمال جاز التصرف فيه قبل قبضه، وكذلك إذا أتلف له مالًا وأخرج عوضه. ومنع صاحب «المحرر»
(4)
من ذلك كله، وألحقه بالمبيع.
قال المعممون: الفرق بين هذه الصور وبين التصرف في المبيع قبل قبضه: أن الملك فيه غير مستقر، فلم يُسلَّط على التصرف في ملك مزلزل، بخلاف هذه الصور، فإن الملك فيها مستقر غير معرَّض للزوال، على أن المعاوضات فيها غير مجمَع عليها، بل مختلَف فيها كما ذكرناه.
وفيها طريقان لأصحاب أحمد:
أحدهما: طريقة صاحب «المستوعب» ، وهي أن كل عقد مُلِّكَ به العوض، فإن كان ينتقض بهلاك العوض قبل قبضه، كالإجارة والصلح عن
(1)
(1/ 621)
(2)
(1/ 323).
(3)
(1/ 621).
(4)
(1/ 323).
المبيع، فحكمه في جواز التصرف فيه حكم العوض المتعين بعقد البيع؛ وإن كان العقد لا [ق 191] ينتقض بهلاك العوض المتعين به، كالمهر، وعوض الخلع والعتق، والصلحِ عن دم العمد، فحكمه حكم المملوك بعقد البيع
(1)
وما مُلِّك بغير عوض كالميراث والوصية والهبة، فالتصرف فيه جائز قبل قبضه.
قال المخصصون: قد ثبت في «صحيح البخاري»
(2)
عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنت على بَكر صعب لِعُمَر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويردّه، ثم يتقدم فيزجره ويقول لي: أَمْسِكه، لا يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«بعْنيه يا عمر» ، فقال: هو لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «بِعنيه» ، فباعه منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«هو لك يا عبدَ الله فاصنع به ما شئت» . فهذا تصرف في المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه.
قال المعممون: لا ريب أن هذا تصرف فيه بالهبة لا بالمعاوضة. ونحن لنا في مثل هذا التصرف قبل القبض خلاف، فمن أصحابنا من يجوّزه ويفرّق بين التصرف فيه بالبيع والتصرف بالهبة، ويُلحق الهبة بالعتق، ويقول: هي
(1)
كذا في الأصل، وفيه نظر، فإنه قد سبق آنفًا أن العقد الذي ينتقض بهلاك العوض المتعين هو الذي يكون حكمه حكم المملوك بعقد البيع في عدم جواز التصرف قبل قبضه، والكلام هنا على العقد الذي لا ينتقض بهلاك العوض المتعين. ولعل صواب العبارة: «فحكمه حكم المملوك بالقرض وما مُلِّك بغير عوض كالميراث
…
». انظر: «المستوعب» (1/ 621).
(2)
برقم (2115).
إخراج عن ملكه لا يتوالى فيه ضمانان، ولا يكون التصرف بها عُرضةً لربح ما لم يضمن، بخلاف البيع.
ومِن أصحابنا من منعها، وقال: العلة المانعة من بَيعه قبل قبضه عدم استقرار الملك وضعفه، ولا فرق في ذلك بين تصرف وتصرف. فإن صحّ الفرق بطل النقض
(1)
، وإن بطل الفرق سوينا بين التصرفات، وعلى هذا فالحديث لا دلالة فيه على التصرف قبل القبض، إذ قبضُ ذلك البعير حصل بالتخلية بينه وبينه، مع تميزه وتعيينه
(2)
، وهذا كاف في القبض.
فصل
(3)
وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان:
إحداهما: ضعف الملك، لأنه لو تلف انفسخ البيع.
والثانية: أن صحته تفضي إلى توالي الضمانين، فإنا لو صححناه كان مضمونًا للمشتري الأول على البائع الأول، وللمشتري الثاني على البائع الثاني، فكيف يكون الشيء الواحد مضمونًا لشخص مضمونًا عليه؟
وهذان التعليلان غير مرضيَّين. أما الأول، فيقال: ما تعنون بضعف الملك؟ إن عَنَيتم به أنه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به، أو أمرًا آخر؟ فإن عنيتم الأول فلِمَ قلتم: إنه مانع من صحة البيع، وأي ملازمة بين الانفساخ بسبب طارئ، وبين عدم الصحة شرعًا أو عقلًا؟ وإن عنيتم بضعف
(1)
ط. الفقي: «القبض» ، وط. المعارف:«البعض» ، كلاهما خطأ، والصواب ما أثبت.
(2)
في الطبعتين: «تعيّنه» ، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل.
(3)
«فصل» ساقط من ط. المعارف.
الملك أمرًا آخر، فعليكم بيانه لننظر فيه.
وأما التعليل الثاني، فكذلك أيضًا، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم، فإن كون الشيء مضمونًا على الشخص بجهة، ومضمونًا له بجهة أخرى غير ممتنع شرعًا ولا عقلًا، ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه، كيف وأنتم تجوّزون للمستأجر إجارة ما استأجره، والمنفعة مضمونة له على المؤجر، وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني.
وكذلك الثمار بعد بُدُوِّ صلاحها إذا بِيعت على أصولها، فهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقي اتفاقًا، وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة عليه عند أحمد ومالك، ومع ذلك فله أن يبيعها على رؤوس الشجر وتصير مضمونةً عليه
(1)
وله.
ولهذا لمّا رأى أبو المعالي الجويني ضعف هذين التعليلين قال
(2)
: لا حاجة إلى ذلك، والمعتمد في بطلان البيع إنما هو الأخبار.
فالشافعي يمنع التصرف في المبيع قبل قبضه، ويجعله من ضمان البائع مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، وأبو حنيفة كذلك إلا في العقار. وأما مالك وأحمد في المشهور من مذهبه
(3)
فيقولان: ما تمكّن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد، فهو من ضمان المشتري، ومالك يجوّز التصرف فيه وأحمد، ويقولان: المُمَكَّن من القبض جارٍ مجرى القبض على تفصيل في
(1)
من قوله: «عند أحمد» إلى هنا ساقط من الأصل لانتقال النظر، واستدرك من (هـ).
(2)
في «نهاية المطلب في دراية المذهب» (5/ 173).
(3)
(هـ): «مذهبهما» .
ذلك. فظاهر مذهب أحمد أن الناقل للضمان إلى المشتري هو التمكّن
(1)
من القبض لا نفسه. وكذلك ظاهر مذهبه أن جواز التصرف فيه ليس ملازمًا للضمان ولا مبنيًّا عليه، ومن ظن ذلك من أصحابه فقد وهم، فإنه يجوِّز التصرف حيث يكون من ضمان البائع، كما ذكرنا في الثمن ومنافع الإجارة، وبالعكس أيضًا، كما في الصُّبرة المعينة. وقد نص الخرقي على هذا وهذا فقال في «المختصر»
(2)
: «وإذا وقع البَيع
(3)
على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه، فهو من مال البائع». ثم قال
(4)
: «ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يَجُز بيعه حتى يقبضه» . ثم قال: «ومن اشترى صُبْرَة طعامٍ لم يبعها حتى ينقلها» . فالصبرة مضمونة على المشتري بالتمكن والتخلية اتفاقًا، ومع هذا لا يبيعها حتى ينقلها، وهذا منصوص أحمد.
فالمأخذ الصحيح في المسألة: أن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، ويُغيره
(5)
الربحُ وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحيُّل على الفسخ ولو ظلمًا، وإلى الخصام والمعاداة؛ والواقعُ شاهد بهذا.
(1)
(هـ): «التمكين» .
(2)
(6/ 181 - مع المغني).
(3)
في الأصل والطبعتين: «المبيع» ، تصحيف.
(4)
(6/ 188 - مع المغني).
(5)
في الأصل والطبعتين: «يغره» ، والتصحيح من (هـ). ومعنى قوله:«يُغيره الربح» أي يجعله يَغار.