الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِن أحسن الناس صوتًا بالقرآن
ويقول: «إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن: الذي إذا سمعتموه يقرأ؛ حسبتموه يخشى الله» .
[أصل صفة الصلاة (2/ 575)]
الأمر بالتغني بالقرآن
وكان يأمر بالتغني بالقرآن؛ فيقول: «تعلَّموا كتاب الله، وتعاهدوه، واقتنوه، وتغنَّوا به؛ فوالذي نفسي بيده! لهو أشد تفلتاً من المخاض في العقل» . ويقول: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» ..
ويقول: «ما أذن الله لشيء ما أَذِنَ «وفي لفظ: كأَذَنِه» لنبي [حسن الصوت، «وفي لفظ: حسن الترنم»] يتغنى بالقرآن؛ [يجهر به]».
قوله: «أذن» : قال الحافظ المنذري: «أذِن - بكسر الذال -؛ أي: ما استمع لشيء من كلام الناس كما استمع الله إلى من تغنى بالقرآن؛ أي: يُحسِّن به صوته. وذهب سفيان بن عيينة وغيره إلى أنه من الاستغناء، وهو مردود» .
وقوله: «يتغنى بالقرآن» ؛ اختُلف في المراد من «التغني» على خمسة أقوال؛ ذكرها في «الفتح» ، والصحيح - كما قال النووي في «شرح مسلم» - أنه: تحسين الصوت، قال:«وهو قول أكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون» .
ويؤيده قوله: «يجهر به» . وكذا قوله: «حسن الترنم» . فإن الترنم - كما قال الطبري - لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ، وطرَّب به. ولذلك قال الحافظ:«وظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت» .
وقال ابن القيم «1/ 193» : «وذلك عَوْنٌ على المقصود، وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعل في الدواء؛ لتُنفِذه إلى موضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِّيب الذي يُجعل في الطعام؛ لتكون الطبيعة أدعى له قَبُولاً، وبمنزلة الطِّيب والتحلِّي وتجمُّل المرأة لبعلها؛ ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح» .
قال السيد رشيد رضا رحمه الله: «كثيراً ما رأينا بعض أدباء النصارى يرغبون في سماع القرآن من القراء المجودين، ويعترفون بقوة تأثيره في القلوب.
وفي «الصحيح» أن المشركين كانوا يؤذون أبا بكر رضي الله عنه، ويمنعونه من الصلاة في المسجد الحرام، ثم حاولوا منعه من رفع صوته بالقرآن في بيته؛ لما رأوا من إقبال الناس - ولا سيما النساء، والأولاد المُدْرِكين - عليه، وتأثير قراءته في نفوسهم. وقد أدرك بعض علماء الإفرنج ما كان لتلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن من التأثير العظيم في جذب العرب إلى الإسلام، واعترف بأنه كان أشد تأثيراً من جميع معجزات الأنبياء في هداية الناس». اهـ.
ثم قال الحافظ: «وكان بين السلف اختلاف في جواز القراءة بالألحان. أما تحسين الصوت وتقديم حَسَنِ الصوت على غيره؛ فلا نزاع في ذلك» . ثم ذكر أقوال العلماء في القراءة بالألحان، وحكى جوازه عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو المنصوص للشافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية. ثم قال:«ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير - قال النووي في «التبيان» : - أجمعوا على تحريمه». اهـ.
وقد ذكر ابن القيم في «الزاد» أقوال الفريقين المبيحين للقراءة بالألحان والمانعين «1/ 191 - 195» ، ثم قال: وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين: أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلُّف، ولا تمرين وتعليم؛ بل إذا خُلِّيَ وطَبْعَه، واسترسلت طبيعته؛ جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيين وتحسين؛ كما قال أبو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: لو علمتُ أنك تسمع؛ لحبّرتُه لك تحبيراً.
والحزين، ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله، وتستحليه؛ لموافقته الطبع، وعدم التكلف، والتصنع؛ فهو مطبوع لا متطبع، وكَلِف لا متكلِّف.
فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه؛ وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به السامع والتالي، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.
الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن؛ كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف؛ فهذه هي التي كرهها السلف، وعابوها، وذموها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها.
وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه. وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعاً أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة؛ التي هي إيقاع، وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها ويُسَوِّغوها، ويعلم قطعاً أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويَحَسِّنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر [مركوز] في الطباع تقاضيه، ولم يَنْهَ عنه الشارع، مع شدة تقاضي الطباع له؛ بل أرشد إليه، وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به.
[أصل صفة الصلاة (2/ 577)]