الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب ما يقرأ بعد التكبير
من الصحاح
570 -
كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير وبين القراءة إسْكاتة، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال:"أقول اللهم باعِدْ بَيني وبين خطايايَ كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من الخطايا والذنوب كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنس، اللهم اغسل خطايايَ بالماءِ والثلج والبَرَد".
قلت: رواه الجماعة كلهم إلا ابن ماجه. (1)
قوله: إسكاتك بين التكبير والقراءة وما تقول، قال في "شرح السنة": إسكاتك إفعال من السكوت، ولم يُرِد به ترك الكلام، بل أراد ترك رفع الصوت بالكلام (2)، ألا تراه يقول: ما تقول في إسكاتك؟ انتهى. وانتصب إسكاتك بإسقاط حرف الجر أي ما تقول: في إسكاتك، ويجوز أن تكون منصوبا على الظرفية تقديره: ما تقول وقت إسكاتك.
571 -
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال: -وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاة كبّر ثم قال-: "وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونسُكي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمين لا شريك له وبذلك أُمِرْت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفتُ بذنبي فأغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا
(1) أخرجه البخاري (744)، ومسلم (598)، وأبو داود (781)، والنسائي (2/ 129)، وابن ماجه (805)، لم أجده في سنن الترمذي.
(2)
إلى هنا انتهى كلام البغوي في شرح السنة (3/ 40).
يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصْرف عني سَيِّئَها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخيرُ كله في يديك، والشَّرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركتَ وتعاليتَ، استغفرك وأتوب إليك"، وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعتُ، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشعَ لك سَمْعي، وبصَري، ومُخِّي، وعَظْمي، وعَصَبي"، وإذا رفع رأسَه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملءَ السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بَعْدُ"، وإذا سجد قال: "اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمت، سجد وجْهِي للذي خلقه وصوّره وشَقّ سَمْعَه وَبَصَره، فتبارك الله أحسن الخالقين"، ثم يكون مِنْ آخِرِ ما يقول بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قَدّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسرَرْت وما أعلنتُ، وما أسرَفْتُ، وما أنت أعلمُ به منّي، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت".
قلت: رواه مسلم (1) في صلاة الليل من حديث عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب ولم يخرجه البخاري.
تنبيه: قد وهِمَ الطبري في الأحكام فنسب هذا الحديث إلى البخاري أيضًا وليس كذلك بل هو فيما انفرد به مسلم عن البخاري.
ووجّهت وجهي: قصدت بعبادتي وتوحيدي إليه، وقوله تعالى:{فأقم وجهك للدين القيم} أي: أقم قصدك، وفطر السماوات والأرض: أي ابتدأ خلقهما على غير مثال سابق وجمع السماوات ووحّد الأرض وإن كانت سبعًا كالسماوات لأنه أراد جنس الأرضين وجمع السماوات لشرفها.
قال النووي (2): وهذا يؤيد المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور: أن السماوات أفضل من الأرضين وقيل الأرض أفضل، لأنها مستقر الأنبياء ومدفنهم وهو
(1) أخرجه مسلم (771).
(2)
نقل المؤلف هذا الكلام بتصرف يسير من المنهاج للنووي (6/ 83 - 86).
ضعيف، وهذا الخلاف في غير الموضع الذي ضم النبي صلى الله عليه وسلم إذ لا نزاع في أفضليته وحنيفا: أي مائلًا إلى الإسلام، والحنيف: عند العرب من كان على ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وانتصب حنيفًا على الحال من المشركين بيان للحنيف، وإيضاح لمعناه، والمشرك يطلق على كل كافر، من عابد صنم ووثن ويهودي ونصراني وزنديق وغيرهم. {ونسكي}: أي عبادتي وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى، وقولهم: فلان ناسك من النساك أي: عابد من العُبّاد، يؤدي الناسك، وما يتقرب به إلى الله تعالى:{ومحياي ومماتي} : أي: حياتي ومماتي له تعالى، وهو خالقهما والمدبّر فيهما لا تصرف لغيره فيهما ويجوز فتح الياء فيهما وإسكانها قال النووي: والأكثرون على فتح محياي وإسكان مماتيْ لله: قال العلماء: هذه اللام لام الإضافة، ولها معنيان: الملك والاختصاص وكلاهما مراد هنا، رب العالمين: في معنى رب أربعة أقوال: المالك، والسيد، والمدبر، والمولى، فالأوّلان: من صفات الذات، والأخيران: من صفات الفعل، ومتى دخلت الألف واللام، فقيل: الرّب، اختص بالله تعالى، وإذا حذفتا جاز إطلاقه على غيره، والعالمين: جمع عالم وليس للعالم واحد من لفظه، وهو عند جمهور المتكلمين، وجماعة من المفسّرين: كل المخلوقات، وقيل: هم الملائكة والجن والإنس، وزاد بعضهم الشياطين، لبيك: معناه: أنا مقيم على طاعتك، إقامة بعد إقامة، وسعديك: معناه: مساعدة لأمركَ بعد مساعدة، ومتابعة لدينك بعد متابعة.
والخير كله في يديك والشر ليس إليك: قال الخطابي وغيره: فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناءِ على الله عز وجل بأن يضاف إليه محاسن الأمور، دون مساوئها على جهة الأدب، وقد أوّل أهل السنة قوله: والشر ليس إليك، لأن مذهبهم أن كل المحدثات بفعل الله تعالى وخلقه، فقالوا معناه: لا يتقرب به إليك، وقيل: لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة والخنازير ونحو هذا، كان كان خالق كل شيء، وقيل معناه: والشر لا يصعد إليك، وقيل: والشر ليس شرًّا بالنسبة إليك. أنا بك وإليك: هذا الجار والمجرور يتعلق بمحذوف، قال الخطابي: أي اتق بك، وألجأ إليك، وقال غيره: إني بك
أحيى وأموت، وإليك المصير، تباركت: أي استحقيت الثناء، وقيل: ثبت الخير عندك، وقيل: تبارك العباد بتوحيدكَ! مِلءَ السماوات وملء الأرض: هو بكسر ميم ملء وبنصب الهمزة بعد اللام ورفعها، والنصب أشهر، وتقديره: لو كان الحمد جسمًا لملأ ذلك.
قوله: وشق سمعه: فيه دليل لمن قال: إن الأذنين من الوجه، وقال آخرون: أعلاهما من الرأس وأسفلهما من الوجه، وذهب الشافعي والجمهور إلى أنهما عُضوانِ مستقلان، وأجابوا عن هذا الحديث بأن: الوجه يطلق ويراد به الذات، قال تعالى:{كل شيء هالك إلا وجهه} .
أحسن الخالقين: أي المقدرين والمصورين.
- وفي رواية: "والشَرُّ ليس إليك، والمهدِيّ من هَدَيْتَ، أنا بك وإليك، لا منجا منك ولا ملجأ إلا إليك، تباركت".
قلت: رواها الشافعي (1) عن مسلم بن خالد وعبد المجيد عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي رافع عن علي بن أبي طالب يرفعه، وليست هذه الرواية في الصحيحين ولا في أحدهما، فكان من حق المصنف أن يؤخرِّها إلى الحسان.
قوله صلى الله عليه وسلم: لا منجا منك ولا ملجأ إلا إليك: أي لا مهرب ولا مخلص ولا ملاذ لمن طلبته إلا إليك، ومنجا: مقصور لا يجوز أن يمد ولا يهمّز، والأصل في الملجأ الهمز، وقد يترك للازدواج مع منجا.
572 -
قال: أن رجلًا جاء إلى الصلاة وقد حَفَزه النَّفَس فقال: الله أكبر، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه، فلما قَضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاتَه قال:"أيكم المتكلِّمُ بالكلمات؟ لقد رأيت اثنَيْ عشر مَلَكًا يَبتدِرُونها؛ أيُّهم يرفعُها".
(1) أخرجه الشافعي (1/ 35) رقم (216).