الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(7) باب النهي عن التجسس والتنافس والظن السيئ وما يحرم على المسلم من المسلم
[2470]
عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِيَّاكُم وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحَدِيثِ،
ــ
الجمهور، والمعتبر ثلاث ليال، فإنَّ بدأ بالهجرة في بعض يوم فله أن يلغي ذلك البعض، ويعتبر ليلة ذلك اليوم، فيكون أول الزمان الذي أبيحت فيه الهجرة، ثمَّ بانفصال الليلة الثالثة تحرم على ما قدمناه. وهذا الهجران الذي ذكرناه هو الذي يكون عن غضب لأمر جائز لا تعلق له بالدين، فأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا.
(7)
ومن باب: النهي من التجسس
(قوله: إياكم والظن؛ فإنَّ الظن أكذب الحديث) الظن هنا هو التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة، أو بشرب الخمر ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله بعد هذا: ولا تجسسوا، ولا تحسسوا؛ وذلك أنَّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء فيريد أن يتجسس خبر ذلك، ويبحث عنه، ويتبصر، ويستمع ليحقق ما وقع له من تلك التهمة، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وقد جاء في بعض الحديث: إذا ظننت فلا تحقق (1) وقال الله تعالى: {وَظَنَنتُم ظَنَّ السَّوءِ وَكُنتُم قَومًا بُورًا} وذلك: أن المنافقين تطيروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه حين انصرفوا إلى الحديبية فقالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، ولن يرجعوا إليكم أبدا.
(1) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (6/ 125)، والحافظ في فتح الباري (10/ 213).
وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا.
رواه أحمد (2/ 245)، والبخاريُّ (6066)، ومسلم (2563)(28)، وأبو داود (4917).
[2471]
وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ،
ــ
فذلك ظنهم السيئ الذي وبخهم الله تعالى عليه، وهو من نوع ما نهى الشرع عنه، إلا أنَّه أقبح النوع.
فأما الظن الشرعي الذي هو تغليب أحد المجوزين، أو بمعنى اليقين فغير مراد من الحديث، ولا من الآية يقينا، فلا يلتفت لمن استدل بذلك على إنكار الظن الشرعي، كما قررناه في الأصول.
وقد اختلف في التجسس والتحسس؟ هل هما بمعنى واحد، أو بمعنيين؟ والثاني أشهر. فقيل: هو بالجيم: البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يكون في الشر، ومنه: الجاسوس، وهو صاحب سر الشر. وبالحاء: البحث عما يدرك بالحس؟ بالعين أو بالأذن. وقيل: بالجيم: طلب الشيء لغيرك، وبالحاء: طلبه لنفسك. قاله ثعلب. والأول أعرف.
و(قوله: ولا تنافسوا) أي: لا تتباروا في الحرص على الدنيا وأسبابها. وأما التنافس في الخير فمأمور به، كما قال تعالى:{وَفِي ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ} أي: في الجنة وثوابها، وكأن المنافسة هي الغبطة. وقد أبعد من فسرها بالحسد، لا سيما في هذا الحديث، فإنه قد قرن بينها وبين الحسد في مساق واحد، فدل على أنهما أمران متغايران.
و(قوله: ولا تناجشوا) قيل فيه: إنه من باب النجش في البيع الذي تقدَّم
وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا، المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ، وَلَا يَخذُلُهُ، وَلَا يَحقِرُهُ، التَّقوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلَاثَ مَرَّار -
ــ
ذكره في البيوع. وفيه بعد، لأنَّ صيغة (تفاعل) أصلها لا تكون إلا من اثنين، فـ (تناجش) لا يكون من واحد، و (النجش) يكون من واحد، فافترقا وإن كان أصلهما واحدا، لأنَّ أصل النجش: الاستخراج والإثارة. تقول: نجشت الصيد، أنجشه، نجشا: إذا استثرته من مكانه. وقيل: لا تناجشوا: لا ينافر بعضكم بعضا. أي: لا يعامله من القول بما ينفره، كما ينفر الصيد، بل يسكنه ويؤنسه، كما قال: سكنا، ولا تنفرا (1) وهذا أحسن من الأول، وأولى بمساق الحديث. والله تعالى أعلم.
و(قوله: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره). (يظلمه): ينقصه حقه، أو يمنعه إياه. و (يخذله): يتركه لمن يظلمه، ولا ينصره. وقد قال صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال: كيف أنصره ظالما؟ قال: تكفه عن الظلم فذلك نصره (2). و (يحقره): ينظره بعين الاستصغار والقلة. وهذا إنما يصدر في الغالب عمن غلب عليه الكبر والجهل، وذلك: أنه لا يصح له استصغار غيره حتى ينظر إلى نفسه بعين: أنه أكبر منه وأعظم، وذلك جهل بنفسه، وبحال المحتقر، فقد يكون فيه ما يقتضي عكس ما وقع للمتكبر.
و(قوله: التقوى هاهنا -ويشير بيده إلى صدره -) وقد تقدَّم: أن التقوى مصدر (اتقى): تقاة، وتقوى. وأن التاء فيه بدل من الواو، لأنَّه من الوقاية. والمتقي: هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه من المكروه وقاية تقيه منه، ولذلك يقال: اتقى الطعنة بدرقته وبترسه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو
(1) رواه أحمد (3/ 131)، والبخاري (6125) بلفظ:"سكِّنوا ولا تُنفِّروا".
(2)
رواه أحمد (3/ 201)، والبخاري (2443 و 2444)، والترمذي (2255).
بِحَسبِ امرِئٍ مِن الشَّرِّ أَن يَحقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرضُهُ.
رواه مسلم (2564)(32).
[2472]
عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُم وَأَموَالِكُم، وَلَكِن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم، وَأَعمَالِكُم.
ــ
بكلمة طيبة (1) أي: اجعلوا هذه الأمور وقاية بينكم وبين النار. وعلى هذا: فالمتقي شرعا هو الذي يخاف الله تعالى، ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته، وحاجزا عن مخالفته. فإذا: أصل التقوى: الخوف، والخوف إنما ينشأ عن المعرفة بجلال الله، وعظمته، وعظيم سلطانه، وعقابه. والخوف والمعرفة محلهما القلب، والقلب محله الصدر، فلذلك أشار صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: التقوى هاهنا والله تعالى أعلم.
والتقوى خصلة عظيمة، وحالة شريفة آخذة بمجامع علوم الشريعة وأعمالها، موصلة إلى خير الدنيا والآخرة. والكلام في التقوى وتفاصيلها، وأحكامها، وبيان ما يترتب عليها يستدعي تطويلا، قد ذكره أرباب القلوب في كتبهم المطولة: كـ الرعاية، والإحياء، وسفينة النجاة، وغيرها.
و(قوله: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) الباء في (بحسب) زائدة. وهو بإسكان السين، لا بفتحها، وهو خبر ابتداء مقدم، والمبتدأ:(أن يحقر) تقديره: حسب امرئ من الشر احتقاره أخاه. أي: كافيه من الشر ذلك؟ فإنَّه النصيب الأكبر، والحظ الأوفى. ويفيد: أن احتقار المسلم حرام.
و(قوله: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) نظر الله تعالى الذي هو رؤيته للموجودات، واطلاعه عليها لا يخص
(1) رواه أحمد (4/ 256)، والبخاري (1413)، ومسلم (1016).
رواه أحمد (2/ 539)، ومسلم (2564)(34).
* * *
ــ
موجودا دون موجود، بل يعم جميع الأشياء؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ثمَّ قد جاء في الشرع نظر الله تعالى بمعنى: رحمته للمنظور إليه، وبمعنى: قبول أعماله، ومجازاته عليها. وهذا هو النظر الذي يخص به بعض الأشياء، وينفى عن بعضها، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَشتَرُونَ بِعَهدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُم فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ القِيَامَةِ} وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان. فقوله هنا: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم أي: لا يثيبكم عليها، ولا يقربكم منه، ذلك كما قال تعالى:{وَمَا أَموَالُكُم وَلا أَولادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُم عِندَنَا زُلفَى} ثم قال: {إِلا مَن آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُم جَزَاءُ الضِّعفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُم فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ}
ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
إحداها: صرف الهمة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته؛ بتحقيق علومه، وتصحيح مقاصده وعزومه، وتطهيره عن مذموم الصفات، واتصافه بمحمودها؟ فإنَّه لما كان القلب هو محل نظر الله تعالى فحق العالم بقدر اطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها؛ لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته الله بسببه.
الثانية: أن الاعتناء بإصلاح القلب وبصفاته مقدم على الأعمال بالجوارح؛ لتخصيص القلب بالذكر مقدما على الأعمال، وإنَّما كان ذلك لأن أعمال القلوب هي المصححة للأعمال؛ إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن عالم بمن كلفه، مخلص له فيما يعمله، ثمَّ لا يكمل ذلك إلا بمراقبة الحق فيه، وهو الذي عبر عنه بالإحسان، حيث قال: أن تعبد الله كأنك تراه (1). وقد تقدَّم قوله صلى الله عليه وسلم: إن في
(1) رواه مسلم (8)، وأبو داود (4695)، والترمذي (2610)، والنسائي (8/ 97)، وابن ماجه (63).