الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(11) باب تعليم الجاهل
[2611]
عَن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاتَ يَومٍ فِي خُطبَتِهِ: أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَن أُعَلِّمَكُم مَا جَهِلتُم مِمَّا عَلَّمَنِي
ــ
أحاديث ليست بطوال في المجلس الواحد، وقد كره الإكثار من الأحاديث كثير من السلف (1)؛ مخافة ما يكون في الإكثار من الآفات. روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد عاب كثير من الصحابة على أبي هريرة الإكثار من الحديث حتى احتاج أبو هريرة إلى الاعتذار عن ذلك، والإخبار بموجب ذلك، قال: إن ناسا يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آية في كتاب الله ما حدثت حديثا. ثم قال: إن إخواننا من الأنصار كان شغلهم العمل في أموالهم، وإن إخواننا من المهاجرين كان شغلهم الصفق بالأسواق، وإني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لشبع بطني، أحضر ما لا يحضرون، وأحفظ ما لا يحفظون (2). ودخل مالك على ابني أخته أبي بكر وإسماعيل بن أبي أويس، وهما يكتبان الحديث، فقال لهما: إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا الأمر، فأقلا منه، وتفقها. ولقد جاء عن شعبة أنه قال لكتبة الحديث: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون. قال أبو الحسن القابسي رحمه الله: يريد شعبة بقوله هذا عيب تكثير الروايات؛ لما قد دخل على المكثرين من اختلاط الأحاديث، وغير ذلك، فيصيرون بالتكلف إلى أن يتقولوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقل.
قلت: ويظهر لي من قول شعبة أنه قصد تحذير من غلبت عليه شهوة كتب الحديث وروايته، حتى يحمله ذلك على التفريط في متأكد المندوبات من
(1) ما بين حاصرتين سقط من (ز).
(2)
رواه أحمد (2/ 240 و 274)، والبخاري (118)، ومسلم (2492).
يَومِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلتُهُ عَبدًا حَلَالٌ،
ــ
الصلوات والأذكار والدعوات؛ حرصا على الإكثار وقضاء للشهوات والأوطار.
قلت: وهذه وصايا السلف وسير أئمة الخلف، قد نبذها أهل هذه الأزمان، وانتحلوا ضروبا من الهذيان، فترى الواحد منهم كحاطب ليل، وكجالب رجل وخيل، فيأخذ عمن أقبل وأدبر من العوام، وممن لم يشعر بشيء قط من هذا الشأن، غير أنه قد وجد اسمه في طبق السماع على فلان، أو أجاز له فلان، وإن كان في ذلك الوقت في سن من لا يعقل من الصبيان، ويسمون مثل ذلك بالسند العالي؛ وإن كان باتفاق السلف وأهل العلم في أسفل سفال، وكل ذلك قصد من كثير منهم إلى الإكثار، ولأن يقال: انفرد فلان بعالي الروايات والآثار. ومن ظهر منه أنه على تلك الحال فالأخذ عنه حرام وضلال، بل الذي يجب الأخذ عنه من اشتهر بالعلم والإصابة والصدق والصيانة ممن قيد كتب الحديث المشهورة، والأمهات المذكورة التي مدار الأحاديث عليها، ومرجع أهل الإسلام إليها، فيعارض كتابه بكتابه، ويقيد منه ما قيده، ويهمل ما أهمله، فإن كان ذلك الكتاب ممن شرط مصنفه الصحة كمسلم والبخاري، أو ميز بين الصحيح وغيره كالترمذي، وجب التفقه في ذلك والعمل به، وإن لم يكن كذلك وجب التوقف إلى أن يعلم حال أولئك الرواة، إما بنفسه إن كانت له أهلية البحث في الرجال، وإما بتقليد من له أهلية ذلك، فإذا حصل ذلك وجب التفقه والعمل، وهو المقصود الأول، وعليه المعول. وكل ما قبله طريق موصل إليه، ومحوم عليه. وإن من علامات عدم التوفيق البقاء في الطريق من غير وصول إلى المقصود على التحقيق.
و(قوله تعالى (1): كل مال نحلته عبدا حلال) معنى نحلته: أعطيته، والنحلة: العطية - كما تقدَّم - ويعني بها هنا: العطية بطريق شرعي، فكأنه قال: كل
(1) أي: في الحديث القدسي.
وَإِنِّي جعلت عِبَادِي كُلَّهُم حُنَفَاءَ، وَإِنَّهُم أَتَتهُم الشَّيَاطِينُ فَاجتَالَتهُم عَن دِينِهِم، وَحَرَّمَت عَلَيهِم مَا أَحلَلتُ لَهُم، وَأَمَرَتهُم أَن يُشرِكُوا بِي مَا لَم أُنزِل بِهِ سُلطَانًا. وذكر الحديث، وسيأتي.
رواه أحمد (4/ 162)، ومسلم (2865)(63).
* * *
ــ
من ملكته شيئا بطريق شرعي، قليلا كان أو كثيرا، خطيرا كان أو حقيرا، فالانتفاع له به مباح مطلقا، لا يمنع من شيء منه، ولا يزاحم عليه، والمال هنا: كل ما يتمول، ويتملك من سائر الأشياء، وفائدة هذه القضية الكلية رفع توهم من يتوهم أن ما يستلذ ويستطاب من رفيع الأطعمة والملابس والمناكح والمساكن محرم، أو مكروه، وإن كان ذلك من الكسب الجائز، كما قد ذهب إليه بعض غلاة المتزهدة. وسيأتي استيعاب هذا المعنى في كتاب الزهد، إن شاء الله تعالى.
و(قوله: وإني خلقت عبادي كلهم حنفاء) هو جمع حنيف، وهو: المائل عن الأديان كلها إلى فطرة الإسلام، وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة) (1) وقد تقدَّم في كتاب القدر.
و(قوله: وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) يعني: شياطين الإنس من الآباء والمعلمين بتعليمهم، وتدريبهم، وشياطين الجن بوساوسهم. ومعنى اجتالتهم: أجالتهم، أي: صرفتهم عن مقتضى الفطرة الأصلية، كما قال: حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه. وفي الرواية الأخرى: حتى يعبر عنه لسانه يعني بما يلقي إليه الشيطان من الباطل والفساد المناقض لفطرة الإسلام.
* * *
(1) سبق في التلخيص برقم (2691).