الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(22) باب عدد أسماء النبي صلى الله عليه وسلم
[2263]
عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عَن أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يُمحَى بِيَ الكُفرُ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي، وَأَنَا العَاقِبُ
ــ
(22)
ومن باب عدد أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم
(قوله صلى الله عليه وسلم: أنا محمد، وأنا أحمد) كلاهما مأخوذ من الحمد، وقد تكلَّمنا على الحمد في أول الكتاب. فمحمَّد: مفعل من حَمَّدت الرجل مشددًا: إذا نسبت الحمد إليه، كما يقال: شجَّعت الرجل، وبخَّلته: إذا نسبت ذلك إليه، فهو بمعنى المحمود. والنبي صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بهذا الاسم، فإنَّ الله تعالى قد حمده بما لم يحمد به أحدًا من الخلق، وأعطاه من المحامد ما لم يعط مثله أحدًا من الخلق، ويلهمه يوم القيامة من محامده ما لم يلهمه أحدًا من الخلق، وقد حمده أهل السماوات والأرض والدنيا والآخرة، حمدًا لم يحمد به أحدا من الخلق، فهو أحمد المحمودِين، وأحمد الحامدِين.
و(قوله: وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر) أي: من الأرض التي زويت له، وأري أن ملك أمته سيبلغه، أو يعني بذلك: أنه محي به معظم الكفر وغالبه بظهور دينه على كل الأديان بالحجج الواضحة، والغلبة العامة الفادحة، كما قد صرَّح به الحق بقوله:{لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}
و(قوله: وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي (1)) الحاشر: اسم
(1) في كل أصول المفهم: (قدمي) وما أثبتناه من إكمال إكمال المعلم للأبي، ومن التلخيص، وصحيح مسلم.
وَالعَاقِبُ الَّذِي لَيسَ بَعدَهُ نَبِيٌّ.
وفي رواية: الذي يحشر الناس على قدمي، وقد سماه الله رءوفا رحيما.
رواه أحمد (4/ 80)، والبخاري (3532)، ومسلم (2354)(124 و 125)، والترمذيُّ (2840).
ــ
فاعل من حشر، أي: جمع. فيعني به: أنه الذي يحشر الخلق يوم القيامة على أثره، أي: ليس بينه وبين القيامة نبي آخر، ولا أمة أخرى، وهذا كما قال: بعثت أنا والساعة كهاتين وقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى (1).
وقوله في الرواية الأخرى: على قدمي قيل فيه: على سابقتي، كما قال تعالى:{أَنَّ لَهُم قَدَمَ صِدقٍ عِندَ رَبِّهِم} أي: سابقة خير وإكرام. وقيل: على سُنَّتي. وقيل: بعدي، أي: يتبعوني إلى يوم القيامة. وهذا أشبهها، لأنَّه يكون معناه معنى عقبي، لأنَّه وقع موقعه في تلك الرواية، ووجه توسعه فيه: كأنه قال: يحشر الناس على أثر قدمي، أي: بعدي. والله أعلم.
و(قوله صلى الله عليه وسلم: وأنا العاقب) وفي الرواية الأخرى: المقفي ومعناهما واحد، وهو أنه صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، وخاتمهم، وأكرم أعقابهم، وأفضل من قبلهم. وقفاهم، أي: كان بعدهم، واتبع آثارهم. قال ابن الأنباري: المقفي: المتَّبع للنبيين قبله، يقال: قَفَوتُه، أَقفُوه، وقَفَيتُه: إذا تبعته، ومثله: قُفتُه، أقُوفُه، ومنه قوله تعالى:{ثُمَّ قَفَّينَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّينَا بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ} ، {وَلا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ} وقافية كل شيء: آخره.
(1) رواه البخاري (6505)، وابن ماجه (4040) من حديث أبي هريرة.
[2264]
عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَمِّي لَنَا نَفسَهُ أَسمَاءً فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحمَدُ وَالمُقَفِّي وَالحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحمَةِ.
رواه أحمد (4/ 395)، ومسلم (2355)(126).
* * *
ــ
و(قوله: ونبي التوبة) أي: الذي تكثر التوبة في أمته، وتعم حتى لا يوجد فيما ملكته أمته إلا تائب من الكفر، فيقرب معناه على هذا من الماحي إلا أن ذلك يشهد بمحو ما ظهر من الكفر، وهذا يشهد بصحَّة ما يخفى من توبة أمته منه، ويحتمل أن يكون معناه: أن أمته لما كانت أكثر الأمم كانت توبتهم أكثر من توبة غيرهم، ويحتمل أن تكون توبة أمته أبلغ حتى يكون التائب منهم كمن لم يذنب، ولا يؤاخذ لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ويكون غيرهم يؤاخذ في الدنيا، وإن لم يؤاخذ في الآخرة، والله أعلم. والذي أحوج إلى هذه الأوجه: اختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم مع أن كل نبي جاء بتوبة أمته، فيصدق أنه نبي التوبة، فلا بدَّ من إبداء مزيِّة لنبينا يختصُّ بها كما بيَّنا.
و(قوله: ونبي الرحمة) وفي أخرى: المرحمة وفي أخرى: الملحمة فأمَّا الرحمة، والمرحمة فكلاهما بمعنى واحد، وقد تقدَّم أن الرحمة إفاضة النعم على المحتاجين، والشفقة عليهم، واللطف بهم، وقد أعطى الله نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته منها ما لم يُعطِه أحدًا من العالمين، ويكفي من ذلك قوله تعالى:{وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ} فهو أعظم كل رحمة، وأمته القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظ من هذه الرحمة، وشفاعته يوم القيامة لأهل الموقف أعمُّ كل رحمة، ولأهل الكبائر أجل كل نعمة، وخاتمة ذلك شفاعته في ترفيع منازل أهل الجنة.
وأما رواية من روى: نبي الملحمة: فهذا صحيح في نعته، ومعلوم في الكتب القديمة من وصفه، فإنَّه قد جاء فيها: أنه نبي الملاحم،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنه يجيء بالسيف والانتقام ممن خالفه من جميع الأنام، فمنها ما جاء في صحف حبقوق (1)، قال: جاء الله من التين، وتقدس من فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، وملأ الأرض من هيبته. وفيها أيضًا: تضيء الأرض بنورك، وستنزع في قوسك إغراقًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء. ويعني بالتين الجبال التي تنبته، وهي جبال بيت المقدس، ومجيء الله تعالى منها عبارة عن إظهار كلامه الذي هو الإنجيل على لسان عيسى عليه السلام. وفاران: مكة، كما قال تعالى في التوراة: إن الله أنزل هاجر وابنها إسماعيل فاران يعني: مكة بلا خلاف بينهم. وفي التوراة قال: قد جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلى من فاران فمجيئه تعالى من سيناء: كناية عن ظهور موسى عليه السلام بها، وإشراقه من ساعير: وهي جبال الروم من أدوم: كناية عن ظهور عيسى عليه السلام. واستعلاؤه من فاران: كناية عن القهر الذي يقهر به نبيِّنا صلى الله عليه وسلم الكفر كله بالقتل والقتال. وقال في التوراة: يا موسى! إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيًا مثلك، أجعل كلامي على فيه، فمن عصاه انتقمت منه، وإخوة بني إسرائيل (2) العرب، فإنَّهم ولد إسماعيل عليه السلام، وهم المعنيون هنا. و (قوله: أجعل كلامي على فيه) يعني به: القرآن، والانتقام ممن عصاه: هو القتل والقتال الذي جاء به، ومثل هذا كثير. وقد ذكرنا منه مواضع كثيرة جاءت في كتب أنبياء بني إسرائيل في كتاب الأعلام (3).
(1) من أنبياء اليهود قبل الجلاء، تنبَّأ في أواخر القرن السابع في مملكة يهوذا، فأنّب الشعب، وأنذره بمجيء الكلدانيين قصاصًا لهم. ونبوة حبقوق من أسفار العهد القديم. (المنجد).
(2)
ما بين حاصرتين سقط من (م 2).
(3)
انظر كتاب: "حجة الله على العالمين"(1/ 86) وما بعدها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معشر قريش! لقد جئتكم بالذبح (1). وقال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به (2) فهو نبي الملحمة التي بسببها عمَّت الرحمة وثبتت المرحمة. وقد تتبَّع القاضي أبو الفضل ما جاء في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومما نقل في الكتب القديمة. وإطلاق الأمَّة أسماء كثيرة، وصفات عديدة للنبي صلى الله عليه وسلم صدقت عليه مسمَّياتها، ووجدت فيه معانيها، وعرَّف في كتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى. وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب الأحكام من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم سبعة وستين اسمًا، من أرادها وجدها هنالك (3).
و(قوله: وقد سَمَّاه الله رؤوفًا رحيمًا) ليس هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم بل من قول غيره، وهو الصحابي، والله أعلم، ألا تراه كيف أخبر عنه بخطاب (4) الغيبة، ولو كان من قوله صلى الله عليه وسلم لقال: وقد سماني الله: رؤوفًا رحيمًا. هذا الظاهر، ويحتمل أن يكون ذلك من قوله. وقد يخرج المتكلم من الحضور إلى الغيبة كما قال تعالى:{حَتَّى إِذَا كُنتُم فِي الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم} وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى: {بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} والرؤوف: الكثير الرأفة. والرحيم: الكثير الرحمة، فإنَّها للمبالغة. وقد جاء في الصحيح: لي خمسة أسماء (5) فحصرها بالعدد، وذكر الأسماء المتقدِّمة. وقد يقال: ما وجه تخصيص هذه الأسماء الخمسة بالذكر مع أن أسماءه أكثر من ذلك، فيجاب عنه: بأن هذه
(1) رواه أبو يعلى (343)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (159).
(2)
رواه أحمد (3/ 199)، والبخاري (392)، وأبو داود (3641)، والترمذي (2608).
(3)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/ 1546).
(4)
في (ز): بلسان.
(5)
رواه البخاري (3532).