الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(14) باب في شدة حياء النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية ضحكه
[2235]
عن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ حَيَاءً مِن العَذرَاءِ فِي خِدرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيئًا عَرَفنَاهُ فِي وَجهِهِ.
رواه أحمد (3/ 71)، والبخاريُّ (3562)، ومسلم (2320)(67)، وابن ماجه (4180).
ــ
قلت: وهي كلمات منصوبة بأفعال مقدَّرة لا يستعمل إظهارها. ويصح أن تكون رويدًا هنا: اسم فعل الأمر، أي: ارود، بمعنى: ارفق. وسوقك: مفعول به، أو بإسقاط حرف الجر، أي: في سوقك، وقد قال بعض الناس: إن القوارير يراد بها هنا الإبل، أمره بالرفق بها لئلا يعنف عليها في السير بطيب صوته فيهلكها، وتفسير الراوي أولى من تفسير هذا المتأخر، وقد تقدَّم أن الصحابي قال: يعني به ضعفة النساء، وشبَّهَهُنَّ بالقوارير لسرعة تأثرهنَّ، ولعدم تجلدهن، فخاف عليهن من حث السير وسرعته سقوط بعضهن، أو تألمهن بكثرة الحركة، والاضطراب الذي يكون عن السرعة والاستعجال. وقيل: إنه خاف عليهن الفتنة، وحسن الحدو وطيبه، كما قد قال سليمان بن عبد الملك: يا بني أمية! إياكم والغناء، فإنَّه رُقية الزنى، فإنَّ كنتم ولا بدَّ فاعليه فجنبوه النساء.
(14)
ومن باب شدَّة حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحُسن خُلُقه
الحياء - ممدود -: انقباض يجده الإنسان من نفسه يحمله على الامتناع من ملابسة ما يعاب عليه، ويُستقبح منه، ونقيضه الصَّلَبُ: وهو التَّصَلُّبُ في الأمور، وعدم المبالاة بما يستقبح ويعاب عليه منها، وكلاهما جبلي ومكتسب، غير أن الناس منقسمون في القدر الحاصل منهما، فمن الناس من جبل على الكثير من
[2236]
عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو قال: لَم يَكُن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا
ــ
الحياء، ومنهم من جبل على القليل منه، ثم إن أهل الكثير من النوعين على مراتب، وكذلك أهل القليل، فقد يكبر أحد النوعين حتى يصير نقيضه كالمعدوم. ثم هذا الجبلِّي سبب في تحصيل المكتسب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جبل من الحياء على الحظ الأوفر، والنصيب الأكثر، ولذلك قيل فيه: إنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، ثم إنه كان يأخذ نفسه بالحياء ويستعمله، ويأمر به، ويحضُّ عليه، فيقول: الحياء من الإيمان (1). والحياء لا يأتي إلا بخير (2). والحياء خير كله (3). ويقول لأصحابه: استحيوا من الله حق الحياء (4). وكان يُعرف الحياء في وجهه لما يظهر عليه من الخفر والخجل. وكان إذا أراد أن يَعتِب رجلًا معينًا أعرض عنه، ويقول: ما بال رجال يفعلون كذا (5)، ومع هذا كله فكان لا يمنعه الحياء من حقٍّ يقوله، أو أمر ديني يفعله، تمسُّكًا بقول الحق:{وَاللَّهُ لا يَستَحيِي مِنَ الحَقِّ} وهذا هو نهاية الحياء، وكماله، وحسنه، واعتداله، فإنَّ من يفرط عليه الحياء حتى يمنعه من الحق فقد ترك الحياء من الخالق، واستحيا من الخلق (6)، ومن كان هكذا فقد حرم نافع الحياء، واتصف بالنفاق والرياء، والحياء من الله هو الأصل والأساس، فإنَّ الله تعالى أحق أن يستحيا منه من الناس.
والعذراء: البكر التي لم تنتزع عذرتها. والخدر: أصله الهودج، وهو هنا: كناية عن بيتها الذي هي ملازمة له إلى أن تخرج منه إلى
(1) رواه ابن ماجه (4184) من حديث أبي بكرة.
(2)
رواه البخاري (6117)، ومسلم (37)، وأبو داود (4796) من حديث عمران بن حصين.
(3)
أحمد (4/ 426)، ومسلم (37)(61).
(4)
رواه الترمذي (2460).
(5)
ذكره الزبيدي في الإتحاف (7/ 542)، وابن عساكر (3/ 142).
(6)
في (م 3): المخلوق.
وَلَا مُتَفَحِّشًا. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِن خِيَارِكُم أَحَاسِنَكُم أَخلَاقًا.
رواه أحمد (2/ 161)، والبخاريُّ (3559)، ومسلم (2321)(68)، والترمذيُّ (1975).
ــ
بيت زوجها.
والفاحش: هو المجبول على الفحش، وهو: الجفاء في الأقوال والأفعال. والمتفحش: هو المتعاطي لذلك، والمستعمل له. وقد برأ الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن جميع ذلك ونزَّهه، فإنَّه كان رحيمًا، رفيقًا، لطيفًا، سمحا (1)، متواضعًا، طَلِقًا، برًّا، وصولًا، محبوبًا، لا تقتحمه عين، ولا تمُّجه نفسٌ، ولا يصدر عنه شيء يكره صلى الله عليه وسلم وشرَّف، وكرَّم.
و(قوله: إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا) هو جمع أحسن على وزن أفعل التي للتفضيل، وهي إن قرنت بـ من كانت للمذكر، والمؤنث، والاثنين، والجمع، بلفظ واحد. وإن لم تقترن بـ من وعرفتها بالألف واللام ذكرت، وأنثت وثنيت، وجمعت. وإذا أضيفت: ساغ فيها الأمران، كما جاء هنا: أحاسنكم وكما قال تعالى: {أَكَابِرَ مُجرِمِيهَا} وقد قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُم أَحرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} وقد روي هذا الحديث: أحسنكم موحَّدًا.
والأخلاق: جمع خُلُق، وهي عبارة عن أوصاف الإنسان التي بها يعامل غيره، ويخالطه، وهي منقسمة: إلى محمود ومذموم. فالمحمود منها: صفات الأنبياء، والأولياء، والفضلاء، كالصبر عند المكاره، والحلم عند الجفاء، وتحمل الأذى، والإحسان للنَّاس، والتودُّد لهم، والمسارعة في حوائجهم، والرحمة، والشفقة، واللطف في المجادلة، والتثبت في الأمور، ومجانبة المفاسد والشرور.
(1) في (م 3): سهلًا.
[2237]
وعَن سِمَاكِ بنِ حَربٍ قَالَ: قُلتُ لِجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ: أَكُنتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: نَعَم كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِن مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبحَ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، فَإِذَا طَلَعَت قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأخُذُونَ فِي أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ فَيَضحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ صلى الله عليه وسلم.
رواه مسلم (2322)(69).
* * *
ــ
وعلى الجملة: فاعتدالها أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها، ولا تنتصف لها، فتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. والمذموم منها: نقيض ذلك كله.
وقد جاء هذا الحديث في غير كتاب مسلم بزيادة حسنة، فقال: خياركم أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون (1). فهذه الخلق، وهؤلاء المتخلقون.
وقد قدَّمنا في غير موضع: أن أصل الخلق جبلَّة في نوع الإنسان، غير أن الناس في ذلك متفاوتون، فمن الناس من يغلب عليه بعضها ويقف عن بعضها، وهذا هو المأمور بالرِّياضة والمجاهدة حتى يقوى ضعيفها، ويعتدل شاذُّها، كما هو مفصل في كتب الرياضات.
وقد تقدَّم الكلام على كونه صلى الله عليه وسلم كان يجلس في مصلَاّه حتى تطلع الشمس.
* * *
(1) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه صالح بن بشير المري، وهو ضعيف.
(مجمع الزوائد 8/ 21).