الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(38) باب اشفعوا تؤجروا ومثل الجليس الصالح والسيئ
[2557]
عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ: اشفَعُوا تُؤجَرُوا، وَليَقضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ.
رواه أحمد (4/ 413)، والبخاريُّ (1432)، ومسلم (2627)، وأبو داود (5131)، والترمذيُّ (2674)، والنسائي (5/ 78).
ــ
(38)
ومن باب: اشفعوا إلي تؤجروا
(قوله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا) كذا وقع هذا اللفظ تؤجروا بغير فاء ولا لام، وهو مجزوم على جواب الأمر المضمن معنى الشرط، ومعناه واضح لا إشكال فيه، وقد روي فلتؤجروا بفاء ولام، وهكذا وجدته في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب، وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورة، لأنَّها لام كي، وتكون الفاء زائدة، كما زيدت في قوله صلى الله عليه وسلم: قوموا فلأصلي لكم (1) في بعض رواياته، وقد تقدم قول من قال: إن الفاء قد تأتي زائدة، ويكون معنى الحديث: اشفعوا لكي تؤجروا، ويحتمل أن يقال: إنها لام الأمر، ويكون المأمور به التعرض للأجر بالاستشفاع؛ فكأنه قال: استشفعوا وتعرضوا بذلك للأجر، وعلى هذا فيجوز كسر هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوز تخفيفها بالسكون لأجل حركة الحرف الذي قبلها.
و(قوله: وليقض الله على لسان نبيه ما أحب) هكذا صحت الرواية هنا
(1) رواه أحمد (3/ 131)، والبخاري (380)، ومسلم (658)، وأبو داود (612)، والترمذي (234)، والنسائي (2/ 85، 86).
[2558]
وعنه؛ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وجَلِيسِ السَّوءِ كَحَامِلِ المِسكِ، وَنَافِخِ الكِيرِ،
ــ
وليقض، باللام، وجزم الفعل بها، ولا يصح أن تكون لام كي، كذلك، ولا يصح أيضًا أن تكون لام الأمر، لأنَّ الله تعالى لا يؤمر. وكأن هذه الصيغة وقعت موقع الخبر كما قد جاء في بعض نسخ مسلم: ويقضي الله: على الخبر بالفعل المضارع، ومعناه واضح، وهذه الشفاعة المذكورة في الحديث هي في الحوائج والرغبات للسلطان وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صدر الحديث ومساقه، ولا يخفى ما فيها من الأجر والثواب، لأنَّها من باب صنائع المعروف وكشف الكرب ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى السلطان وذوي الأمر، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول - مع تواضعه وقربه من الصغير والكبير (1)، إذ كان لا يحتجب ولا يحجب -: أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها (2) وهذا هو معنى قوله تعالى: {مَن يَشفَع شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَهُ نَصِيبٌ مِنهَا} . قال القاضي: ويدخل في عموم الحديث الشفاعة للمذنبين، فيما لا حد فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه والعفو عنه إذا رأى ذلك كله، كما له العفو عن ذلك ابتداء. وهذا فيمن كانت منه الزلة والفلتة، وفي أهل الستر والعفاف. وأما المصرون على فسادهم، المستهترون في باطلهم، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا ترك السلطان عقوبتهم؛ ليزدجروا عن ذلك وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم. وقد جاء الوعيد بالشفاعة في الحدود.
و(قوله: إنما مثل جليس الصالح وجليس السوء) كذا وقع في بعض النسخ، وهو من باب إضافة الشيء إلى صفته، ووقع في بعضها: الجليس الصالح والجليس السوء وهو الأفصح والأحسن، ثم قال بعد هذا: كحامل
(1) في (ز): والضعيف.
(2)
رواه الطبراني والبيهقي كما في: كشف الخفاء (1/ 43)، وفيض القدير (1/ 83).
فَحَامِلُ المِسكِ إِمَّا أَن يُحذِيَكَ، وَإِمَّا أَن تَبتَاعَ مِنهُ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ مِنهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يُحرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً.
رواه أحمد (4/ 408)، والبخاريُّ (2101)، ومسلم (2628).
* * *
ــ
المسك ونافخ الكير هذا نحو مما يسميه أهل الأدب لف الخبرين، وهو نحو قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا
…
لدى وَكرها العناب والحشف البالي
فكأنه قال: قلوب الطير رطبا العناب، ويابسا الحشف، ومقصود هذا التمثيل الحض على صحبة العلماء والفضلاء وأهل الدين، وهو الذي يزيدك نطقه علما وفعله أدبا ونظره خشية، والزجر عن مخالطة من هو على نقيض ذلك.
و(قوله: فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه) تطابقت الأخبار واستفاضت على أن المسك يجتمع في غدة حيوان، هو الغزال، أو يشبهه، فيتعفن في تلك الغدة، حتى تيبس وتسقط، فتؤخذ تلك الغدة كالجليدات المحشوة، وتلك الجلدة هي المسماة بفأرة المسك، والجمهور من علماء الخلف والسلف على طهارة المسك وفأرته، وعلى ذلك يدل استعمال النبي صلى الله عليه وسلم له وثناؤه عليه، وإجازة بيعه، كما دل عليه هذا الحديث، ومن المعلوم بالعادة المستمرة بين العرب والعجم استعماله واستطابة ريحه، واستحسانه في الجاهلية والإسلام، ولا يستقذره أحد من العقلاء ولا ينهى عن استعماله أحد من العلماء، حتى قال القاضي أبو الفضل: نقل بعض أئمتنا الإجماع على طهارته، غير أنه قد ذكر عن العمرين كراهيته، ولا يصح ذلك، فإن عمر رضي الله عنه قد قسم ما غنم منه بالمدينة، وقال أبو عبد الله المازري: وقال قوم بنجاسته، ولم يعينهم. والصحيح القول
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بطهارته، وإن لم يكن مجمعا عليه؛ للأحاديث الصحيحة، الدالة على ذلك؛ إذ قد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يستعمله، حتى إنه كان يخرج، ووبيص المسك في مفرقه، كما قالت عائشة رضي الله عنها (1) - وقد تقدم قوله: أطيب الطيب المسك (2)، وغير ذلك. وقد قلنا: إن أهل الأعصار الكريمة مطبقون على استطابته واستعماله؛ فإن قيل: كيف لا يكون نجسا وقد قلتم: إنه دم، والدم نجس في أصله بالإجماع، وإنما يعفى عن اليسير منه لتعذر التحرز منه على ما هو مفصل في الفقه؟ فالجواب: إنا وإن سلمنا أن أصل المسك الدم، فلا نسلم أنه بقي على أصل الدموية، فإنَّ الدم إذا تعفن تغير لونه ورائحته إلى ما يستقذر ويستخبث، فاستحال إلى فساد، وليس كذلك المسك؛ فإنَّه قد استحال إلى صلاح يستطاب ويستحسن، ويفضل على أنواع كل الطيب، وهذا كاستحالة الدم لبنا وبيضا، وإن شئت حررت فيه قياسا فقهيا فقلت: مائع له مقر يستحيل فيه إلى صلاح، ويكون طاهرا كاللبن والبيض. وتكميل هذا القياس في مسائل الخلاف.
و(قوله: إما أن يحذيك) هو بضم الياء رباعيا من: أحذيته: إذا أعطيته، وفي الصحاح: أحذيته نعلا: إذا أعطيته نعلا، تقول منه: استحذيته فأحذاني، وأحذيته من الغنيمة: إذا أعطيته منها، والاسم: الحذيا. والكير: منفخ الحداد. والكور: المبنى الذي يُنفخ فيه على النار والحديد. ويجوز أن يعبر بالكير عن الكور.
* * *
(1) رواه أحمد (6/ 41)، والبخاري (271)، ومسلم (1190).
(2)
رواه أحمد (3/ 31 و 47)، ومسلم (2252)، والترمذي (991)، والنسائي (4/ 39).