الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(12) باب تحريم الظلم والتحذير منه وأخذ الظالم
[2485]
عَن أَبِي ذَرٍّ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَن اللَّهِ تبارك وتعالى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي، وَجَعَلتُهُ بَينَكُم مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُم ضَالٌّ إِلَّا مَن هَدَيتُهُ فَاستَهدُونِي
ــ
(12)
ومن باب: تحريم الظلم
(قوله تعالى: إني حرمت الظلم على نفسي) أي: لا ينبغي لي، ولا يجوز علي، كما قال سبحانه وتعالى:{وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا} وقد اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى محال، وإنما اختلفوا في الطريق، فالقائلون بالتقبيح والتحسين عقلا يقولون: يستحيل عليه لقبحه، ومن لا يقول بذلك يقولون: يستحيل عليه لاستحالة شرطه في حقه تعالى، وذلك: أن الظلم إنما يتصور في حق من حدت له حدود، ورسمت له مراسم، فمن تعداها كان ظالما، والله تعالى هو الذي حد الحدود ورسم الرسوم؛ إذ لا حاكم فوقه، ولا حاجر عليه، فلا يجب عليه حكم، ولا يترب عليه حق، فلا يتصور الظلم في حقه. واستيفاء المباحث في علم الكلام.
و(قوله: وجعلته بينكم محرما) أي: حكمت بتحريمه عليكم، وألزمته إياكم.
و(قوله: فلا تظالموا) أي: لا يظلم بعضهم بعضا، وأصله: تتظالموا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا.
و(قوله: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته) قيل في معناه قولان: أحدهما: أنهم لو تركوا مع العادات، وما تقتضيه الطباع من الميل إلى الراحات، وإهمال النظر المؤدي إلى المعرفة لغلبت عليهم العادات والطباع فضلوا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن الحق، فهذا هو الضلال المعني، لكن من أراد الله تعالى توفيقه ألهمه إلى إعمال الفكر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأعانه على الوصول إلى ذلك، وعلى العمل بمقتضاه، وهذا هو الهدى الذي أمرنا الله بسؤاله (1).
وثانيهما: أن الضلال هاهنا يعني به: الحال التي كانوا عليها قبل إرسال الرسل من: الشرك، والكفر، والجهالات، وغير ذلك، كما قال تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي: على حالة واحدة من الضلال والجهل، فأرسل الله الرسل ليزيلوا عنهم ما كانوا عليه من الضلال، ويبين لهم مراد الحق منهم في حالهم، ومآل أمرهم، فمن نبهه الحق سبحانه وتعالى، وبصره، وأعانه فهو المهتدي، ومن لم يفعل الله به ذلك بقي على ذلك الضلال.
وعلى كل واحد من التأويلين فلا معارضة بين قوله تعالى: كلكم ضال إلا من هديته وبين قوله: كل مولود يولد على الفطرة (2)، لأنَّ هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغير لها، الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بالتمثيل في بقية الخبر حيث قال: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (3). وبقوله: خلق الله الخلق على معرفته فاجتالتهم الشياطين (4). وهذا الحديث حجَّة لأهل الحق على قولهم: إن الهدى والضلال خلقه وفعله يختص بما شاء
(1) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(2)
رواه أحمد (2/ 393)، والبخاري (1359)، ومسلم (2658).
(3)
رواه أحمد (2/ 233 و 275 و 393)، والبخاري (4775)، ومسلم (2658).
(4)
رواه مسلم (2865) بلفظ: "إني خلقتُ عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم".
أَهدِكُم، يَا عِبَادِي كُلُّكُم جَائِعٌ إِلَّا مَن أَطعَمتُهُ فَاستَطعِمُونِي أُطعِمكُم، يَا عِبَادِي كُلُّكُم عَارٍ إِلَّا مَن كَسَوتُهُ فَاستَكسُونِي أَكسُكُم، يَا عِبَادِي إِنَّكُم تُخطِئُونَ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاستَغفِرُونِي أَغفِر لَكُم، يَا عِبَادِي إِنَّكُم لَن تَبلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَن تَبلُغُوا نَفعِي فَتَنفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَتقَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُم مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلكِي شَيئًا، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلكِي شَيئًا، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم
ــ
منهما من شاء من خلقه، وأن ذلك لا يقدر عليه إلا هو، كما قال تعالى:{كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ} وكما قال: {وَمَا كُنَّا لِنَهتَدِيَ لَولا أَن هَدَانَا اللَّهُ} وكما قال: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} وقد نطق الكتاب بما لا يبقى معه ريب لذي فهم سليم بقوله: {وَاللَّهُ يَدعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ} فعم الدعوة، وخص بالهداية من سبقت له العناية. واستيفاء الكلام في علم الكلام.
وحاصل قوله: كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم جائع، وكلكم عار التنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا، ودفع مضارنا بأنفسنا؛ إلا أن ييسر ذلك لنا؛ بأن يخلق ذلك لنا، ويعيننا عليه، ويصرف عنا ما يضرنا. وهو تنبيه على معنى قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1)، ومع ذلك فقال في آخر الحديث: يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه تنبيها على أن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها، إقداما عليها، وإحجاما عنها، فنحن - وإن
(1) رواه الطبراني في الكبير (12/ 364).
قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعطَيتُ كُلَّ إِنسَانٍ مَسأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِندِي إِلَّا كَمَا يَنقُصُ المِخيَطُ إِذَا أُدخِلَ البَحرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعمَالُكُم أُحصِيهَا علَيكُم ثُمَّ أُوَفِّيكُم إِيَّاهَا، فَمَن وَجَدَ خَيرًا فَليَحمَد اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غَيرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفسَهُ.
رواه أحمد (5/ 160)، ومسلم (2577)(55)، والترمذيُّ (2495)، وابن ماجه (4257).
ــ
كنا نعلم أنا لا نستقل بأفعالنا- نحس بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكن محسوس، وتأت معتاد يوجد مع الاختيارية، ويفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبر عنه بالكسب، وهو مورد التكليف، فلا تناقض ولا تعنيف.
و(قوله: ما نقص ذلك (1) مِمَّا عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) المخيط: الإبرة. والخياط (2): الخيط. ومنه قوله: أدوا الخياط والمخيط (3). وهذا مثل قصد به التقريب للأفهام بما تشاهده؟ فإنَّ ماء البحر من أعظم المرئيات وأكبرها، وغمس الإبرة فيه لا يؤثر فيه، فضرب ذلك مثلا لخزائن رحمة الله تعالى وفضله؟ فإنَّها لا تنحصر ولا تتناهى، وأن ما أعطي منها من أول خلق المخلوقات، وما يعطي منها إلى يوم القيامة لا ينقص منها شيئا، وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: يمين الله ملأى سخاء الليل والنهار، لا يغيضها
(1) هذه اللفظة مستدركة من التلخيص وصحيح مسلم.
(2)
في جميع نسخ المفهم: الخائط، والصواب ما أثبتناه بعد الرجوع إلى نصّ الحديث ومصادر اللغة.
(3)
رواه النسائي (6/ 264)، وابن ماجه (2850).
[2486]
وعن ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ، وَلَا يُسلِمُهُ، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ.
رواه أحمد (2/ 91)، والبخاريُّ (2442)، ومسلم (2580)، وأبو داود (4893)، والترمذي (1426).
[2487]
وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اتَّقُوا الظُّلمَ فَإِنَّ الظُّلمَ ظُلُمَاتٌ يَومَ القِيَامَةِ،
ــ
شيء، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، لم يغض ما في يمينه (1) وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائما، لا يجوز عليها العجز والقصور، والممكنات لا تنحصر، ولا تتناهى، فما وجد منها لا ينقص شيئا منها، وبسط الكلام على هذه الأصول في علم الكلام.
و(قوله: اتقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة) ظاهره: أن الظالم يعاقب يوم القيامة؛ بأن يكون في ظلمات متوالية يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم، وبأيمانهم حين:{يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقتَبِس مِن نُورِكُم} فيقال لهم: {ارجِعُوا وَرَاءَكُم فَالتَمِسُوا نُورًا} وقيل: إن معنى الظلمات هنا: الشدائد والأهوال التي يكونون فيها، كما فسر بذلك قوله:{قُل مَن يُنَجِّيكُم مِن ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحرِ} أي: من شدائدهما، وآفاتهما. والأول أظهر.
(1) رواه أحمد (2/ 242 و 500)، والبخاري (4684)، ومسلم (993)(36)، والترمذي (3045)، وابن ماجه (197).
وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم؛ حَمَلَهُم عَلَى أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُم، وَاستَحَلُّوا مَحَارِمَهُم.
رواه مسلم (2578).
[2488]
وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ يُملِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَم يُفلِتهُ
ــ
و(قوله: واتقوا الشح؛ فإنَّ الشح أهلك من كان قبلكم) الشح: الحرص على تحصيل ما ليس عندك، والبخل: الامتناع من إخراج ما حصل عندك. وقيل: إن الشح هو البخل مع حرص. يقال منه: شححت بالكسر يشح، وشححت - بالفتح - يشح، (1) - بالضم - ورجل شحيح، وقوم شحاح وأشحاء.
و(قوله: حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم) هذا هو الهلاك الذي حمل عليه الشح، لأنَّهم لما فعلوا ذلك أتلفوا دنياهم وأخراهم، وهذا كما قال في الحديث الآخر: إياكم والشح، فإنَّه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا (2) أي: حملهم على ذلك.
و(قوله: إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته) يملي: يطيل في مدته، ويصح، ويكثر ماله وولده ليكثر ظلمه، كما قال تعالى:{وَلا يَحسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُملِي لَهُم خَيرٌ لأَنفُسِهِم إِنَّمَا نُملِي لَهُم لِيَزدَادُوا إِثمًا} وهذا كما فعل الله الله بالظلمة من الأمم السالفة، والقرون الخالية، حتى إذا عم ظلمهم وتكامل جرمهم أخذهم الله أخذة رابية، فلا ترى لهم من باقية، وذلك سنة الله في كل جبار عنيد، ولذلك قال:
(1) ما بين حاصرتين سقط من (ز).
(2)
رواه أبو داود (1698).