الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رواه أحمد (2/ 313)، والبخاريُّ (3589)، ومسلم (2364)(142).
* * *
(28) باب في ذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام
[2277]
عن أبي هريرة قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَا أَولَى النَّاسِ بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ
ــ
يراني أحبَّ إليه من أهله وماله معهم (1)) (2) كذا صحيح الرواية، ومعنى هذا الحديث: إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه إذا فُقِد تغيَّرت الحال على أصحابه من عدم مشاهدته، وفقد عظيم فوائدها، ولِما طرأ عليهم من الخلاف والمحن، والفتن. وعلى الجملة: فساعةَ موته اختلفت الآراء، ونجمت الأهواء، وكاد النظام ينحل لولا أن الله تبارك وتعالى تداركه بثاني اثنين، وأهل العقد والحل، وقد عبَّر الصحابة عند مبدأ ذلك التغيُّر لنا بقولهم: ما سوينا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا، فكلما حصل واحدٌ منهم في كربة من تلك الكرب، ودَّ أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما معه من مال وأهل ونشب، وذلك لتذكره ما فات من بركات مشاهدته، ولما حصل بعده من فساد الأمر، وتغيُّر حالته. والله أعلم.
(28)
ومن باب ذكر عيسى عليه السلام
قوله صلى الله عليه وسلم: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم أي: أخص، وأقرب، وأقعد، كقوله صلى الله عليه وسلم: فَلِأولى عصبة (3) أي: أقرب، وأحقّ.
(1) في (م 3): منهم.
(2)
ورد هذا الحديث في صحيح مسلم تحت عنوان: فضل النظر إليه صلى الله عليه وسلم.
(3)
رواه مسلم (1619)(15).
فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ قَالُوا: كَيفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الأَنبِيَاءُ إِخوَةٌ مِن عَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُم شَتَّى، وَدِينُهُم وَاحِدٌ ولَيسَ بَينَنَا نَبِيٌّ.
ــ
و(قوله: في الأولى والآخرة) أي: في الدنيا وفي الدار الآخرة.
و(قوله: كيف يا رسول الله؟ سؤال عن وجه الأولوية. فقال في الجواب: الأنبياء إخوة من عَلَاّت، أُمَّهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيني وبينه نبي (1). وفي لفظ آخر: أولاد عَلَاّت (2). وفي الصحاح: بنو العلَاّت: هم أولاد الرجل من نسوة شتى، سميت بذلك لأن الذي يتزوجها على أولى كانت قبلها، ثم علَّ من هذه، والعَلَلُ: الشرب الثاني. يقال: عَلَلٌ بعد نهلٍ، وعله يعله: إذا سقاه السَّقية الثانية، وقال غيره: سُمُّوا بذلك لأنهم أولاد ضرائر، والعلَاّت الضرائر. وشتَّى: مختلفون، ومنه قوله تعالى:{تَحسَبُهُم جَمِيعًا وَقُلُوبُهُم شَتَّى}
قال القاضي أبو الفضل عياض: معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم، وبعضهم بعيد الوقت من بعض، فهم أولاد علَاّت، إذ لم يجمعهم زمان واحد، كما لم يجمع أولاد العلَاّت بطن واحد، وعيسى عليه السلام لما كان قريب الزمان منه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن بينهما نبي، كانا كأنهما في زمان واحد، فكانا بخلاف غيرهما.
قلت: هذا أشبه ما قيل في هذا الحديث، ويستفاد منه: إبطال قول من قال: إنه كان بعد عيسى أنبياء ورسل، فقد قال بعض الناس: إن الحواريين كانوا أنبياء، وأنهم أرسلوا إلى الناس بعد عيسى، وهو قول أكثر النصارى، كما ذكرناه في كتاب الإعلام.
و(قوله: ودينهم واحد) أي: في (3) توحيدهم، وأصول أديانهم، وطاعتهم
(1) رواه البخاري (6735)، ومسلم (1615)، وأبو داود (2898)، والترمذي (2099).
(2)
هذه الرواية ليست في التلخيص، وإنما هي في صحيح مسلم برقم (2365)(143).
(3)
ليست في (ز) و (ع) و (م 3).
رواه أحمد (2/ 319)، والبخاريُّ (3443)، ومسلم (2365)(145).
ــ
لله تعالى، واتباعهم لشرائعه، والقيام بالحق، كما قال تعالى:{شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} الآية، ولم يُرِد فروع الشرائع، فإنَّهم مختلفون فيها كما قال تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا}
و(قوله: ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان) يعني به: أول وقت الولادة حين يستهل أوَّل استهلال، بدليل قوله في الرواية الأخرى: يوم يولد أي: حين يولد. والعرب قد تطلق اليوم وتريد به الوقت والحين. كما قال تعالى: {كَأَنَّهُم يَومَ يَرَونَ مَا يُوعَدُونَ لَم يَلبَثُوا} أي: حين يرون، كما تقدَّم في الحديث قبل هذا: ليأتين على أحدكم يوم لا يراني (1) أي: زمن ووقت، وهو كثير. وكأن النَّخس من الشيطان إشعار منه بالتمكن والتسليط، وحفظ الله تعالى لمريم وابنها من نخسته تلك التي هي ابتداء التسليط ببركة إجابة دعوة أمها حين قالت:{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ} فاستجاب الله لها لما حضرها في ذلك الوقت من صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وصحة التوكل، وأمها هي امرأة عمران، واسمها حنَّة بنت فاقود، وكانت لما حملت نذرت، وأوجبت على نفسها أن تجعل ما تلده منزهًا منقطعًا للعبادة، لا يشتغل بشيء مما في الوجود، على شريعتهم في الرهبانية، وملازمتهم الكنائس، وانقطاعهم فيها إلى الله تعالى بالكلية. ولذلك لما ولدتها أنثى قالت:{وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} أي: فيما نذرته له من الرهبانية.
(1) تقدم في التخليص برقم (2983).
[2278]
وعنه: أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا مِن مَولُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيطَانُ، فَيَستَهِلُّ صَارِخًا مِن نَخسَةِ الشَّيطَانِ إِلَّا ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ. ثُمَّ
ــ
و(قوله: كل مولود (1) وما من مولود) ظاهر قوي في العموم والإحاطة، ولما استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص لا سيما مع النظر الذي أبديناه، فأفاد هذا: أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء، والأولياء، إلا مريم وابنها، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما، ولا يفهم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس وإغواؤه، فإنَّ ذلك ظن فاسد، وكم قد تعرض الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك يعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال:{إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ} هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِّل به قرينُه من الشياطين (1)، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فمريم وابنها - وإن عصما من نخسه - فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته. وقد خصَّ الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بخاصيَّة كمل عليه بها إنعامه بأن أعانه على شيطانه حتى صحَّ إسلامه (2)، فلا يكون عنده شرٌّ، ولا يأمره إلا بخير، وهذه خاصَّة لم يؤتها أحدٌ غيره، لا عيسى، ولا أمه. وفي غير كتاب مسلم: فذهب الشيطان ليطعن في خاصرته فطعن في الحجاب (3)، أي: في الحجاب الذي حجب به عيسى عليه السلام، فإمَّا حجاب مهده، وإما حجاب بيته.
و(قوله: صياح المولود نزغة من الشيطان (4)) الرواية المعروفة: نزغة
(1) هذه رواية أحمد في مسنده (2/ 319).
(2)
رواه أحمد (1/ 385)، ومسلم (2814).
(3)
رواه أحمد (2/ 523)، والبخاري (3286).
(4)
هذه العبارة من حديث لم يُورده المؤلف في التلخيص، وإنما هو في صحيح مسلم برقم (2367).
قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: اقرَؤوا إِن شِئتُم {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ}
وفي رواية: كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيطَانُ يَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ إِلَّا مَريَمَ وَابنَهَا.
رواه أحمد (2/ 233)، والبخاريّ (3548)، ومسلم (2366)(146 و 147).
[2279]
وعنه: قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: رَأَى عِيسَى ابنُ مَريَمَ رَجُلًا يَسرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبتُ نَفسِي.
رواه أحمد (2/ 314)، والبخاريّ (3444)، ومسلم (2368)، والنسائي (8/ 249)، وابن ماجه (2102).
* * *
ــ
- بالنون والزاي ساكنة والغين المعجمة - من النزغ: وهو الوسوسة، والإغراء بالفساد، ووقع لبعض الرواة: فزعة - بالفاء والعين المهملة -: من الفزع.
و(قوله: رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق فقال: سرقت. قال: كلا والذي لا إله إلا هو) ظاهر قول عيسى لهذا الرجل: سرقت أنه خبر عما فعل الرجل من السرقة، وكأنه حقق السرقة عليه، لأنَّه رآه قد أخذ مالًا لغيره من حرز في خفية، ويحتمل أن يكون مستفهمًا له عن تحقيق ذلك، فحذف همزة الاستفهام، وحذفها قليل.
و(قول الرجل: كلا) أي: لا. نفى ذلك، ثم أكده باليمين.
و(قول عيسى: آمنت بالله، وكذبت نفسي) أي: صدَّقت من حلف بالله،