المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(17) باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - جـ ٦

[أبو العباس القرطبي]

فهرس الكتاب

- ‌(32) كتاب الرؤيا

- ‌(1) باب الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره

- ‌(2) باب أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا

- ‌(3) باب الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة

- ‌(4) باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(5) باب لا يخبر بتلعب الشيطان به

- ‌(6) باب استدعاء العابر ما يعبر، وتعبير من لم يسأل

- ‌(7) باب فيما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه

- ‌(33) كتاب النبوات وفضائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌(1) باب كونه مختارا من خيار الناس في الدنيا وسيدهم يوم القيامة

- ‌(2) باب من شواهد نبوته صلى الله عليه وسلم وبركته

- ‌(3) باب في عصمة الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ممن أراد قتله

- ‌(4) باب ذكر بعض كرامات رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال هجرته وفي غيرها

- ‌(5) باب مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم

- ‌(6) باب مثل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنبياء

- ‌(7) باب إذا رحم الله أمة قبض نبيها قبلها

- ‌(8) باب ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوض المورود ومن أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض

- ‌(9) باب في عظم حوض النبي صلى الله عليه وسلم ومقداره وكبره وآنيته

- ‌(10) باب شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم وإمداده بالملائكة

- ‌(11) باب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأحسن الناس خلقا

- ‌(12) باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وقال: لا. وفي كثرة عطائه

- ‌(13) باب في رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبيان والعيال والرقيق

- ‌(14) باب في شدة حياء النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية ضحكه

- ‌(15) باب بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الإثم، وقيامه لمحارم الله عز وجل، وصيانته عما كانت عليه الجاهلية من صغره

- ‌(16) باب طيب رائحة النبي صلى الله عليه وسلم وعرقه ولين مسه

- ‌(17) باب في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيفيته

- ‌(18) باب في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخضابه

- ‌(19) باب في حسن أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(20) باب في خاتم النبوة

- ‌(21) باب كم كان سن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قبض؟وكم أقام بمكة

- ‌(22) باب عدد أسماء النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(23) باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية

- ‌(24) باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم والانتهاء عما نهى عنه

- ‌(25) باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم توقيرا له واحتراما

- ‌(26) باب عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى

- ‌(27) باب كيف كان يأتيه الوحي

- ‌(28) باب في ذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام

- ‌(29) باب في ذكر إبراهيم عليه السلام

- ‌(30) باب

- ‌(31) باب قصة موسى مع الخضر عليه السلام

- ‌(32) باب في وفاة موسى عليه السلام

- ‌(33) باب في ذكر يونس ويوسف وزكريا عليهم السلام

- ‌(34) باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخيروا بين الأنبياء

- ‌(35) باب فضائل أبي بكر الصديق واستخلافه رضي الله عنه

- ‌(36) باب فضائل عمر بن الخطاب

- ‌(37) باب فضائل عثمان رضي الله عنه

- ‌(38) باب فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌(39) باب فضائل سعد بن أبي وقاص

- ‌(40) باب فضائل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم

- ‌(41) باب فضائل الحسن والحسين

- ‌(42) باب فضائل أهل البيت رضي الله عنهم

- ‌(43) باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد

- ‌(44) باب فضائل عبد الله بن جعفر

- ‌(45) باب فضائل خديجة بنت خويلد

- ‌(46) باب فضائل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون

- ‌(47) باب ذكر حديث أم زرع

- ‌(48) باب فضائل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(49) باب فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(50) باب فضائل أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم وأم سليم، أم أنس بن مالك

- ‌(51) باب فضائل أبي طلحة الأنصار

- ‌(52) باب فضائل بلال بن رباح

- ‌(53) باب فضائل عبد الله بن مسعود

- ‌(54) باب فضائل أبي بن كعب

- ‌(55) باب فضائل سعد بن معاذ

- ‌(56) باب فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة، وعبد الله بن عمرو بن حرام

- ‌(57) باب فضائل جليبيب

- ‌(58) باب فضائل أبي ذر الغفاري

- ‌(59) باب فضائل جرير بن عبد الله رضي الله عنه

- ‌(60) باب فضائل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر

- ‌(61) باب فضائل أنس بن مالك

- ‌(62) باب فضائل عبد الله بن سلام

- ‌(63) باب فضائل حسان بن ثابت

- ‌(64) باب فضائل أبي هريرة رضي الله عنه

- ‌(65) باب قصة حاطب بن أبي بلتعة وفضل أهل بدر وأصحاب الشجرة

- ‌(66) باب في فضائل أبي موسى الأشعري والأشعريين

- ‌(67) باب فضائل أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه

- ‌(68) باب فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأصحاب السفينة

- ‌(69) باب فضائل سلمان وصهيب رضي الله عنهما

- ‌(70) باب فضائل الأنصار رضي الله عنهم

- ‌(71) باب خير دور الأنصار رضي الله عنهم

- ‌(72) باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لغفار وأسلم

- ‌(73) باب فضل مزينة وجهينة وأشجع وبني عبد الله

- ‌(74) باب ما ذكر في طيئ ودوس

- ‌(75) باب ما ذكر في بني تميم

- ‌(76) باب خيار الناس

- ‌(77) باب ما ورد في نساء قريش

- ‌(78) باب في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار

- ‌(79) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أمنة لأصحابي وأصحابي أمنة لأمتي

- ‌(80) باب خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم

- ‌(81) باب وجوب احترام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عن سبهم

- ‌(82) باب ما ذكر في فضل أويس القرني رضي الله عنه

- ‌(83) باب ما ذكر في مصر وأهلها وفي عمان

- ‌(84) باب في ثقيف كذاب ومبير

- ‌(85) باب ما ذكر في فارس

- ‌(86) باب

- ‌(34) كتاب البر والصلة

- ‌(1) باب في بر الوالدين وما للأم من البر

- ‌(2) باب ما يتقى من دعاء الأم

- ‌(3) باب المبالغة في بر الوالدين عند الكبر وبر أهل ودهما

- ‌(4) باب في البر والإثم

- ‌(5) باب في وجوب صلة الرحم وثوابها

- ‌(6) باب النهي عن التحاسد والتدابر والتباغض وإلى كم تجوز الهجرة

- ‌(7) باب النهي عن التجسس والتنافس والظن السيئ وما يحرم على المسلم من المسلم

- ‌(8) باب لا يغفر للمتشاحنين حتى يصطلحا

- ‌(9) باب التحاب والتزاور في الله عز وجل

- ‌(10) باب في ثواب المرضى وذوي الآفات إذا صبروا

- ‌(11) باب الترغيب في عيادة المرضى وفعل الخير

- ‌(12) باب تحريم الظلم والتحذير منه وأخذ الظالم

- ‌(13) باب الأخذ على يد الظالم ونصر المظلوم

- ‌(14) باب من استطال حقوق الناس اقتص من حسناته يوم القيامة

- ‌(15) باب النهي عن دعوى الجاهلية

- ‌(16) باب مثل المؤمنين

- ‌(17) باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته

- ‌(18) باب الترغيب في العفو والستر على المسلم

- ‌(19) باب الحث على الرفق ومن حرمه حرم الخير

- ‌(20) باب لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا والتغليظ على من لعن بهيمة

- ‌(21) باب لم يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لعانا وإنما بعث رحمة، وما جاء من أن دعاءه على المسلم أو سبه له طهور وزكاة ورحمة

- ‌(22) باب ما ذكر في ذي الوجهين وفي النميمة

- ‌(23) باب الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب وما يباح منه

- ‌(24) باب ما يقال عند الغضب ومدح من يملك نفسه عنده

- ‌(25) باب النهي عن ضرب الوجه وفي وعيد الذين يعذبون الناس

- ‌(26) باب النهي أن يشير الرجل بالسلاح على أخيه والأمر بإمساك السلاح بنصولها

- ‌(27) باب ثواب من نحى الأذى عن طريق المسلمين

- ‌(28) باب عذبت امرأة في هرة

- ‌(29) باب في عذاب المتكبر والمتألي على الله، وإثم من قال: هلك الناس، ومدح المتواضع الخامل

- ‌(30) باب الوصية بالجار وتعاهده بالإحسان

- ‌(31) بَابُ فضل السعي على الأَرمَلَةِ وكفالة اليَتِيمِ

- ‌(32) باب التحذير من الرياء والسمعة ومن كثرة الكلام ومن الإجهار

- ‌(33) بَابُ تغليظ عُقُوبَةِ مَن أمر بِمَعرُوف وَلم يَأته وَنهَى عَن المُنكَرِ وأتاه

- ‌(34) بَابُ في تَشمِيتِ العَاطِسِ إذا حمد الله تعالى

- ‌(35) باب في التثاؤب وكظمه

- ‌(36) باب كراهية المدح وفي حثو التراب في وجوه المداحين

- ‌(37) باب ما جاء أن أمر المسلم كله له خير ولا يلدغ من جحر مرتين

- ‌(38) باب اشفعوا تؤجروا ومثل الجليس الصالح والسيئ

- ‌(39) باب ثواب من ابتلي بشيء من البنات وأحسن إليهن

- ‌(40) باب من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم

- ‌(41) باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده والأرواح أجناد

- ‌(42) باب المرء مع من أحب وفي الثناء على الرجل الصالح

- ‌(35) كتاب القدر

- ‌(1) باب في كيفية خلق ابن آدم

- ‌(2) باب السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه

- ‌(3) باب كل ميسر لما خلق له

- ‌(4) باب في قوله تعالى: {وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا}

- ‌(5) باب الأعمال بالخواتيم

- ‌(6) باب محاجة آدم موسى عليهما السلام

- ‌(7) باب كتب الله المقادير قبل الخلق وكل شيء بقدر

- ‌(8) باب تصريف الله تعالى القلوب وكتب على ابن آدم حظه من الزنا

- ‌(9) باب كل مولود يولد على الفطرة وما جاء في أولاد المشركين وغيرهم، وفي الغلام الذي قتله الخضر

- ‌(10) باب الآجال محدودة والأرزاق مقسومة

- ‌(11) باب الأمر بالتقوى والحرص على ما ينفع وترك التفاخر

- ‌(36) كتاب العلم

- ‌(1) باب فضل من تعلم وتفقه في القرآن

- ‌(2) باب كراهة الخصومة في الدين والغلو في التأويل والتحذير من اتباع الأهواء

- ‌(3) باب كيفية التفقه في كتاب الله والتحذير من اتباع ما تشابه منه وعن المماراة فيه

- ‌(4) باب إثم من طلب العلم لغير الله

- ‌(5) باب طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبرهم والتخول بالموعظة والعلم خوف الملل

- ‌(6) باب النهي عن أن يكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء غير القرآن ونسخ ذلك

- ‌(7) باب في رفع العلم وظهور الجهل

- ‌(8) باب في كيفية رفع العلم

- ‌(9) باب ثواب من دعا إلى الهدى أو سن سنة حسنة

- ‌(10) باب تقليل الحديث حال الرواية وتبيانه

- ‌(11) باب تعليم الجاهل

الفصل: ‌(17) باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته

وفي رواية: المُسلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِن اشتَكَى عَينُهُ اشتَكَى كُلُّهُ، وَإِن اشتَكَى رَأسُهُ اشتَكَى كُلُّهُ.

رواه أحمد (4/ 268)، ومسلم (2586)(66 و 67).

* * *

(17) باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته

[2495]

عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: المُستَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى البَادِئِ مَا لَم يَعتَدِ المَظلُومُ.

رواه أحمد (2/ 235)، ومسلم (2587)، وأبو داود (4894)، والترمذيُّ (1981).

ــ

(17)

ومن باب: تحريم السباب والغيبة

(قوله: المستبان ما قالا، فعلى الأول ما لم يعتد المظلوم) المستبان: تثنية مستب من السب، وهو الشتم والذم، وهما مرفوعان بالابتداء، و (ما) موصولة، وهي في موضع رفع بالابتداء أيضًا، وصلتها: قالا، والعائد محذوف، تقديره: قالاه، و (على الأول) خبر ما، ودخلت الفاء على الخبر لما تضمنه الاسم الموصول من معنى الشرط، نحو قوله تعالى:{وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} وما وخبرها: خبر المبتدأ الأول الذي هو المستبان. ومعنى الكلام: أن المبتدئ بالسب هو المختص بإثم السب، لأنَّه ظالم به؛ إذ هو مبتدئ من غير سب ولا استحقاق، والثاني منتصر فلا إثم عليه، ولا جناح، لقوله تعالى:{وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ} لكن السب المنتصر به - وإن كان

ص: 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مباحًا للمنتصر - فعليه إثم من حيث هو سب، لكنه عائد إلى الجاني الأول، لأنَّه هو الذي أحوج المنتصر إليه وتسبب فيه، فيرجع إثمه عليه، ويسلم المنتصر من الإثم، لأنَّ الشرع قد رفع عنه الإثم والمؤاخذة، لكن ما لم يكن من المنتصر عدوان إلى ما لا يجوز له، كما قال: ما لم يعتد المظلوم أي: ما لم يجاوز ما سُب به إلى غيره، إما بزيادة سب آخر أو بتكرار مثل ذلك السب، وذلك أن المباح في الانتصار: أن يرد مثل ما قال الجاني، أو يقاربه، لأنَّه قصاص، فلو قال له: يا كلب - مثلا - فالانتصار أن يرد عليه بقوله: بل هو الكلب، فلو كرر هذا اللفظ مرتين أو ثلاثا لكان متعديا بالزائد على الواحدة، فله الأولى، وعليه إثم الثانية، وكذلك لو رد عليه بأفحش من الأولى، فيقول له: خنزير - مثلا - كان كل واحد منهما مأثوما، لأنَّ كلا منهما جار على الآخر، وهذا كله مقتضى قوله تعالى:{فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم} وقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا}

وكل ما ذكرناه من جواز الانتصار إنما هو فيما إذا لم يكن القول كذبا أو بهتانا، فلا يجوز أن يتكلم بذلك لا ابتداء ولا قصاصا، وكذلك لو كان قذفا، فلو رده كان كل واحد منهما قاذفا للآخر، وكذلك لو سب المبتدئ أبا المسبوب أو جده، لم يجز له أن يرد ذلك، لأنَّه سب لمن لم يجنِ عليه، فيكون الرد عدوانا لا قصاصا.

قال بعض علمائنا: إنما يجوز الانتصار فيما إذا كان السب مما يجوز سب المرء به عند التأديب كالأحمق، والجاهل، والظالم، لأنَّ أحدا لا ينفك عن بعض هذه الصفات إلا الأنبياء والأولياء، فهذا إذا كافأه بسبه فلا حرج عليه ولا إثم، وبقي الإثم على الأول بابتدائه وتعرضه لذلك.

تنبيه: ظاهر قوله تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ} أن الانتصار مباح، وعلى ذلك يدلّ الحديث المذكور، لكن قوله تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصِرُونَ} مدح من الله تعالى للمنتصر، والمباح لا يمدح عليه، فاختلف العلماء في ذلك، فقال السدي: إنما

ص: 567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مدح الله من انتصر ممن بغي عليه من غير زيادة على مقدار ما فُعل به، يعني: أنه إنما مدح من حيث إنه اتقى الله في انتصاره، إذا أوقعه على الوجه المشروع، ولم يفعل ما كانت الجاهلية تفعل من الزيادة على الجناية. وقال غيره: إنما مدح الله من انتصر من الظالم الباغي المعلن بظلمه الذي يعُم ضرره، فالانتقام منه أفضل، والانتصار عليه أولى. قال معناه إبراهيم النخعي، ولا خفاء في أن العفو عن الجناة وإسقاط المطالبة عنهم بالحقوق، مندوب إليه، مرغّب فيه على الجملة، لقوله تعالى:{وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزمِ الأُمُورِ} ولقوله: {فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى اللَّهِ} وقوله: {وَليَعفُوا وَليَصفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللَّهُ لَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقوله: {وَأَن تَعفُوا أَقرَبُ لِلتَّقوَى} ولقوله صلى الله عليه وسلم: ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا (1)، وقوله: تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك (2) ونحوه كثير، ومع ذلك فاختلف العلماء في المحاللة من الحقوق، فقال سعيد بن المسيب: لا أحلل أحدا. وظاهره: أنه كان لا يجيز أن يعفو عن حق وجب له، ولا يسقطه، ولم يفرق بين الظالم ولا غيره، وهذا هو الذي فهمه مالك عنه.

وذهب غيره إلى أنه تجوز المحاللة من جميع الحقوق وإسقاطها، وإليه ذهب محمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، كان يحلل من ظلمه، ويكره لنفسه الخصوم. وفرق آخرون بين الظالم، فلم يحللوه، وبين غيره فحللوه، وإليه ذهب إبراهيم النخعي، وهو ظاهر قول مالك، وقد سئل فقيل له: أرأيت الرجل يموت، ولك عليه دَين، ولا وفاء له به؟ قال: أفضل عندي أن أحلله، وأما الرجل يظلم الرجل فلا أرى ذلك. قال الله عز وجل:{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظلِمُونَ النَّاسَ} فظاهر هذا: أن

(1) رواه مسلم (2588)، والترمذي (2530)، والموطأ (2/ 1000).

(2)

رواه البزار كما في كشف الأستار (1906) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 154): وفيه سليمان بن داود اليمامي متروك.

ص: 568

[2496]

وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَتَدرُونَ مَا الغِيبَةُ؟ قَالُوا:

ــ

الظالم لا يجوز أن يحلل، ولم يفرق بين الحقوق، فيكون مذهبه كمذهب النخعي المتقدم، غير أنه قد روي قول مالك هذا بلفظ آخر، فقال: أما الرجل يغتاب الرجل، وينتقصه، فلا أرى ذلك، ففهم بعض أصحابنا من هذا: أن ترك المحاللة إنما منعه في الأعراض خاصة، وأما في سائر الحقوق فيجوز، وسبب هذا الخلاف: هل تلك الأدلة مبقاة على ظواهرها من التعميم، أو هي مخصصة فيخرج منها الظالم، لأنَّ تحليله من المظالم يجرّئه على الإكثار منها، وهو ممنوع بالإجماع، ثم ذلك عون له على الإثم والعدوان، وقد قال تعالى:{وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ} وأما الفرق بين الأعراض وغيرها فمبالغة في سد ذريعة الأعراض ليسارتها وتساهل الناس في أمرها، فاقتضى ذلك المبالغة في الردع عنها، فإذا علم الذي يريد أن يغتاب مسلما أن الغيبة وأعراض المسلمين لا يعفى عنها، ولا يخرج منها، امتنع من الوقوع فيها.

قلت: ويرد على هذه التخصيصات سؤالات يطول الكلام بإيرادها والانفصال عنها، والتمسك بالعموم هو الأصل المعلوم، لاسيما مع قوله صلى الله عليه وسلم: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا أصبح يقول: اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك (1) ومع الأصل الكلي في حقوق بني آدم من جواز تصرفهم فيها بالإعطاء والمنع، والأخذ والإسقاط، والله تعالى أعلم.

تفريع: القائلون بجواز التحلل وإسقاط الحقوق اختلفوا: هل تسقط عن الظالم مطالبة الآدمي فقط، ولا تسقط عنه مطالبة الله عز وجل؟ أو يسقط عنه الجميع؟ لأهل العلم فيه قولان.

و(قوله: أتدرون ما الغيبة؟ ) كأن هذا السؤال صدر عنه بعد أن جرى ذكر

(1) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (6/ 177)، وقال: رواه أبو عمر (ابن عبد البر).

ص: 569

اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ قَالَ: ذِكرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيتَ إِن كَانَ فِي

ــ

الغيبة، ولا يبعد أن يكون ذلك بعد نزول قوله تعالى:{وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا} ففسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغيبة المنهي عنها. ووزنها فعلة، وهي مأخوذة من الغيبة - بفتح الغين - مصدر غاب، لأنَّها ذكر الرجل في حال غيبته بما يكرهه لو سمعه. يقال من ذلك المعنى: اغتاب فلان فلانا، يغتابه اغتيابا، واسم ذلك المعنى: الغيبة، ولا شك في أنها محرمة وكبيرة من الكبائر، بالكتاب والسنة، فالكتاب: قوله تعالى: {وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا} الآية، وأما السنة فكثيرة، من أنصها ما خرجه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم (1)، وفي كتابه من حديث أنس عنه صلى الله عليه وسلم، قال: مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم (2).

وإذا تقررت حقيقة الغيبة وأن أصلها على التحريم، فاعلم أنها قد تخرج عن ذلك الأصل صور، فتجوز الغيبة في بعضها، وتجب في بعضها، ويندب إليها في بعضها: فالأولى كغيبة المعلن بالفسق المعروف به، فيجوز ذكره بفسقه لا بغيره، مما يكون مشهورا به، لقوله صلى الله عليه وسلم: بئس أخو العشيرة كما يأتي، وقوله صلى الله عليه وسلم: لا غيبة في فاسق (3)، ولقوله: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (4). والثاني:

(1) رواه أبو داود (4877).

(2)

رواه أبو داود (4878) بلفظ: "ليلة عُرج بي. . .".

(3)

ذكره العجلوني في كشف الخفاء (2/ 366) وقال في الدرر: له طرق كثيرة. قال أحمد: منكر. وقال الحاكم والدارقطني والخطيب: باطل.

(4)

رواه أحمد (4/ 222)، والنسائي (7/ 316)، وابن ماجه (2427)، وابن حبان (5089) الإحسان.

ص: 570

أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِن كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَد اغتَبتَهُ، وَإِن لَم يَكُن فِيهِ فَقَد بَهَتَّهُ.

رواه أحمد (2/ 230)، ومسلم (2589)، وأبو داود (4874)، والترمذي (1934).

ــ

جرح شاهد عند خوف إمضاء الحكم بشهادته، وجرح المحدث الذي يخاف أن يُعمل بحديثه، أو يُروى عنه، وهذه أمور ضرورية في الدين، معمول بها، مجمع من السلف الصالح عليها.

ونحو ذلك: ذكر عيب من استنصحت في مصاهرته أو معاملته، فهذا يجب عليك الإعلام بما تعلم من هناته عند الحاجة إلى ذلك، على جهة الإخبار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه (1).

وقد يكون من هذين النوعين ما لا يجب، بل يندب إليه، كفعل المحدثين حين يعرفون بالضعفاء مخافة الاغترار بحديثهم، وكتحريز من لم يسأل مخافة معاملة مَن حاله تُجهل، وحيث حكمنا بوجوب النص على الغيب، فإنما ذلك إذا لم نجد بدا من التصريح والتنصيص، فأمَّا لو أغنى التعريض والتلويح، لحرم التنصيص والتصريح؛ فإنَّ ذلك أمر ضروري، والضروري يقدر بقدر الحاجة، والله تعالى أعلم.

و(قوله: وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) هو بتخفيف الهاء وتشديد التاء، لإدغام تاء المخاطب في التاء التي هي لام الفعل، وكذلك رويته، ويجوز أن تكون مخففة على إسقاط تاء الخطاب، يقال: بهته بهتا وبهتا وبهتانا، أي: قال عليه ما لم يقل، وهو بهات، والمقول مبهوت، ويقال: بهِت الرجل - بالكسر - إذا دهش وتحير، وبهُت - بالضم - مثله، وأفصح منها: بُهِت، كما قال تعالى:{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} لأنَّه يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا بهيت. قاله الكسائي.

(1) رواه أحمد (6/ 412)، ومسلم (1480)، وأبو داود (2284)، والنسائي (6/ 210).

ص: 571

[2497]

وعن عَائِشَةُ: أَنَّ رَجُلًا استَأذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ائذَنُوا لَهُ فَلَبِئسَ ابنُ العَشِيرَةِ - أَو بِئسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ - فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ أَلَانَ لَهُ

ــ

و(قوله صلى الله عليه وسلم: بئس ابن العشيرة، أو: رجل العشيرة) هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذم لهذا الرجل في حال غيبته لما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حاله، وأنه ممن لا غيبة فيه، وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن مالك الفزاري، أسلم بعد الفتح، وقيل: قبله، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من الأعراب الجفاة. روى أبو عمر بن عبد البر عن إبراهيم النخعي: أن عيينة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأين الإذن؟ فقال: ما استأذنت على أحد من مضر، وكانت عائشة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من هذه الحميراء؟ فقال: أم المؤمنين. فقال: ألا أنزل لك عن أجمل منها؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا أحمق مطاع، وهو على ما ترين سيد قومه (1).

وقال الزهري: كان لعيينة ابن أخ من جلساء عمر رضي الله عنه يقال له الجد بن قيس، فقال عيينة لابن أخيه: ألا تدخلني على هذا؟ فقال: أخاف أن تتكلم بما لا ينبغي، فقال: لا أفعل، فأدخله على عمر رضي الله عنه فقال: يا بن الخطاب، والله ما تقسم بالعدل، ولا تعطي الجزل، فغضب عمر رضي الله عنه غضبا شديدا حتى هم أن يوقع به، فقال ابن أخيه: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول في كتابه:{خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَاهِلِينَ} وإن هذا من الجاهلين. قال: فخلى عنه عمر، وكان عمر رضي الله عنه وقافا عند كتاب الله تعالى.

قال القاضي عياض: وقد كان من عيينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد موته ما يدلّ على ضعف إيمانه، بل فيه علم من إعلام النبي صلى الله عليه وسلم، أنه بئس ابن العشيرة، وقد ظهر ذلك منه، إذ هو ممن ارتد وجيء به أسيرا إلى أبي بكر رضي الله عنه والله أعلم بما ختم له.

(1) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب (3/ 167) على هامش الإصابة.

ص: 572

القَولَ. قَالَت عَائِشَةُ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلتَ لَهُ الَّذِي قُلتَ، ثُمَّ أَلَنتَ لَهُ القَولَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنزِلَةً عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ مَن وَدَعَهُ - أَو تَرَكَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحشِهِ.

رواه أحمد (6/ 38)، والبخاريّ (6054)، ومسلم (2591)، والترمذيُّ (1996).

* * *

ــ

قلت: ويظهر من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من وَدَعَه الناس اتقاء فُحشه أن عيينة ختم له بخاتمة سوء، لأنَّه ممن اتقى النبي صلى الله عليه وسلم، فُحشه وشره، والناس. فهو إذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، ولا يكون كذلك حتى يختم الله تعالى له بالكفر، والله تعالى أعلم.

ففي حديثه من الفقه: جواز غيبة المعلن بفسقه ونفاقه، والأمير الجائر والكافر، وصاحب البدعة، وجواز مداراتهم اتقاء شرهم، لكن ما لم يؤدِ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى. والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة: هي بذل الدين لصالح الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حُسن عشرته، والرفق في مكالمته، وطلاقة وجهه، ولم يمدحه بقول، ولا روعي في ذلك في حديث. فعلى هذا فلا يناقض قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الرجل فعله معه، لأنَّ قوله ذلك إخبار بحق، ومداراته له حسن عشرة مع الخلق، فلا مدفع لأهل الزيغ والضلال، إذ لا يبقى على ما أوضحناه إشكال.

و(قوله: من وَدَعَه، أو تركه الناس اتقاء فحشه) هذا شك من بعض الرواة في أي اللفظين قال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان الصحيح: وَدَعَه، فقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بالأصل المرفوض، كما قد تكلم به الشاعر الذي هو أنس بن زنيم في قوله:

سل أميري ما الذي غيره

عن وصالي اليوم حتى وَدَعَه

ص: 573