الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى البغى
وهو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزَه أَولم يتجاوزه. فتارة يُعتبر فى القَدْر الَّذى هو الكَمّيّة، وتارة يعتبر فى الوصف الَّذى هو الكيفيّة. يقال: بَغَيت الشئَ إِذا طلبت أَكثر ممّا يجب، وابتغيت كذلك. والبغْى على ضربين:
أَحدهما محمود، وهو تجاوز العَدْل إِلى الإِحسان، والفَرضِ إِلى التطوّع.
والثانى مذموم. وهو تجاوز الحقّ إِلى الباطل، أَو تجاوزه إِلى الشُّبَه؛ كما قال النبىّ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الحلال بيّن، وإِنَّ الحرام بيّنٌ، وبينهما أَمور مشتبهات. ومن يرتعْ حول الحمى يوشكْ أَن يقع فيه".
وقد ورد فى القرآن لفظ البغى على خمسة أَوجه:
الأَوّل بمعنى الظُّلم: {وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي} ، {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغي} .
الثانى: بمعنى المعصية، والزَلَّة، {ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ} {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ} أَى يعصون.
الثالث: بمعنى الحَسَد: {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أَى حسدا.
الرَّابع: بمعنى الزِّنى: {وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء} .
الخامس: بمعنى الطلب: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أَى يطلبون لها اعوجاجا، {يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله} ولها نظائر.
ولأَنَّ البغى قد يكون محموداً ومذموماً قال - تعالى -: {إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس وَيَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق} فَخَصّ العقوبة بمن بغيُهُ بغير الحقِّ.
وأَبغيتك الشئَ: أَعنتك على طَلبِه. وبَغَى الجرحُ: تجاوز الحَدّ فى فساده. وبغت المرأَة: إِذا فجَرَتْ؛ لتجاوزها إِلى ما ليس لها. وبغت السّماءُ تجاوزة فى المطر حَدّ الحاجة. وبغى: تكبّر؛ لتجاوزه منزلتَه. ويستعمل ذلك فى أَىّ أَمر كان، فالبغى فى أَكثر المواضع مذموم. وقوله تعالى:{غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} أَى غير طالب ما ليس له طلبه، ولا متجاوز لما رُسم له. وقال الحسن: غير متناول للَّذَّةِ، ولا متجاوز سَدّ الجَوْعَةِ [وقال] : مجاهد: "غير باغ" على إِمام، "ولا عادٍ" فى المعصية طريق الحقّ.
وأَمّا الابتغاءُ فالاجتهاد فى الطلب، فمتى كان الطَّلب لشئٍ محمودٍ كان الابتغاءُ محموداً؛ نحو {ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} .
انبغى مطاوع بَغَى، فإِذا قيل ينبغى أَن يكون كذا فعلى وجهين:
أَحدهما: ما يكون مسخَّراً للفعل؛ نحو النارُ ينبغى أَن تحرق الثوب.
والثانى على معنى الاستئهال؛ نحو فلان ينبغى أَن يُكْرَم لِعِلْمِهِ.
وقوله - تعالى -: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ} على الأَوّل فإِنَّ معناه: لا يتسخَّر، ولا يتسهَّل له؛ أَلا ترى أَنَّ لسانه لم يكن يجرى به؟!