الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى الخلق
وهو التقدير، وقيل: التقدير المستقيم. ويستعمل فى إِبداع الشئ من غير أَصل ولا احتذاء. قال تعالى: {خَلَقَ السماوات والأرض} أَى أَبدعهما بدلالة قوله: {بَدِيعُ السماوات والأرض} . ويستعمل فى إِيجاد الشئ من الشئ. قال تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} .
وليس الخلق بمعنى الإِبداع إِلَاّ لله تعالى. ولهذا قال تعالى فى الفصل بينه وبين غيره: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَاّ يَخْلُقُ} وأَمّا الَّذى يكون بالاستحالة فقد جعله الله لغيره فى بعض الأَحوال كعيسى عليه السلام حيث قال: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} والخَلْق لا يستعمل فى جميع النَّاس إِلَاّ على وجهين:
أَحدهما فى معنى التقدير كقوله:
ولأَنت تفرِى ما خلقتَ وبعض الـ
…
ـقوم يخلق ثم لا يفرى
والثانى: فى الكذب نحو قوله تعالى: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} .
إِن قيل: قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} يدل على أَنَّه يصحّ أَن يوصف به غيره، قلنا: إِن ذلك معناه: أَحسن المُقدِّرين، أَو يكون على تقدير ما كانوا يعتقدون ويزعمون أَنَّ غير الله يُبدِعُ، فكأَنَّه
قيل: فاحسَب أَنَّ ههنا مبدعين وموجِدين فالله تعالى أَحسنهم إِيجاداً على ما يعتقدون، كما قال:{خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ} . وقوله تعالى: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} قيل: هو إِِشارة إِلى ما يشوِّهونه من الخِلْقة بالخِصاءِ ونَتْف اللِّحية وما يجرى مجراه. وقيل: معناه يغيّرون حكمه. وقوله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله} إِشارة إِلى ما قدّره وقضاه. وقيل: معنى لا تبديل نهى: لا تغيّروا خلقة الله. وقوله: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} كناية عن فروج النساءِ.
وكلّ موضع استعمل فيه الخَلْق فى وصف الكلام فالمراد به الكذب. ومن هذا الوجه امتنع كثير من الناس من إِطلاق لفظ الخَلْق على القرآن وعلى هذا قوله: {إِنْ هاذا إِلَاّ خُلُقُ الأولين} وقوله: {مَا سَمِعْنَا بهاذا فِى الملة الآخرة إِنْ هاذا إِلَاّ اختلاق} .
والخَلْق فى معنى المخلوق. والخَلْق والخُلْق فى الأَصل واحد. كالشَّرب والشُّرْب والصَّرم وَالصُّرْم، ولكن خُصّ الخَلْق بالهيئات والأَشكال والصّور
المدرَكة بالبصر، وخُصّ الخُلْق بالقُوَى والسّجايا المدركة بالبصيرة. قال تعالى: لنبيّه صلى الله عليه وسلم {وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال: ابن عباس رضى الله عنهما: لعَلَى دِين عظيم لا دين أَحبُّ إِلىّ ولا أَرضى عندى منه وهو دين الإِسلام. وقال الحسن: هو أَدب القرآن. وقال قتادة: هو ما كان يأْتمر به مِن أَمر الله ويَنْتَهى عنه من نَهْى الله. والمعنى: إِنَّك لعلى الخُلُق الَّذى آثرك الله تعالى به فى القرآن. وفى الصّحيحين أَنَّ هشام ابن حَكِيم سأَل عائشة عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خُلُقه القرآن.
واعلم أَنَّ الدّين كلَّه خُلُق. فمن زاد عليك فى الخُلُق زاد عليك فى الدين، وكذا التصوّف. قال الكتَّانى: هو خُلُق، فمن زاد عليك فى الخُلُق زاد عليك فى التصوّف. وقيل: حسن الخُلُق: بَذْل النَّدى، وكَفُّ الأَذَى. وقيل: فَكُّ الكفِّ، وكفُّ الفكِّ. وقيل: بذل الجميل وكفُّ القبيح. وقيل: التخلى من الرذائل، والتحلِّى بالفضائل. وهو يقوم على أَربعة أَركان لا يُتصوّر قيام ساقِه إِلَاّ عليها: الصّبر والعفَّة والشَّجاعة والعدل.
فالصبر يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وإِماطة الأَذى والحلم والأَناة والرِّفق وعدم الطَّيش والعجلة.
والعفَّةُ تحمله على اجتناب الرذائل والقبيح من القول والفعل. وتحمله على الحياءِ وهو ركن كلَّ خير، وتمنعه من الفحش والبخل والكذب والغيبة والنَّميمية.
والشجاعةُ تحمله على عِزَّةِ النَّفس وإِيثار معالى الأَخلاق والشِّيم، وعلى البذل والنَّدى الذى هو شجاعة النفس وقوّتها على إِخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كَظْم الغيظ والحلم فإِنَّه بقوّة نَفْسه وشجاعتها يمْسك عِنَانها ويكبحها بلجامها عن السّطوة والبطش؛ كما قال النبىّ صلى الله عليه وسلم:"ليس الشَّديد بالصُّرَعة إِنَّما الشديد الَّذى يمسك نفسه عند الغضب" وهذه هى حقيقة الشجاعة. وهى مَلكة يقتدِر معها على قهر خصمه.
والعدل يحمله على اعتدال أَخلاقة وتوسّطه بين طرفى الإفراط والتَّفريط فيحمله على خُلُق الجود والسّخاءِ الَّذى هو توسّط بين الإِمساك والتَّقتير، وعلى خُلُق الحياءِ الَّذى هو توسّط بين الذِّلة والقِحة، وعلى خُلُق الشَّجاعة الَّذى هو توسّط بين الجُبْن والتَّهوّر، وعلى خلق الحلم الذى هو توسّط بين الغضب والمهانة. والتوسّط منشأُ جميع الأَخلاق الفاضلة من هذه الأَربعة.
والخَلْق ورد فى القرآن على ثمانية أَوجه:
الأَوّل: بمعنى دين الحقّ {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله} أَى لدين الله {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله} أَى دين الله.
الثانى: بمعنى الكذب {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} أَى تكذبون {إِنْ هاذا إِلَاّ خُلُقُ الأولين} .
الثالث: بمعنى التَّصوير {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} أَى تصوّر.
الرابع: بمعنى التقدير {لَاّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أَى يقدَّرون.
الخامس: بمعنى الإِنطاق {أَنطَقَنَا الله} إِلى قوله {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوّلَ مَرَّةٍ} أَى أَنطقكم.
السّادس: الخَلْقُ بمعنى الجعل {خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} .
السّابع: بمعنى الإِحياءِ فى القيامة {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} أَى بعثنا {بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} أَى يبعث.
الثَّامن: بمعنى حقيقة الخِلْقة {خَلَقَ السماوات والأرض} {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} وله نظائر.