الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى الاتقاء
افتعال من التقوى، وهو جعل الشئ فى وقاية ممّا يُخاف منه. هذا حقيقته. ثمّ يسمّى الخوف تارة تَقْوَى، والتقوى تارة خوفاً، حسب تسمية المقتضَى بمقتضيه، والمقتضِى بمقتضاه.
وصار التَّقوى - فى عرف الشَّرع - حفظ النَّفس عمّا يُؤثم. وذلك يتجنَّب المحظور. و [يتم] ذلك بترك كثير من المباحات، كما فى الحديث "الحَلال بيّن والحرام بيّن. ومَنْ رتَع حول الحِمَى يوشك أَن يقع فيه"، "لا يبلُغُ الرّجل أَن يكون المتَّقين حتى يَدَع ما لا بأْس به حذرا مّما به البأْس" قال الماع: منازل التقوى ثلاثة: تقوَى عن الشرك، وتقوَى عن المعاصى، وتقوى عن البِدْعة.
وقد ذكرها الله سبحانه فى آية واحدة، وهى قوله عز وجل {لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا إِذَا مَا اتقوا وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ والله يُحِبُّ المحسنين} التَّقوى الأُولى تقوى عن الشرك، والإِيمان فى مقابلة التَّوحيد، والتَّقوى الثانية عن البدعة، والإِيمان المذكور معها إِقرار السنَّة والجماعة. والتقوى
الثالثة عن المعاصى الفرعيّة، والإِقرار فى هذه المنزلة قابلها بالإِحسان، وهو الطَّاعة وهو الاستقامة عليها.
وورد فى التنزيل على خمسة أَوجهٍ:
الأَوّل: بمعنى الخوف والخشية: {اتقوا رَبَّكُمُ} .
الثَّانى: بمعنى التحذير والتخويف: {لَا إلاه إِلَاّ أَنَاْ فاتقون} .
الثَّالث: بمعنى الاحْتراز عن المعصية: {وَأْتُواْ البيوت مِنْ أَبْوَابِهَا واتقوا الله} .
الرّابع: بمعنى التَّوحيد والشِّهادة: {اتقوا الله وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} أَى وحّدوا الله.
الخامس: بمعنى الإِخلاص واليقين: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب} {أولائك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى} .
وقوله - تعالى -: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} يُشْعِر بأَنَّ الأَمرِ كلَّه راجع إِلى التَّقوى. وقوله تعالى {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتقوا الله} يُفهِم أَنَّه لو كانت فى العالم خَصْلة هى أَصلح للعبد، وأَجمع الخير، وأَعظم للأَجر، وأَجَلّ فى العُبوديّة، وأَعظم فى القدر.
وأَوْلى فى الحال (وأَنجح) وفى المآل من هذه الخَصْلة، لكان الله - سبحانه - أَمر بها عباده، وأَوصى خواصّه بذلك؛ لكمال حكمته ورحمته. فلمّا أَوصى بهذه الخَصْلة الواحدة جميعَ الأَوّلين والآخرين من عباده، واقتصر عليها، علمنا أَنَّها الغاية الَّتى لا متجاوَز عنها، ولا مقتصر دونها، وأَنه عز وجل قد جمع كلّ محض نُصْح، ودلالة، وإِرشاد، وسُنَّة، وتأْديب، وتعليم، وتهذيب فى هذه الوصيّة الواحدة. والله ولىّ الهداية.