الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى التوكل
وهو يقال على وجهين: يقال: توكَّلت لفلان بمعنى تولَّيت له. يقال: وكَّلته توكيلاً، فتوكَّل لى. وتوكَّلت عليه بمعنى اعتمدته.
وقد أَمر الله تعالى بالتَّوكُّل فى خمسة عشر موضعاً من القرآن:
الأَوّل: إِن طلبتم النَّصر والفرج فتوكَّلوا علىّ: {إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} إِلى قوله: {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} ، {وَعَلَى الله فتوكلوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} .
الثانى: إِذا أَعرضتَ عن أَعدائى فليكن رفيقك التَّوكُّل: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} .
الثَّالث: إِذا أَعرض عنك الخلْقُ اعْتَمِدْ على التَّوكُّل: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إلاه إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} .
الرابع: إِذا تُلِى القرآن عليك، أَو تلوته، فاستَنِدْ على التوكُّل:{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
الخامس: إِذا طلبت الصّلح والإِصلاح بين قومٍ لا تتوسّل إِلى ذلك إِلَاّ بالتَّوكُّل: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} .
السّادس: إِذا وصلت قوافل القضاءِ استقبِلْها بالتَّوكُّل: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَاّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلَانَا} الآية.
السّابع: إِذا نَصبتِ الأَعداءُ حِبالات المكر ادخُلْ أَنت فى أَرض التوكُّل {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} إِلى قوله: {فَعَلَى اللهِ توكَّلْتُ} .
الثامن: وإِذا عرفت أَنَّ مرجع الكلّ إِلينا، وتقدير الكلّ منَّا، وطِّنْ نفسك على فَرْش التوكُّل:{فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} .
التاسع: إِذا علمت أَنى الواحدُ على الحقيقة، فلا يكن اتِّكالك إِلَاّ علينا:{قُلْ هُوَ رَبِّي لا إلاه إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} .
العاشر: إِذا عرفت أَنَّ هذه الهداية من عندى، لاقِها بالشُّكر، والتَّوكُّل:{وَمَا لَنَآ أَلَاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} إِلى قوله: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون} .
الحادى عشر: إِذا خشِيت بأْس أَعداءِ الله، والشيطان الغدّار، لا تلتجئ إِلَاّ إِلى بابنا:{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
الثانى عشر: إِن أَردتَ أَن أَكون أَنا وكيلك فى كلّ حال، فتمسّك بالتَّوكُّل فى كلّ حالٍ:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً} .
الثالث عشر: إِن أَردتَ أَن يكون الفردوس الأَعلى منزلك انزل فى مقام التوكُّل: {الذين صَبَرُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
الرابع عشر: إِن شئت النزول محلّ المحبّة اقصد أَولاً طريق التوكُّل: {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين} .
الخامس عشر: إِن أَردتَ أَن أَكونَ لكَ، وتكون لى، فاستقرَّ على تَخْت التوكُّل:{وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ} ، {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين} ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} .
ثمّ اعلم أَنَّ التَّوكُل نصف الدّين، والنصف الثانى الإِنابة. فإِنَّ الدّين استعانة، وعبادة. فالتَّوكُّل هو الاستعانة، والإِنابة هى العبادة.
ومنزلة التوكُّل (أَوسع المنازل: لا يزال معمورا بالنازلين لسعة متعلّق التوكُّل) وكثرة حوائج العاملين، وعموم التَّوكُّل، ووقوعه من المؤمنين والكفَّار، والأَبرار، والفُجّار، والطَّير، والوحوش، والبهائم، وأَهل السّماوات، والأَرض، وأَنَّ المكلَّفين، وغيرهم فى مقام التوكُّل [سواءٌ] وَإِنْ تباينَ متعلِّق توكُّلهم.
فأَولياؤه وخاصّته متوكِّلون عليه فى حصول ما يُرضيه منهم، وفى إِقامته فى الخَلْق، فيتوكَّلون عليه فى الإِيمان، ونُصْرة دينه، وإِعلاءِ كلماته، وجهاد أَعدائه، وفى محابّه، وتنفيذ أَوامره.
ودون هؤلاءِ مَن يتوكَّل عليه فى معلومٍ يناله: مِن رزق، أَو عافية، أَو نَصْرٍ على عدوٍّ، أَو زوجة، أَو ولد، ونحو ذلك.
ودون هؤلاءِ مَن يتوكَّل عليه فى حصول ما لا يحبّه الله، ولا يرضاه: من الظُّلم، والعدوان، وحصول الإِثم، والفواحش. فإِنَّ أَصحاب هذه المطالب لا ينالون غالباً إِلَاّ باستعانتهم، وتوكُّلهم عليه. بل قد يكون توكُّلهم أَقوى من توكُّل كثير من أَصحاب الطَّاعات. ولهذا يُلقُون أَنفسهم فى المهالك، معتمدين على الله - تعالى - أَن يُشمّهم، ويُظِفرهُم بمطالبِهم. فأَفضل التَّوكُّل فى الواجب: أَعنى واجبَ الحقّ، وواجبَ الخَلْق، وواجبَ النَّفس. وأَوسعُه وأَنفعُه التَّوكُّل فى التأْثير فى الخارج فى مصلحة دينه، أَو فى دفعِ مفسدة دينه. وهو توكُّل الأَنبياءِ - عليهم الصّلاة والسّلام - فى إِقامة دين الله، ودفع المفسدين فى الأَرض. وهذا توكُّل وَرَثتهم.
ثمّ النَّاس فى التوكُّل على حسب [أَغراضهم] . فمن متوكل على الله فى حصول المُلْك، ومتوكِّل عليه فى حصول (رغيف. ومَنْ صدق توكُّله على الله فى حصول) . شئٍ ناله. فإِن كان محبوباً له مرضيّاً كانت له فيه العاقبة المحمودة. وإِن كان مسخوطاً مبغوضا كان ما حصل له بتوكّله مَضرّة. وإِن كان مباحاً حصلت لهُ مصلحة التوكُّل، دون مصلحة ما توكَّل فيه، إِن لم يستعن به على طاعة.
فإِن قلت: ما معنى التوكُّل؟ قلت: قال الإِمام أَحمد: التوكل: عمل القلب: يعنى ليس بقولٍ، ولا عمل جارحة، ولا هو من باب العلوم،
والإِدراكات. ومن الناس مَن يجعله من باب المعارف، فيقول: هو علم القلب بكفاية العبد من الله. ومنهم من يقول: هو جُمُود حركة القلب، واطِّراحه بين يدِ الله كاطّراح الميّت بين يدى الغاسِل: يقلِّبه كيف يشاءُ. وقيل: ترك الاختيار، والاسترسالُ مع مجارى الأَقدار. ومنهم من يفسّره بالرّضا، ومنهم من يفسره بالثِّقة بالله، والطُّمأْنينة إِليه.
وقال ابن عطاءٍ. هو أَلَاّ يظهر فيه انزعاج إِلى الأَسباب، مع شدّة فاقته إِليها؛ ولا يزول عن حقيقة السّكون إِلى الحقِّ، مع وقوفه عليها. وقيل: ترك تدبير النَّفس، والانخلاعُ من الحَوْل والقُوّة.
وإِنَّما يَقْوَى العبد على التوكُّل إِذا علمِ أَن الحقّ سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه. وقيل: التوكُّل أَن ترد عليك مواردُ الفاقات، فلا تسمو إِلَاّ إِلى مَنْ له الكفايات، أَو نفى الشكوك، أَو التفويض إِلى مالك الملوك، أَو خلع الأَرباب، وقطع الأَسباب، أَى قطعها مِن تعلَّق القلب بها [لا] من ملابسة الجوارح لها. وقال أَبو سعيد الخَّراز: هو اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب. وقال سهل: مَنْ طعن فى الحركة، فقد طعن فى السُّنَّة. ومَنْ طعنَ فى التَّوكُّل فقد طعن فى الإِيمان. فالتوكُّل حال النبىّ صلى الله عليه وسلم، والكَسْب سُنَّته. فمَن عمل على حاله فلا يتركنَّ سنَّته.
وحقيقة الأَمر أَنَّ التوكُّل: حال مركَّب من مجموع أُمورٍ لا يتمّ حقيقة التَّوكُّل إِلَاّ بها. وكلّ أَشار إِلى واحدٍ من هذه الأُمور، أَو اثنين أَو أَكثر. فأَوّل ذلك معرفة الرّبّ وصفاتِه: من قدرته، وكفايته، وفيوضه، وانتهاءِ الأُمور إِلى علمه، وصدورها عن مشيئته، وقدرته. وهذه المعرفة أُولى درجة والثَّانية إِثبات الأَسباب والمسبّبات، فإِنَّ مَنْ نفاها فتوكّله مَزْح. وهذا عكس ما يظهر فى بادئ الرّأْى: من أَنَّ إِثبات الأَسباب يقدح فى التوكُّل. ولكنّ الأَمر بخلافه: فإِنَّ نُفَاةَ الأَسباب لا يستقيم لهم توكُّل البتَّة. فإِنَّ التوكُّل أَقوى الأَسباب فى حصول المتوكَّل به؛ فهو كالدّعاءِ الذى جعله الله سبباً فى حصول المدعُوّ به.
الدّرجة الثالثة رسوخ القلب فى مقام التَّوحيد؛ فإِنَّه لا يستقيم توكُّله حتى يصحّ توحيده.
الدرجة الرابعة اعتماد القلب على الله تعالى، واستناده عليه، وسكونه إِليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من جهة الأَسباب.
الخامسةُ حُسن الظنّ بالله. فعلى قدر حسن ظنِّك به يكون توكُّلك عليه.
السّادسة استسلام القلب له، وانجذاب دواعيه كلِّها إِليه.
السّابعة التفويض. وهو رُوح التوكُّل، ولُبّه، وحقيقته. فإِذا وَضَع قدمه فى هذه الدّرجة انتقل منها إِلى درجة الرضا وهى ثمرة التوكُّل. ونستوفى الكلام عليه إِن شاءَ الله تعالى فى محلِّه من المقصد المشتمل على علم التَّصوّف.