الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بصيرة فى الخوف
وهو توقُّع مكروه عن أَمارة مظنونة أَو معلومة، كما أَن الرجاءَ والطمع توقع محبوب عن أَمارة مظنونة أَو معلومة، ويضادّ الخوف الأَمن. ويستعمل ذلك فى الأُمور الأَخروية والدّنيويّة.
وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} قد فسّر بعرفتم. وحقيقته: وإِن وقع لكم خوف من ذلك لمعرفتكم. والخوف من الله لا يراد به ما يخطِر بالبال من الرّعب كاستشعار الخوف، بل إِنَّما يراد به الكفّ عن المعاصى وتحرّى الطَّاعات. ولذلك قيل: لا يعدُّ خائفاً من لم يكن للذُّنوب تاركاً.
والخوف أَجلّ منازل السّالكين وأَنفعها للقلب. وهو فرض على كلِّ أَحد. قال تعالى: {وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} وقال: {وَإِيَّايَ فاتقون} ومدح الله تعالى أَهله فى كتابه وأَثنى عليهم فقال: {إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ. والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ. والذين هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ. والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أولائك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} فى مسند الإِمام أَحمد وجامع التِّرمذى "عن عائشة رضى الله عنها قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذين يؤتون ما آتَوْا وقلوبهم وجلة" أَهو الَّذى يسرق ويشرب الخمر ويزنى؟ قال: لا يا ابنة الصّديق: ولكنَّه الرّجل يصوم ويصلِّى ويتصدّق
ويخاف أَن لا يقبل منه" وقال الحسن: عملوا والله الصَّالحات واجتهدوا فيها، وخافوا أَن تُردّ عليهم. وقال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجرى الأَنفاس. وقيل: الخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكُّر المَخُوف. وقيل: الخوف: هرب القلب من حلول المكروه وعند استشعاره. وقيل: الخوف العلم بمجارى الأَحكام. وهذا سبب الخوف لا نفسه. وقال أَبو حفص: الخوف سوط الله يقوِّم به الشاردين عن بابه. وقال: الخوف سراج فى القلب يبصر به ما فيه من الخير والشرّ. وكلّ واحد إِذا خِفْته هربت منه إِلَاّ الله فإِنَّك إِذا خفته هربت إِليه. وقال إِبراهيم بن سفيان: إِذا سكن الخوفُ القلب أَحرق مواضع الشَّهوات منه وطرد الدّنيا عنه. وقال ذو النُّون: الناس على الطَّريق ما لم يَزلْ عنهم الخوف، فإِذا زال عنهم الخوف ضَلُّوا عن الطَّريق.
والخوف ليس مقصوداً لذاته بل مقصود لغيره. والخوف المحمود الصَّادق: ما حال بين صاحبه ومحارم الله، فإِذا تجاوز ذلك خيف منه اليأْس والقنوط. وقال أَبو عثمان: صِدْق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهراً وباطناً. وقال الأَنصارى: الخوف هو الانخلاع عن طمأْنينة الأَمن بمطالعة الخَبر يعنى الخروج من سكون الأَمن باستحضار ما أَخبر اللهُ به من الوعد والوعيد.
وأَمّا التخويف من الله فهو الحَثُّ على التحرُّز. وعلى ذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ} ونهى الله تعالى عن مخافة الشيطان والمبالاة
بتخويفه، فقال {إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} أَى لا تأْتمروا للشيطان وأْتمروا لله تعالى. ويقال تخوّفناهم أَى تنقَّصناهم تنقُّصا اقتضاه الخوف منهم.
وقوله: {وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي} فخوفه منهم أَلَاّ يراعوا الشريعة ولا يحفظوا نظام الدّين، لا أَن يرثوا ماله كما ظنَّه بعض الجهلة. فالقُنْيات الدّنيويّة أَخسُّ عند الأَنبياءِ من أَن يُشفقوا عليها.
والخيفة: الحالة الَّتى عليها الإِنسان من الخوف. قال تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى} واستعمل استعمال الخوف. قال تعالى {والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ} وتخصيصُ لفظِ الخيفة تنبيه أَنَّ الخوف منهم حالة لازمة لا تفارقهم. والتخوّف: ظهور الخوف من الإِنسان. قال تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ} .
وقد ورد فى القرآن الخوف على خمسة وجوه:
الأَوّل: بمعنى القتل والهزيمة {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف} {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف} أَى القتل.
الثَّانى: بمعنى الحرب والقتال {فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ
حِدَادٍ} أَى إِذا انجلى الحرب {فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} أَى الحرب.
الثالث: بمعنى العلم والدّراية {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً} أَى عِلم {إِلَاّ أَن يَخَافَآ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} أَى يعلما {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى} أَى علمتم.
الرّابع: بمعنى النقص {أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ} أَى تنقُّص.
الخامس: بعنى الرُّعب والخشية من العذاب والعقوبة {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} .
وفى مواضع كثيرة قُرِن الخوف فى القرآن بـ "لا" النَّافية وبـ "لا" النَّاهية، نحو {لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} {لَا تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ} {لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى} {وَلَا تَخَافِي وَلَا تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ} {لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون} {أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين} {لَاّ تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تخشى} {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم} {فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً} {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {أَلَاّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ} .