الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنزلني عنده، وكان يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: اخرج فحدِّث الناس، فقال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان، قال الله تعالى:{أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} (1)، وقال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} (2)، قال: فهمُّوا أن يأخذوني، فقلت: ما لكم وذاك! إني مفتيكم وضيفكم، فتركوني. وإنما أراد عكرمة أن يعرض بالمختار وكذبه في ادعائه أن الوحي ينزل عليه» اهـ.
…
انحراف عقدي:
يقول إحسان إلهي ظهير رحمه الله (3): «ومن الكيسانية تفرعت فروع كثيرة، وتفرقت فرق متعددة مثل الكرابية والحربية والرزارمية والبيانية والرواندية وأبو المسلمية والهاشمية والحارثية وغيرها، ويجمع هذه الفرق كلها القول بإمامة محمد بن الحنفية والاعتقاد بالعقائد التي زرع بذورها السبئية وعبد الله بن سبأ، الغيبة والرجعة والتناسخ (4)
وغيرها،
(1) يوسف: 3
(2)
الأنعام: 112
(3)
إحسان إلهي ظهير: الشيعة والتشيع، ص (169)، بتصرف.
(4)
تناسخ الأرواح: من العقائد الفاسدة التي يقصد بها انتقال الروح من بدن قد مات صاحبه إلى بدن آخر لمخلوق حي، إنسانًا كان أم حيوانًا، وذلك لمنح الروح الفرصة بعد الفرصة لكي تتطهر من أدرانها على أساس أن الحياة قصيرة ولا بد من إعطاء الروح وقتًا كافيًا لكي تتحرر من أخطائها. ويعرف التناسخ بتجوال الروح، أو تكرار المولد. ويعد قانون الجزاء الهندوسي (الكارما) هو الأساس الفلسفي الذي قامت عليه عقيدة التناسخ، وقد تأثر بها المانوية من المجوس، وكان من أكبر لوازمها عندهم الاعتقاد بعدم انقطاع النبوة والرسالة، فيعتقدون أنه إذا مات رسول حلت روحه في بدن آخر مختار لحمل الرسالة وتولي أدائها، وهذا ما ترك آثاره السيئة على الأمة الإسلامية فظهرت دعاوى النبوة المزعومة في التاريخ الإسلامي وبخاصة بين غلاة الشيعة. وأول من قال بتناسخ الأرواح بعد الإسلام السبئية، وذلك في محاولة منهم لتزييف المفاهيم الأساسية لحدود العلاقات بين الله تبارك وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتبنى القول بهذه العقيدة الفرق الباطنية من أمثال النصيرية والدروز، إلا أنه يقتصر على الأجسام الإنسية فقط عند الدروز، وكانت من أهم الآثار الاعتقادية لنظرية التناسخ القول بالحلول .. أيضًا، فإن اليهود يؤمنون بالتناسخ، حيث يذكر تلمودهم:«بعد موت اليهودي تخرج روحه وتشغل جسمًا آخر، فإذا مات أحد الجدود تخرج روحه وتشغل أجسام نسله حديثي الولادة، وهذا التناسخ قد فعله الله رحمة باليهود، لأنه أراد سبحانه وتعالى أن يكون لكل يهودي نصيب في الحياة الأبدية» اهـ[انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (2/ 1022 - 3)، والكنز المرصود في قواعد التلمود، ص (66 - 7)].
وصار التشيع مأوى وملجأ لكل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته، وكل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارًا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم. وبدأ التشيع الأصلي يذوب، والشيعة الأولى ينقرضون إلا القليل، وعلى رأسهم أولاد علي وبنو هاشم، وبدأت أفكار السبئية تتسرب إليهم وتتغلب عليهم، خصوصًا شهادة الحسين رضي الله عنه جعلت الموالين لعلي وأولاده وحتى بعض الطالبيين أيضًا يحسون بالحرمان الكبير واليأس الكثير، ويجدون أنفسهم تواقة إلى الانتقام وخصوصًا قلب نظام الحكم القائم المتهم بقتل الحسين وأهله في كربلاء، وبدأ بعض الجهلة والمغفلين ينقمون كل ما يتصل بالحكام ويبغضون كل ما يرى برأيهم وحتى العقائد والمعتقدات، فلما رأى هؤلاء أن ولاة الأمر يعظمون أبا بكر وعمر وعثمان وبقية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين بدءوا يتبرءون منهم ويتكلمون فيهم. لا لأنهم يجدون عليهم شيئًا، بل كرهًا لكل ما يسمعونه على المنابر وفي المحاريب.
هذا وبلغ الأمر بعد تطور الشيعة إلى حد أنهم بدءوا ينكرون المسَلَّمات والأسس التي عليها يقوم المذهب الإسلامي الحنيف والشريعة السماوية السمحاء، فقط لأن الحكام يتمسكون بها ويعتقدونها، مثل القرآن، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة رسول الله التي جعلها الله بيانًا لهذا القرآن» اهـ.
وما أشبه هذه (المرحلية) التي مر بها تاريخ التشيع - فيما أرى - بما حدث مع قوم نوح عليه السلام؛ قال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (1)، وقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: كانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحِمْيَر، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا
(1) نوح: 23
يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخ العلم عُبِدَت» (1).
فهذا تمامًا ما فعله الفريق الخادع من السبئية شياطين الإنس مع الفريق المخدوع؛ فلقد أخفوا على العوام أغراضهم الخبيثة، ونفخوا فيهم سمومهم، واتبعوا معهم سياسة النفس الطويل، حتى صار التشيع جيلًا بعد جيل وكأنه تنزيل من رب العالمين!!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» (2)، ولقد ذكرنا ما كانت عليه شيعة علي رضي الله عنه بعد عام الجماعة من انقسام؛ فقلنا: إن منهم من ترك التشيع وبايع معاوية، ومنهم من ركب جواد الطبع فقال بإمامة الحسين بعد الحسن، أو مال عنهما وقال بإمامة محمد بن الحنفية. ولو كان هؤلاء وآباؤهم من أهل الاعتصام بالكتاب لما طعنوا في حق أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم (3)، ولما وجدتهم بعد وفاة كل إمام من أئمتهم المختارين يتصارعون حول من يخلفه، فانقسموا بذلك إلى فرق شتى، انقسامًا أشبه ما يكون بالانشطار الذرِّي! بل وصارت كل فرقة تنكر على الأخرى، بل وتُكَفِّرها. ولذلك اختلف العلماء في حصر عدد فرق الشيعة، فلا يوجد قول فصل في عددهم.
يقول شاه عبد العزيز الدهلوي (4): «اعلم أن القدر المشترك في جميع فرق الشيعة
(1) البخاري، كتاب تفسير القرآن: 4920
(2)
رواه مسلم، كتاب الحج: 1218
(3)
روى البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفية قوله: «قلت لأبي [أي عليّ]: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين» [البخاري، كتاب فضائل الصحابة: 3671]. يقول الشيخ العثيمين رحمه الله في شرح الواسطية: «صار في تقديم عثمان على علي رضي الله عنهما آثار نقلية، وفيه أيضًا دليل عقلي، وهو إجماع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، فإن إجماعهم على ذلك يستلزم أن عثمان أفضل من علي وهو كذلك، لأن حكمة الله عز وجل تأبى أن يولى على خير القرون رجلًا وفيه من هو أفضل منه، كما جاء في الأثر: "كما تكونون يولَّى عليكم"، فخير القرون لا يولي الله عليهم إلا من خيرهم» اهـ[شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، ص (345)].
(4)
محمود شكري الألوسي: مختصر التحفة الاثني عشرية، ص (209).
المجمع عليه بينهم إنما هو كون الأمير رضي الله عنه إمامًا بلا فضل، وإمامة الخلفاء الثلاثة باطلة ولا أصل لها
…
وأما بعد هذا القدر المشترك، فلهم اختلاف كثير فيما بينهم بحيث إن بعضهم يضللون ويكفرون ويبطلون بعضًا آخرين ويشنعون عليهم. وكفى الله المؤمنين القتال، فقد سقط عن أهل السنة عبء تلك المجادلة الباطلة» اهـ.
ولقد تتبع أئمة السلف والخلف مسار هذه الحركات الباطنية على مر العصور في كتب الفرق والمذاهب، والذي يعنينا في هذا المقام هو قول الإمام ابن الجوزي رحمه الله (1):«اعلم أن القوم أرادوا الانسلال من الدين فشاوروا جماعة من المجوس والمزدكية والثنوية وملحدة الفلاسفة في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من استيلاء أهل الدين عليهم حتى أخرسوهم عن النطق بما يعتقدونه من إنكار الصانع وتكذيب الرسل وجحد البعث وزعمهم أن الأنبياء ممخرقون ومنمسون (2) ورأوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم قد استطار في الأقطار وأنهم قد عجزوا عن مقاومته، فقالوا: سبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم أزكاهم عقلًا وأتحفهم رأيًا وأقبلهم للمحالات والتصديق بالأكاذيب، وهم الروافض، فنتحصن بالانتساب إليهم ونتودد إليهم بالحزن على ما جرى على آل محمد من الظلم والذل ليمكننا شتم القدماء الذين نقلوا إليهم الشريعة، فإذا هان أولئك عندهم لم يلتفتوا إلى ما نقلوا، فأمكن استدراجهم إلى الانخداع عن الدين، فإن بقي منهم معتصم بظواهر القرآن والأخبار أوهمناه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن وأن المنخدع بظواهرها أحمق وإنما الفطنة في اعتقاد بواطنها، ثم نبث إليهم عقائدنا ونزعم أنها المراد بظواهرها عندكم، فإذا تكثرنا بهؤلاء سهل علينا استدراج باقي الفرق» .
ويقول عبد القاهر البغدادي (3): «وذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين، فوضع الأغمار منهم أساسًا من قَبِلَها منهم صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي صلى الله عليه وسلم على موافقة
(1) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ص (103).
(2)
ممخرقون: أي مكذبون مموهون، ومنمسون: أي ملبسون على الناس الحق بالباطل.
(3)
عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفِرَق، ص (266 - 9) بتصرف.