الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الغير حتى بين اليهود بعضهم وبعض؛ حقد على الغني من الفقير وعلى القوي من الضعيف وعلى السعيد من الحزين» (1)، وصدق الله العظيم القائل:{بَاسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} (2).
…
واقع العلاقة بين اليهود والنصارى في المجتمعات الأوروپية:
ننتقل إلى واقع العلاقة بين اليهود والنصارى في المجتمعات الأوروپية، فكما يقول يواكيم پرنز (3):«إن موقف الكنيسة في القرن الثالث عشر الميلادي الذي أوجب الحظر الصارم على اليهود، وإجبارهم على السكن في الجيتو، وارتداء ملابس مميزة خاصة، ما هو إلا دليل وشاهد على وجود اختلاط واتصال متبادل بين المسيحيين واليهود» .
ولكن العلاقة كان يسودها الاضطراب في غالب الحال كما أشرنا من قبل، وكما يذكر شاحاك (4):«تعرض اليهود خلال فترة اليهودية الكلاسيكية بكاملها إلى الاضطهاد في أغلب الأحيان» .
ولكن لو بحثنا عن الأسباب نجد أنها ليست كما يروج إليها الصهاينة من كونها لا شيء سوى معاداة السامية القدرية المحتومة وغير المُبَرَّرة! بل إنها ترجع في الواقع إلى عدة أمور سبق ذكرها، ولعل أبرزها كان اشتغال اليهود بالربا؛ فكان المرابي «يلعب دورًا اقتصاديًا أساسيًا في المجتمع الغربي، فإن أراد الأمير الإقطاعي تزويج ابنته أو تجريد حملة في حروب الفرنجة أو تعمير أرض جديدة، أو أزمعت دار البلدية بناء كنيسة أو كاتدرائية، أو واجه أعضاء الطبقات الفقيرة مصاعب شخصية فجائية، في كل هذه الحالات كان المرابي هو الذي يزود المجتمع بالأموال السائلة التي يحتاج إليها والتي تضمن استمراره» (5).
(1) السابق، ص (363) بتصرف يسير.
(2)
الحشر: 14
(3)
يواكيم پرنز: بابوات يهود من جيتو روما، ص (37).
(4)
إسرائيل شاحاك: اليهود واليهودية، ثلاثة آلاف عام من الخطايا، ص (103).
(5)
د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (2/ جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض)).
ولقد برز دور اليهود في هذا المجال في الوقت الذي كانت تحرم فيه الكنيسة على النصارى الاشتغال بالربا، وأصدرت عدة قرارات في هذا الشأن، ولكنهم كذلك ما رعوا قراراتهم حق رعايتها، وكانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ} (1).
وكان النظام الإقطاعي في الغرب «يستند إلى شرعية مسيحية ويتطلب يمين الولاء كشرط أساسي للانتماء إليه، وقد وجد أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب أنفسهم خارج كثير من المجالات السياسية والاقتصادية والمدنية المشروعة [إلا إذا تنصروا]. وكانت هذه الظروف سببًا ونتيجة في آن واحد لتحوُّلهم إلى جماعة وظيفية وسيطة تقوم بأعمال التجارة ثم الربا. وربما كان هذا الوضع هو الذي حدَّد موقف أعضاء المجتمع منهم، فكان يُنظَر إليهم من أعلى باعتبارهم أداة يمكن استخدامها أو استبدالها إن دعت الحاجة، كما كان يُنظر إليهم من أسفل باعتبارهم وحوشًا لا بد من ضربها، فهم الأداة
(1) التوبة: 34
(2)
د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (2/ جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض)) باختصار.
الواضحة لاستغلال الجماهير التي لم يكن بوسعها فهم آليات الاستغلال والقمع» (1).
وكان الملوك يبذلون قصارى جهدهم لمنع المرابين اليهود من اعتناق المسيحية، إذ إن هذا يشكل إضعافًا وتبديدًا للأداة التي يستخدمونها. وكان المرابي الذي يَتنصَّر يفقد كل ثروته التي كانت تئول إلى العرش، لأنه لا يحق له أن (يتمتع بثمرة الرذيلة)، أو هكذا كان التبرير والادعاء!
وكانوا كذلك يلقون بالمرابي اليهودي إلى الجماهير الغاضبة، كبشًا للفداء، إذا ما ثبت أنه يكلف أكثر مما يفيد (2).
ويقول أيضًا (4): «يجب الإشارة إلى أنه في كل أسوأ أشكال الاضطهاد التي تعرض لها اليهود، أي التي كان يُقتل فيها اليهود، فإن الطبقة الحاكمة العليا، الإمپراطورية، والبابا، والملوك والطبقة الأرستقراطية العليا، وكبار رجال الدين، وأيضًا البورچوازية (5) الثرية في المدن ذات الحكم الذاتي، كانت دائمًا في صف اليهود. أما الذين ناصبوا العداء فكانوا ينتمون إلى الطبقات المضطَّهدة والأكثر استغلالًا من غيرها، وأولئك
(1) السابق (2/ الصور الإدراكية النمطية وكلاسيكيات وتاريخ معاداة اليهود حتى بداية القرن الثامن عشر) بتصرف يسير.
(2)
السابق (2/ جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض)) بتصرف يسير.
(3)
إسرائيل شاحاك: اليهود واليهودية، ثلاثة آلاف عام من الخطايا، ص (102) باختصار.
(4)
السابق، ص (104 - 5) باختصار.
(5)
البورچوازية Bourgeoisie: مصطلح اشتق من الكلمة الفرنسية القديمة (بورچي Burgeis) التي كانت تطلق على ساكني المدينة، ثم صار المصطلح يرمز إلى طبقة اجتماعية ظهرت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر من الميلاد، وهم التجار وأصحاب رءوس الأموال والمحلات العامة والحرف.
القريبون منهم مثل طرق الرهبان المتسولين. وصحيح أنه في أغلب الأحوال - ولا أعتقد في جميعها - حمت طبقة النخبة اليهود ودافعت عنهم ليس لاعتبارات إنسانية ولا تعاطف مجرد مع اليهود، ولكن للسبب الذي يستخدمه الحكام بشكل عام من أجل تحقيق مصالحهم
…
ولهذا السبب فإن جميع المجازر التي تعرض لها اليهود خلال الفترة الكلاسيكية كانت جزءًا من ثورات الفلاحين أو حركات شعبية أخرى، في أوقات كانت الحكومة فيها لسبب ما في غاية الضعف، ويصدق هذا حتى في الحالة الاستثنائية جزئيًا لروسيا القيصرية» اهـ.
وكان اليهودي يسقط ضحية الثورات الشعبية لأنه قريب ومتاح ومباح باعتباره عضوًا في جماعة وظيفية، على خلاف الملك الموجود في قصره خلف حراسه، والذي يشكل الهجوم عليه لا مجرد مظاهرة شعبية وإنما ثورةً هائلة (1).
ولكن هذا لا يجعلنا بحال من الأحوال نغفل عن أن ما أصابهم كان جزاء بما كانوا يعملون، فالله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، قال سبحانه:{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (3).
لقد قالوا - لعنهم الله - في تلمودهم: «يجوز أخذ الربا من المرتدين الواقعين في الوثنية» ، وقالوا: «يجوز، وفقًا للتوراة، إقراض بربا لآكوم Akum (4) . بعض الشيوخ
(1) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (2/ جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض)).
(2)
إسرائيل شاحاك: اليهود واليهودية، ثلاثة آلاف عام من الخطايا، ص (105).
(3)
النساء: 160 - 161
(4)
كلمة يطلقها اليهود على النصارى، وهي تعني عبدة النجوم والكواكب.
مع ذلك يحرمون هذا، إلا إذا كانت قضية حياة أو موت. وفي أيامنا الراهنة، مسموح التعامل بالربا لأي سبب» اهـ (1).
وكان بعض أعضاء الجماعات اليهودية يرون أن الاشتغال بالربا وسيلة من وسائل الانتقام من الأغيار، وطريقة لتوسيع الهوة بين اليهود وغيرهم. وبالتالي لم يَعُد الربا مجرد مهنة أو مصدرًا للدخل وإنما أمرًا مرغوبًا فيه في حد ذاته، وتَحوَّل من مجرد وظيفة إلى فعل رمزي ذي مضمون نفسي مُحدَّد، بل إن بعض المفكرين الدينيين وصف الاشتغال بالربا بأنه طريقة مثالية لتحقيق أرباح سريعة دون إنفاق وقت طويل بما يتيح لليهودي التفرغ لأسمى أهداف حياته، أي دراسة التوراة. وقد فسر بعض الحاخامات ازدهار الدراسات التلمودية في ألمانيا، والدينية على وجه العموم، بأن اليهود كانوا يعملون فيها بالربا أكثر من أي بلد آخر! (2).
بل وتُعَد مسرحية تاجر البندقية The Merchant of Venice التي كتبها وليام شكسپير William Shakespeare (1564 - 1616 م) تلخيصًا لشخصية اليهودي المرابي الجشع في كل عصر وكل مكان (3).
(1) انظر، آي. بي. پرانايتس: فضح التلمود، ص (79، 134). I. B. Pranaites: The Talmud Unmasked
(2)
د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (2/ جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض)).
(3)
تحكي المسرحية قصة حادثة وقعت في مدينة البندقية في إيطاليا بين تاجر شهم محب للخير اسمه أنطونيو Antonio، وبين مرابٍ يهودي شرير اسمه شيلوك Shylock، وكان اليهودي يغار من أنطونيو ويحقد عليه، وذات مرة اقترض أنطونيو بعض النقود من اليهودي المرابي، فقال له الأخير:«سوف أكتبك من باب المزاح قرارًا بأنك إذا لم تدفع الدين في موعده في يوم كذا وبالمكان الفلاني يكون من حقي اقتطاع رطل من لحمك من المكان الذي أختاره من جسمك» ، ومن باب المزاح أيضًا وطيبة القلب كتب أنطونيو على نفسه هذا الإقرار، وهو متأكد أن شيلوك مهما بلغت أحقاده وشروره فلن يصل به الأمر أن يفكر جديًا في تنفيذ هذا الاتفاق الهزلي، لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، وعجز أنطونيو، وعندما احتكما للقضاء طالبت پورشيا Portia محامية أنطونيو بتنفيذ نص الإقرار، وهو أن يأخذ شيلوك رطل لحم من جسد أنطونيو، ولكنها اشترطت ألا ينزف نقطة دم واحدة من جسد أنطونيو، وبالطبع لم يستطع شيلوك تنفيذ هذا الأمر، واتضح للمحكمة سوء نيته، وأنه لم يكن يريد استرداد حقه، ولكنه كان يريد سفك دماء أنطونيو والانتقام منه، فصادرت أمواله كلها جزاء لأحقاده وسوء نيته.
ولقد امتد نشاط المرابي اليهودي إلى بني جلدته، ولكن الإقراض في هذه الحالة كان يأخذ شكلًا خاصًا حتى يتم التحايل على أشكال التحريمات الدينية الخاصة بعدم إقراض اليهودي بالربا؛ فكان المرابي يصبح شريكًا موصيًا أو شريكًا يشترك بالمال لا بالعمل وينال نصيبًا من الربح إذا كسبت التجارة، ولا يخسر شيئًا من ماله إذا لم يربح (1).
ولكن ..
لا يعني ما تقدم سرده تهميش دور الخلفية العقائدية الأصلية التي قامت عليها صور العداء تلك بين اليهود والنصارى، خاصة وأن المناخ العام كان دينيًا بسبب سيطرة الكنيسة والحاخامات كما سبق أن ذكرنا.
وقبل هذا الوقت [في القرن الثالث عشر] هاجمت المراجع المسيحية اليهودية مستخدمة إما ذرائع توراتية أو ذرائع عامة، وكان واضحًا أن الحملة المسيحية ضد التلمود جاءت نتيجة لتحول يهود ضالعين جدًا في التلمود إلى المسيحية (3)، فكانوا يُعرِّفون القيادات المسيحية وجماعات الرهبان بما جاء في التلمود (وبعض الكتب الدينية اليهودية الأخرى) من هجوم شرس على المسيح والمسيحية وبعض عادات اليهود الأخرى التي تهدف إلى عزلهم عن مجتمع الأغيار (4).
(1) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (2/ جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض)).
(2)
السابق (2/ الصور الإدراكية النمطية وكلاسيكيات وتاريخ معاداة اليهود حتى بداية القرن الثامن عشر) بتصرف يسير.
(3)
إسرائيل شاحاك: اليهود واليهودية، ثلاثة آلاف عام من الخطايا، ص (45) باختصار.
(4)
انظر، د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (2/ الصور الإدراكية النمطية وكلاسيكيات وتاريخ معاداة اليهود حتى بداية القرن الثامن عشر).
ولقد أدت بالفعل العزلة النفسية التي عاش فيها اليهود عبر قرون طويلة إلى اتصاف اليهود بعقلية قاسية تميل إلى الشر والهدم وسفك الدماء، وأصبحت الشخصية اليهودية التي عاشت في الجيتو شخصية عدوانية، فقد كان لحارات الجيتو الفضل في الحفاظ على العنصرية اليهودية في شكلها المرضي الذي أصبح داء عضالًا، حتى انقلب إلى موقف رفض للاندماج ثم إلى عداء للإنسانية (1).
ولقد وجهت لليهود في هذه الفترة عدة تُهَم، منها نشر الوباء الأسود (الطاعون) وتسميم الآبار والمدن، «ولم يكن هناك تفسير علمي لهذه الظاهرة في العصور الوسطى، فأصابت الناس بالذهول، وفسرته الجماهير بأنه غضب الرب بسبب فساد الناس. كما اتجهت شكوك الناس نحو أعضاء الجماعات اليهودية لأن معدلات الإصابة بين اليهود كانت أقل نسبيًا من المعدلات العامة مع أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يعيشون بين الجماهير. ولعل هذا كان يعود إلى عزل اليهود في الجيتو عن بقية السكان وإلى وضعهم
(1) د. سناء عبد اللطيف: الجيتو اليهودي، ص (364) بتصرف يسير.
(2)
إسرائيل شاحاك: اليهود واليهودية، ثلاثة آلاف عام من الخطايا، ص (145) الهامش بتصرف.
الطبقي المتميز وقوانين الطعام الخاصة بهم» (1).
وكان من التهم التي وجهت إليهم كذلك تهمة السحر، ومما رسَّخ هذا الاعتقاد - علاوة على قيام اليهود فعلًا بالأعمال السحرية (2) - هو إنتاج المرابي اليهودي الثروة الضخمة عن طريق تحريك بسيط لأمواله لا عن طريق أي جهد مبذول.
وكان من أكثر التهم المثيرة للجدل والتي أثارت الكثير من المشاكل هي تهمة الدم: والتي تتلخص في أن اليهودي يقوم بذبح أي شخص غير يهودي نصراني أو مسلم، ليستخدم دمه في صنع فطيرة عيد الفصح، أو مزجه بالشراب أو استخدامه في الولائم والحفلات الكبرى التي لها صبغة دينية، حيث يضعون قطرات من الدم البشري على الخمور ..
(1) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (4/ الموت الأسود).
(2)
جاء بسفر أشعياء (57: 3): «أما أنتم فاقتربوا إلى هنا يا بني الساحرة يا نسل الفاسق والزانية» .
(3)
د. سناء عبد اللطيف: الجيتو اليهودي، ص (101) بتصرف.
عددت الدكتورة 48 حادثة دم - وذلك على سبيل المثال لا الحصر - في الفترة من 1071 إلى 1911م (1).
ولعل من أشهر تُهَم الدم حادثة دمشق Damascus Affair التي حدثت في الخامس من فبراير عام 1840م، وراح ضحيتها الراهب الفرنسسكاني توماس وخادمه إبراهيم عمار (2).
كل هذه الأسباب مجتمعة أدت في النهاية إلى ارتفاع موجة اضطهاد يهود أوروپابشكل عام ..
ولقد تعددت صور الاضطهاد وتنوعت: فمن ناحية، تحددت التشريعات المسيحية المتصلة باليهود من خلال قرارات المجمع اللاتراني (3) الثالث (1179م) برئاسة البابا ألكسندر الثالث Pope Alexander III (1100/ 1105 - 1081 م)، والرابع (1215م) برئاسة البابا إنوسنت الثالث Pope Innocent III (1161 - 1216 م)، وأخذت شكلها النهائي الذي استمر حتى عصر النهضة. فأكدت مقررات المجلس الثالث منع اليهود من استئجار مسيحيين ومنع المسيحيين من استئجار خادمة أو استخدام ممرضة يهودية أو طبيب يهودي. ولكن المجلس، مع هذا، جعل شهادة المسيحي ضد اليهودي وشهادة اليهودي ضد المسيحي جائزة، كما أوجب حماية اليهود من التعميد القسري ومن أي هجوم عليهم أو مضايقتهم أثناء أدائهم صلواتهم. أما مقررات المجمع الرابع، فطلبت إلى المسيحيين مقاطعة اليهود فيما لو حصلوا على فوائد مرتفعة على النقود التي يقرضونها بالربا، ونصت على منع اليهود من الظهور بملابس الزينة خلال الأيام الثلاثة
(1) انظر السابق، ص (103 - 5).
(2)
وقد ذكر المؤرخ الفرنسي أشيل لوران تفاصيل الحادثة في كتابه (العلاقة التاريخية للمسائل السورية منذ عام 1840 إلى 1842م)، والذي ترجمه الدكتور يوسف حنا نصر الله في كتابه (الكنز المرصود في قواعد التلمود) كما تقدم.
(3)
المجامع اللاترانية الكنسية Lateran Councils: هي مؤتمرات كانت تعقدها الكنيسة الكاثوليكية بشكل غير دوري لمناقشة الأمور المهمة، وهي المجامع التي أرست قواعد العقيدة المسيحية الكاثوليكية كما حددت أطرها وحددت علاقة الكنيسة بالسلطة الدنيوية وباليهود.
الأخيرة من أسبوع الآلام، وفي يوم الجمعة الحزينة بنوع خاص. وأصبح من غير الجائز تعيين اليهود في المناصب العامة أو تفضيلهم على المسيحيين. وقرر أنه يتعين على اليهود ارتداء ملابس خاصة بهم وأن يضعوا شارة معينة تميزهم، وأصبحت هذه الشارة تسمى (شارة العار)، وكان الهدف من الزي المميز والشارة منع الاختلاط والحيلولة دون حدوث التزاوج (1).
وفي هذه الفترة كذلك هوجم التلمود بشدة، وحيث كان العهد القديم مقدسًا لدى النصارى أيضًا، فكل غضبهم كان موجهًا إلى التلمود، باعتباره مصدر الشر الكامن في اليهود.
وقد حمل الملوك والبابوات حملات شديدة ضد التلمود، وكانت تصدر مراسيم بتحريم حيازة أو قراءة التلمود، بل وصدرت أوامر بإتلاف نسخ التلمود وحرقها.
وفي أواخر العصور الوسطى، اكتفت السلطات الحاكمة والكنسية بالرقابة على طبعه، فأجازت تداول نسخ محدودة بعد حذف فصول عديدة (2). وكثيرًا ما كان يتبادل اليهود فيما بينهم - دون علم السلطات - مخطوطات خاصة تضم المحذوفات التلمودية، أي تلك النصوص التي حذفتها الرقابة الحكومية (3).
كذلك جرت عمليات الطرد للجماعات اليهودية من الدول الأوروپية، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وإسپانيا والپرتغال، ولجأت أعداد كبيرة منهم إلى العالم الإسلامي في شمال إفريقيا والدولة العثمانية، وذهب بعض يهود إسپانيا إلى القارة الأمريكية، وذلك حين غزاها الصليبي كريستوفر كولمبس Christopher Columbus (1451 - 1506 م)، ليبدءوا مرحلة جديدة سنتعرض لها بعد قليل (4).
(1) د. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (4/ المجامع اللاترانية الكنسية) بتصرف.
(2)
انظر، ظفر الإسلام خان: التلمود، تاريخه وتعاليمه، ص (40 - 9).
(3)
ويعاد في إسرائيل طبع النسخة الأصلية من التلمود دون تعديل. ولما كانت عملية الطباعة مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا، فقد نشروا كتاب المحذوفات التلمودية في طبعة شرعية رخيصة بعنوان (حسرونوت شاس Hesronot Shas). [انظر، د. عبد الوهاب المسيري: اليد الخفية، ص (25 - 6)].
(4)
لم تخلُ الكتابات الأندلسية القديمة من إشارات ودلالات على اكتشاف العرب للأمريكتين قبل كريستوفر كولمبس، فضلًا عن تأثير حضارة الإسلام في كولمبس نفسه. [انظر، لطف الله قاري: العرب قبل كولمبس].